في يوم الدمع الحزين

الذاهبون بتلقائية إلى حيث تنتصب أسلاك شائكة وجنودٌ غزاة مدججون بالسلاح، هم الفلسطينيون أنفسهم الذين لازالوا على دأبهم في كل التفاصيل الصغيرة، بعد سبعين عاما من طردهم واستلاب وطنهم.
الأحد 2018/04/01
إسماعيل شموط صنع ألوانا بقطرات من الدمع الحزين

قبل نحو عقد من الآن، غيّب الموت الفنان التشكيلي إسماعيل شموط، صاحب الريشة الساهرة على تعميق الانتماء الوطني الفلسطيني الشمولي، لذاكرة وطن يسكن قلوب أصحابه. فهو منتج اللوحات التي ترفد الذاكرة الحية، للأرض والتاريخ والإنسان، مع رفيقة أيامه وريشته التي لازمت أوقاته، زوجته الفنانة التشكيلية تمام الأكحل.

عندما اتسعت الرؤية الجمعة الماضي في شريط فلسطيني جغرافي ضيق ومحاصر، يُدعى غزة التي يتنادى عليها الظَلَمة، مثلما تتنادى الأكلة إلى قصعتها؛ تذكرتُ إسماعيل وتمام.

فمن ذا الذي يقوى على رؤية المشهد من طَرفِه الأول إلى طرفه الأخير، غير إسماعيل شموط؟ تذكرت ما قاله محمود درويش في أربعينيته، إذ قال عنه “إن يده هي التي ترى، وقلبه الذي يرسم”.

فمن ذا الذي يصنع ـ سوى شموط ـ اللوحة التي رسمت نفسها بنفسها، وانتظرت أن تسكن قطعة قماش مُؤطَّرة، لكي تعيش فيها أبد الدهر؟

بعد يافا، التي ولد فيها وعاش طفولته الأولى المشاكسة، ومن ثم المرور باللد؛ عاش إسماعيل بدايات شبابه اليافع في قطاع غزة، وفي خان يونس بدأ يصنع ألوانا أخرى بقطرات من الدمع الحزين: يصوّر المشاهد ومآلات النكبة وتداعيات الحياة، بخطوط من الأمل وحلم العودة اليومي، الذي يرتّبه صورة صورة.

الذاهبون بتلقائية إلى حيث تنتصب أسلاك شائكة وجنودٌ غزاة مدججون بالسلاح، هم الفلسطينيون أنفسهم الذين لازالوا على دأبهم في كل التفاصيل الصغيرة، بعد سبعين عاما من طردهم واستلاب وطنهم.

وكان إسماعيل شموط، قد رسم كل سمات حياتهم في مرحلتي السعادة والشقاء، ورسم خلجات الأمل ومسارات التمني. تلك رحلة فلسطينية، كما وصفتها تمام الأكحل “من سنوات الفرح العابق برائحة بيارات البرتقال في يافا، ومن على شواطئ بحرها ومينائها العريق يبدأ المشوار، حاملا في جعبته ذكريات حمّام الأسبوع، إذ أقف في طشت مملوء بالماء الساخن، أتلذذ بالليفة عندما تغطس في طاسة الحمام الفضية، وبالصابون النابلسي الذي مازلتُ لا أستمتع بالحمام من دونه، حتى يومنا هذا”.

 فقد نشرت تمام مذكراتها، ومضت ترسم صورا دافئة مخملية، عن حقبة عاشها شعب فلسطين بتجانسه وتآلفه الخلاق، لا تحمل في شغافها سوى حب الحياة، وصولا إلى وقوع الانفجار الذي أصاب مركز البريد الحكومي في السرايا.. حيث يعمل موظفون فلسطينيون بالمئات، ومرورا بمباهج أجراس الكنيسة القريبة وترانيمها، في ليلة الصعود، وأبخرة “أبونا غطاس”.

فمن ذا الذي يصف اليوم مشهد النزول الدامع الحزين إلى الأسلاك الشائكة في غياب “غطاس” وحضور عباس وحماس؟

24