في يوم القديس باتريك

مع انعتاق أيرلندا الجنوبية بعد 800 سنة، أصبح يوم القديس باتريك هو الجدير بمهرجانات المدن والقرى ومسيراتها ومَسرّاتها.
الأحد 2018/03/18
احتفالات سنوية أيرلندية بيوم قديس شجاع

بعد أن استأجرت أحد أقدم المنازل في القرية الأيرلندية، ذهبت إلى بائع مشاتل الزهور لاستشارته في أمر الحديقة العشوائية في الساحة الخلفية للمنزل.

فبسبب تكاثف النباتات والحشائش الطفيلية، نَشأت مظنّة وجود أفاع في الحديقة، وتحَسّبت من ذلك، ولما أفصحت عن خشيتي من جود الثعابين، تطيّر صاحب المشتل كما يتطيّر العابد من لفظ الكافر فأجابني من فوره "لا ثعابين هنا، لا تفكر في هذا الاحتمال مرة أخرى. إنك لا تعرف أيرلندا".

اكتشفت أنني دخلت في الاتجاه المعاكس واقترفت مخالفة فادحة لقواعد المرور، بالتجديف ضد فضائل القديس باتريك، حسب إحدى أعز وأجمل سرديات الشعوب الكاثوليكية.

وبالمناسبة، لقد بدأت في عمرم أيرلندا ومهاجر شعبها، صباح السبت، الاحتفالات السنوية بيوم ذلك القديس والتي تتزامن مع 17 مارس من كل سنة.

تحتشد وتتقاطع الرمزيات في الاحتفالات السنوية الأيرلندية بيوم قديس شجاع، انتصر على شرّ بريطانيا الرومانية قبل اعتناقها المسيحية.

سجنه الإنكليز في جزيرة أيرلندا في القرن الثالث أو الرابع الميلادي. ولم يحدد المؤرخون حتى الآن تاريخا دقيقا للواقعة. ما أتاح للسردية أن تُضفي على الحكاية ملمحا أسطوريا، يجعل باتريك الذي فر من سجنه بعد ست سنوات من الاحتباس، ما بين أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، يعود في القرن الثامن مبشّرا بالمسيحية، وصاحب الفضل في إدخال هذا الدين إلى البلاد.

كأنما الحكاية مُفصّلة على مقاس الوجدان الشعبي الأيرلندي. إذ يصبح الرجل المتمرّد على القهر الاستعماري قديسا راعيا للجزيرة. فهو الذي بدأ مهمته بطرد الأفاعي من الأراضي كثيفة الأشجار، لكي يضمن لها الأمان في الحياة ويبدّد الخوف من غدر الثعابين، ثم انتقل إلى تعليم البدائيين، الثالوث المسيحي، مستخدما نبات “النَفل” ذي الورقات الثلاث“Shamrock” الذي أصبح شعارا قوميا للأيرلنديين، تزدان برسمه الخطوط الجوية الأيرلندية.

يقال إن القديس باتريك أسلم الروح يوم 17 مارس من ذات السنة، وتحولت ذكراه إلى طقس كاثوليكي يتعلق بواحد من أهم رموز الكنيسة الكاثوليكية، ومن فرسان المسيحية المقدرين عند الأرثوذكس.

 وعندما كانت أيرلندا الجنوبية تحت الاحتلال البريطاني، أقام الأيرلنديون للمرة الأولى، في العام 1737م مهرجانا مهجريا للقديس يوسف في بوسطن الأميركية التي حلوا لاجئين فيها.

 ومع انعتاق أيرلندا الجنوبية بعد 800 سنة، أصبح يوم القديس باتريك هو الجدير بمهرجانات المدن والقرى ومسيراتها ومَسرّاتها، إذ يستعاد طيف الرجل الذي فر من سجنه، كمعادل موضوعي لانعتاق خلاصيْ من السجن البريطاني، ولطرد القديس ثم الشعب، شرور الأفاعي.

24
مقالات ذات صلة