في يوم المرأة: كيف حالك أيتها الشاعرة

معركة المرأة الشعرية كمعركتها الحياتية لتفجير طاقاتها بالمعنى الإيجابي الخلاق، وليس بالدافع الثأري أو الانتقامي.
الجمعة 2018/03/09
المرأة المبدعة سجينة في خيالاتها النمطية

القاهرة - ثلاث مناسبات مختلفة التقت في ليلة واحدة بالقاهرة، بما يشبه دروعا استثنائية تجمّعت معا لتحصين المرأة المصرية في مواجهة التهميش والمشكلات النسوية المطبقة، لكنها رغم قوتها بدت هيّنة إزاء سهام الواقع الذكوري الحادة، عاجزة عن الانتصار للمرأة في قضاياها الحقيقية.

في مساء الأربعاء 7 مارس الجاري، احتفل المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية بيوم المرأة العالمي، وربيع الشعر، وعام المرأة المصرية، بحضور ست شاعرات حاولن خلال الأمسية أن يقاومن التهميش بالقصائد، ويرسمن صورة للمرأة بالكلمات والإيقاعات، وفق إمكاناتهن المتاحة.

الشعر والمرأة

يجد المتابع للمشهد أنه من الصعب تصوُّر أن مثل هذه الصيغ الأدبية قادرة على حل أزمات كتلك التي تكابدها المرأة في مصر، أو حتى التعريف بها كما ينبغي، إذ تأتي كتابة المرأة بحد ذاتها صورة من صور انهزام المرأة نفسها ككيان إنساني محكوم عليه بالعزلة والتشرنق والتبعية والانقياد.

 

بأشكال مختلفة يحتفل العالم العربي على غرار بقية أقطار العالم، باليوم العالمي للمرأة، لكن الاختلاف الجوهري هو الوضع الهش للمراة العربية التي مازالت تعاني أثقال السلطة الذكورية والدينية وتقاوم لتفتك حتى أبسط حقوقها في الحياة، وقد كان احتفاء القاهرة بالمرأة هذا العام شعريا بامتياز

لا تزال المرأة الكاتبة والمبدعة، على الأعم، سجينة في خيالاتها النمطية وقوالبها التعبيرية المكرورة، لا تملك جرأة الطرح عن جوانياتها وتقصّي مشكلاتها وترصّد احتياجاتها الملحة ورغباتها الكامنة، ورسم مسار سديد لحل مشكلاتها الجوهرية.

ويعني التحرر لدى أخريات مفهوما سطحيا بغرائزيته المباشرة، وكسره التابو الجسدي بابتذال وقد تأتي المساواة مع الرجل لدى فريق ثالث باعتبارها ندية تناحرية بين الطرفين المتنافرين، أو تطابقا تاما بين الجنسين المختلفين (تعدد الأزواج مثلا في مقابل تعدد الزوجات).

وعلى الأرض، تعاني المرأة المصرية وضعية مأساوية غير عادلة، وتحاصرها القيود من كل جانب، وتعصف بها الأزمات المتجذرة؛ ومنها: العنف، والتحرش، والإقصاء من المناصب القيادية، وزواج القاصرات، والختان، وسوء المعاملة الأسرية والمجتمعية، وغيرها.

ويحتفل العالم في الثامن من مارس من كل عام باليوم العالمي للمرأة، تقديرا للمرأة وتفعيلا لمنجزاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية، على خلفية مؤتمر الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس في العام 1945.

كما يجري الاحتفال باليوم العالمي للشعر وربيع الشعراء في 21 من مارس من كل عام، وهو اليوم الذي أعلنته اليونسكو بدءا من 1999، بهدف تعزيز قراءة الشعر ونشره ودعم الحركات الشعرية الطليعية.

جاءت احتفالية المسرح الصغير بالقاهرة بعنوان “الأوبرا تحتفل باليوم العالمي للمرأة وربيع الشعراء”، وهي تتويج ختامي كذلك لعام المرأة المصرية، وقد أحيتها الشاعرات: شيرين العدوي، عفت بركات، ميرفت طاهر، حنان شاهين، تقى المرسي، عبير زكي، وقدمها الناقد جمال حماد.

حضرت الشاعرات في الأمسية، وحضرت قصائدهن المتفاوتة في مواقعها قربا أو بعدا عن مسار حركة الحداثة والشعر الطليعي في مصر والعالم العربي، لكن إلى أي مدى حضرت المرأة ككيان يُحتفى بتحققه، وكقضية يُنتصر لها، وكقيمة إبداعية تضيف إلى الرصيد الإنساني؟

حضور الشاعرات أمسية المسرح الصغير في يوم المرأة العالمي لا يعكس خلاص المرأة من قفص التهميش، ولا يبرهن حتى على مضاهاتها الرجل كمبدعة متحققة تنعم بالاستقلالية والقدرة على ابتكار أطروحات ريادية، في ظل تبعيتها للرجل في شتى ميادين العمل والإنتاج في الحياة، التي لا ينفصل عنها حقل الإبداع.

الأدب النسوي لم يتمكن حتى هذه اللحظة من طرح قضايا النساء بموضوعية وعمق من قلب العالم الأنثوي ذاته
 

كذلك، فإن شعر الأنامل الأنثوية الذي انثال في فضاءات الأمسية، والأدب النسوي عموما، ليس من شأنه حتى هذه اللحظة طرح قضايا النساء بموضوعية وعمق من قلب العالم الأنثوي ذاته، ومن ثم محاولة إيجاد حل لتلك القضايا التي بلغت حد الأزمات المعقدة.

الوقوع في الأسر

إن معركة المرأة الشعرية، ببساطة، هي كمعركتها الحياتية، وهذه المعركة في الحالتين هي إدراك المرأة أنها تخوض معركة، إذ لا يقدر على حك جلدها غير ظفرها لتفجير طاقاتها بالمعنى الإيجابي الخلاق، وليس بالدافع الثأري أو الانتقامي.

ماذا قصدت الشاعرات بحضور أمسية دار الأوبرا المصرية؟ وما تصوراتهن حول الوضعية النسوية بمصر، والدور المنوط بالمرأة المبدعة لتقوله وتفعله على مدار العام، وليس فقط في يوم عيدها؟

سؤال لم تجب عنه قصائد الشاعرات بالحفل، التي انشغلت بتنهدات العشق والوطنيات الفجة وعموميات المشاعر الإنسانية المستهلكة.

ارتأت آمال سعد، المديرة العامة للنشاط الثقافي والفكري بالمسرح الصغير، أن شاعرات الأمسية أتين من أجل تجديد القيمة الروحية والفكرية لدى المتلقي وإعلاء شأن المرأة، في حين تمحورت أغلبية القصائد حول الراسخ والمستقر والموروث، من غير إزاحات تشي بذلك التجديد المشار إليه.

في فلك الغنائيات الوطنية والعاطفية دارت قصائد ميرفت طاهر “على اسمك يا مصر أخط بيميني عنوانا – أعشق فيك ما لا عن نفسكَ قد تعلمُ – أنا ألفُ أهواكَ”، ومن الرجل وإليه خرجت وآلت قصائد تقى المرسي “أعوذُ بفتنة التأويل منهُ، لعل النار تخبرهنّ عنهُ”.

ولإثبات نديتها في مواجهة الرجل جاءت قصيدة عبير زكي “لا تطرق ضعفي، فالأبوابُ محصّنة”. وبالدعوة إلى الخلاص من القيود الذكورية احتفت شاعرة العامية حنان شاهين في قصيدتها المهداة إلى يوم المرأة العالمي “مانيش جارية في مملكتك”.

من الصعب تصور أن مثل هذه الصيغ الأدبية والفنية قادرة على حل أزمات كتلك التي تكابدها المرأة في مصر
 

وتحرك الخيال في قصائد شيرين العدوي نحو براح أخصب، يوازي بين حضور الرجل كمحور، ومكابدات التصوف، وترددات الأحاسيس الإنسانية المتعمقة، على عموميتها.

عفت بركات، إحدى الشاعرات المشاركات في الأمسية بقصائد أكثر نضجا تخلت فيها عن الإيقاع الرتيب والتيمات التعبيرية والتصويرية المجانية، ليست لديها قناعة كافية بما يسمى “الأدب النسوي والأدب الذكوري”.

وترى بركات في تصريحها لـ”العرب” أن وضعية المرأة في مصر لا تختلف عن حالها في المجتمعات العربية، من حيث الإثقال عليها بما فوق طاقتها، وإعاقة مسيرتها الإبداعية والفنية، باستثناء القليلات جدًّا من المحظوظات اللائي نشأن في بيئات تدعمهن.

ويعرف الأدب النسوي بأنه ذلك الأدب الذي يقترن بطرح قضايا المرأة، والدفاع عن حقوقها، دون أن يكون الكاتب امرأة بالضرورة، أو فهو الأدب المرتبط بنصرة المرأة وتحررها واستقلالها وصراعها التاريخي للمساواة بالرجل.

وترى عفت بركات أن كثيرات توقفن عن الكتابة في مقتبل حياتهن، بمجرد أن دخلن قفص الزواج والأمومة، أو من باب الطاعة للزوج، الذي يرفض استمرار المرأة، أو بسبب الأسرة منقوصة الوعي. وتقول عفت إن المرأة يجب أن تكتب ذاتها بصدق، فالمبدعة الحقيقية لديها الكثير من الخفايا، ومخزونها الإنساني قادر على صناعة الدهشة وتغيير وجه العالم.

إن أرادت المرأة ذلك، فعليها أن تحب ذاتها أكثر، وتنفض عن كاهليها ما يثقلها، وتحدد رؤيتها لتبدأ في ترجمة إبداعها على أرض الواقع، لكنها وسط ضغوط الحياة حولها، ولكى تحافظ على بقائها، لا بد أن تصبح “سوبر مان”، بتعبير عفت بركات، كي تنتصر على ما يقيد حريتها طوال الوقت، وتنطلق في مسيرتها بغير قيود.

15