قائد الجيش الجزائري: عين على السلطة وأخرى على الحراك الشعبي

ضغوط خارجية وداخلية لدفع الجيش إلى حسم موقفه من الاحتجاجات، والإعلام السويسري يؤكد تدهور الوضع الصحي لبوتفليقة.
الخميس 2019/03/07
موقف صعب

يستمر غموض موقف المؤسسة العسكرية، بشأن تطورات الأوضاع السياسية في الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة، وتعمد قيادته إلى عدم الحسم فيه لصالح السلطة أو الحراك الشعبي، إلا أن الواضح هو وقوعها تحت ضغوط كبيرة، تجسدت في تعدد الخطابات والبيانات المتتالية.

الجزائر - تعمّد قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، ترك الباب مواربا في خطاباته الأخيرة، أمام مختلف القراءات والتكهنات، من أجل ألاّ يفهم أن العسكر قد حسم موقفه بشأن التطورات السياسية في البلاد، فبقدر ما تطمئن السلطة على دعم المؤسسة لها في تجاهل مطالب الشارع، يتوسم الأخير خيرا في بعض الإشارات التي يبعثها الرجل لطمأنة الغاضبين.

وتضاربت القراءات الأربعاء في الجزائر، حول مضمون الكلمة الثانية التي ألقاها قائد أركان الجيش، في ظرف لا يتجاوز الـ24 ساعة، ففيما حملت تأكيدات على سهر المؤسسة من أجل تأمين وإنجاح الاستحقاق الانتخابي، رسالة على تخندق المؤسسة في مسار السلطة الراغبة في الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية بمرشحها الراقد لحد الآن في مستشفى سويسري.

وذهبت قراءات أخرى إلى أن الرجل الأول في الجيش، أراد من خلال كلمته الثانية في المدرسة العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، تعديل موقف المؤسسة وتقديم إشارات إلى الشارع الجزائري، بأنه لا يمكن إلا أن يكون حاميا لإرادته ومطالبه، من خلال إشادته بما أسماه بـ”أواصر التوادد والتلاحم”.

وجاء في تصريح أحمد قايد صالح قوله “ويحق لجيشنا أن ينوّه بغزارة آيات التوادد والتراحم والتعاطف والتضامن والأخوّة الصادقة التي ما انفكت تتقوّى أواصرها بينه وبين شعبه، وهي علامات فارقة على مدى قوة الرابطة التي تشد الشعب الجزائري لجيشه، فطوبى لهذه الروابط الشعبية النبيلة والصادقة التي تجد في نفوسنا كعسكريين”.

تسريبات عن رفض عدد من كبار الضباط لخيار السلطة في الذهاب إلى عهدة خامسة لمرشحها عبدالعزيز بوتفليقة

وأضاف “كل العرفان والتقدير والإجلال لهذا الشعب الذي يشدّ على أيدينا ويشجعنا أكثر فأكثر على المضيّ قُدما بعزيمة وهمّة في سبيل حفظ رسالة نوفمبر الخالدة، وصيانة وديعة الشهداء الأمجاد، الذين نحن مدينون لهم بالتذكر والترحم وبالوفاء بالعهد، سواء الذين فدوا الجزائر بالأمس بدمائهم الزكية واشتروا حرية هذا الوطن بأرواحهم الطاهرة، أو الذين قدّموا أنفسهم ودماءهم الزكية من أجل أمن الجزائر واستقرارها استجابة لنداء الواجب الوطني”.

لكنه في افتتاحية الكلمة قال “إن الجزائر على أعتاب استحقاق وطني هام، والجميع يعلم بأننا قد التزمنا في الجيش الوطني الشعبي، وكافة الأسلاك الأمنية الأخرى كل الالتزام، بأن نوفّر له وللجزائر كل الظروف الآمنة، بما يكفل تمكين شعبنا من ممارسة حقه وأداء واجبه الانتخابي في كنف الأمن والسكينة والاستقرار، وتلكم مسؤولية وطنية جسيمة لا بد أن يتحمّلها الجميع”.

والظاهر أن قائد المؤسسة واقع تحت ضغوط داخلية وخارجية، تتصل بالمواقف الدولية التي بدأت تتصاعد في الساعات الأخيرة، وبالأجندات غير المعلنة بين السلطة الحاكمة وداعميها في بعض العواصم المؤثرة، فضلا عن التململ داخل المؤسسة العسكرية نفسها، من خلال ما يتسّرب من رفض عدد من كبار الضباط وقطاع عريض من منتسبي المؤسسة، لخيار السلطة في الذهاب إلى عهدة خامسة لمرشحها عبدالعزيز بوتفليقة.

وتكون التصريحات الصادرة عن الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي، حول دعمهما واحترامهما للحراك الشعبي ولمطالب الشارع الجزائري المنتفض منذ أسبوعين ضد السلطة، مقدّمة لتدويل الوضع وضغط غير مباشر على أركان النظام.

وكان الجنرال قايد صالح، قد أطلق في تصريحات سابقة رسائل تحذيرية للحراك الشعبي، مما اضطر جهة مجهولة إلى حذف وسحب بعض المقاطع منها في وسائل الإعلام الحكومي، خاصة تلك التي يصف فيها المتظاهرين بـ“المغرر بهم” وبـ“العمل على إعادة البلاد للعشرية الحمراء”.. وغيرها من التوصيفات والمفردات.

ويرى متابعون للشأن السياسي الجزائري، أن المداخلات المتكررة لقائد الأركان، ينم عن فراغ في السلطة، فهو يشغل منصب تقني لا غير (قائد أركان)، ويحمل صفة سياسية (نائب وزير الدفاع الوطني) فقط، وأن شلل المؤسسات والفراغ والطبيعة العسكرية للنظام هي التي تدفع به إلى الواجهة، في حين يغيب الرئيس ورئيس الوزراء ورئيسا غرفتا البرلمان ووزير الداخلية.

Thumbnail

وفي سياق آخر كشفت الأربعاء، صحيفة لاتربين دو جنيف، نقلا عن الناطق الرسمي باسم المستشفى الجامعي بجنيف نيكولا دو سوروس، بأن “عبدالعزيز بوتفليقة، باق تحت التهديد المستمر للحياة، بسبب تدني رد فعل جسده مع العلاج، وأن المشكلة الرئيسية لبوتفليقة، تكمن في مخاطر كبيرة من وجود ممرات خاطئة، وهو ما يعني أن التغذية يمكنها أن تتوجه إلى الجهاز التنفسي، مما يمكن أن يؤدي إلى التهاب رئوي حاد”. وأضافت “خلال الثلاث سنوات الماضية، تدهور وضعه الصحي بشكل ملموس، وتحوّل إلى مريض يعاني من حالة خطرة للغاية ويتطلّب رعاية مستمرة، نتيجة للجلطة الدماغية التي تسببت في تدهور وظائفه العصبية، ولمنع ابتلاع الطعام أو السوائل في الرئتين، يخضع عبدالعزيز بوتفليقة، لعلاجات بالمضادّات الحيوية بشكل منتظم، كما يتلقّى العلاج الطبيعي عن طريق الجهاز التنفسي.

ولفتت إلى أن بوتفليقة، يعاني من “فقدان القدرة على الكلام، وهو فقدان جزئي، ويبدو أنه يتلقّى ما يقال له، لكن من الصعب فهمه، وأن فريقا طبيا يتكون من أربعة أطباء جزائريين، بينهم مختصّ في أمراض القلب، وطبيب التخدير ومختص في الطب الداخلي والذي يعمل كمترجم مع العالم الخارجي، وغالبا ما يتحدث في مكانه”.

وتلتزم الرئاسة الجزائرية، التكتّم عن الوضع الصحي الحقيقي للرئيس بوتفليقة، منذ إصابته بجلطة دماغية في أبريل 2013، وتكتفي في أحسن الأحوال ببيانات مقتضبة تتحدث عن فحوصات طبية عادية، مما زاد من حالة الغضب والغليان الشعبي.

ونظمت الجالية الجزائرية بجنيف، الأربعاء، وقفة أمام المستشفى الذي يعالج فيه الرئيس بوتفليقة منذ أكثر من أسبوع، مطالبة بكشف الحقيقة عن الوضع الصحي للرجل، واطلاع الرأي العام الجزائري بالحقيقة الكاملة، لاسيما تلك المتعلقة بإمكانية منحه الشهادة الطبية التي تودع ضمن ملف الترشح للانتخابات الرئاسية، وهو الأمر الذي نفاه الناطق باسم المستشفى.

4