قائد الحرس الثوري الإيراني الحاكم الفعلي لسوريا

الأربعاء 2014/06/04
قاسم سليماني لا بشار الأسد هو الحاكم الحقيقي لسوريا

دمشق- تتفق كافة أطياف المعارضة السورية، بما فيها تلك التي لا تحمل موقفا متشنجا من إيران، على أن النظام السوري أطلق يد الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني في سوريا، وتحمّل المعارضة العرب والدول الغربية المسؤولية عن التحكم الإيراني بحاضر سوريا ومستقبلها.

وأكّدت شخصيات سياسية سورية معارضة لـ (العرب)، بعضها ينتمي إلى ائتلاف قوى الثورة وبعضها ينتمي إلى هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي، أن قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني، هو الحاكم الحقيقي لسوريا لا بشار الأسد، وتنقل عن مصادر متعاونة مع المعارضة مازالت داخل منظومة النظام أن سليماني هو الذي يحدد تحركات الأسد وكبار معاونيه، وهو الذي يُصدِر الأوامر بصيغة توصيات يتم تبنيها من قبل القيادة السورية دون مناقشة، وهو الذي يوجّه دفّة المعارك في مجمل الأراضي السوري، وأن عددا غير قليل من كبار ضباط الأجهزة الأمنية السورية هم موظفون لدى مساعديه.

نظريا لم تأت اتهامات المعارضة السورية من الفراغ، فالدور الإيراني في سوريا واضح وعلني ومختلف عن مواقف كل دول العالم، فالاستراتيجية الإيرانية، السياسية والعسكرية والدينية، دفعت نظام طهران إلى الوقوف إلى جانب نظام دمشق منذ انطلاق الثورة قبل ثلاث سنوات، وظفت خلالها إيران كل قواها السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية وفي كافة المستويات لدعم النظام ومنع سقوطه ومدّه بأسباب الحياة.


المحافظة الإيرانية رقم 35

قادة الحرس الثوري جهزوا 42 لواء و138 كتيبة لمواجهة «الأعداء» وحماية بشار الأسد في سوريا


على مدى أكثر من ثلاث سنوات، قدّمت إيران مساعدات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية ذات أهمية للنظام السوري، فأرسلت السلاح والمعدات والقروض لاحتياجات النظام ولشراء الأسلحة، كما أرسلت خبراء في مختلف الشؤون العسكرية والأمنية والتقنية، ودرّبت الآلاف من الميليشيات التابعة للنظام وبعض ضباط جيشه في إيران وفي سوريا، وكل هذا في محاولة لتعزيز قوة النظام وقدراته على مواجهة الثورة والقضاء عليها.

حاولت طهران تغييب الصفة الطائفية عن دعمها للأسد لكنها لم تنجح، وظهر جليا أن كل الدعم والتدخل الإيراني في سوريا أخذ طابعا طائفيا، فقد حشد النظام الإيراني بداية الشيعة السوريين ودفعهم إلى الانضمام إلى قوات النظام السوري غير النظامية عبر ادّعاء الدفاع عن المراقد الشيعية، كما أعطى الضوء الأخضر لحزب الله اللبناني الشيعي للتدخل بشكل مباشر في الحرب إلى جانب النظام من خلال عشرات آلاف مقاتلي الحزب الذين دخلوا إلى سوريا بشكل علني، وكذلك نظّم النظام الإيراني مجيء ميليشيات شيعية موالية له من العراق واليمن وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول واستخدمها في القتال ضد السوريين، ولم يتوان كل هؤلاء عن إظهار هدفهم الديني من وراء المجيء إلى سوريا.

التدخل الإيراني المباشر في الشأن السوري منع سقوط النظام وانهياره، وفق تأكيد قادة ورجال دين إيرانيين، ووفق تأكيد حزب الله اللبناني، الذي تفاخر بهذه الحقيقة أكثر من مرة، ولم يستطع النظام السوري نفيها على الرغم من أن هذا الكلام يؤكد التدخل في الشؤون الداخلية للدولة السورية التي يُفترض أن لها سيادتها.

في هذا السياق، قال إياد بركات، القيادي في الكتائب المقاتلة في درعا بجنوب سوريا لـ (العرب) “تَعتبر إيران سوريا خطها الأحمر، فوضعت كل ثقلها في هذه الأزمة، ولأن النظام أضعف من أن يصمد بمفرده أمام ثورة مسلحة يشارك فيها مئات الآلاف من المقاتلين، فقد رضخ لإيران كليا، وبات همه الأساسي كسب رضا طهران، بسياسييها وعسكرييها ورجال دينها، وباتت السيطرة الإيرانية على القرار السوري واضحة، وأصبح كبار رجال الدين والعسكريون الإيرانيون يتحدثون عن سوريا علنا بأنها المحافظة الإيرانية رقم 35".


رجل طهران في سوريا

حسين همداني: الحرب في سوريا لا تقل أهمية عن الحرب العراقية الإيرانية


بلغ التدخل الإيراني درجة أعلن فيها الجنرال حسين همداني، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني عن استعداد بلاده لإرسال 130 ألفا من عناصر قوات التعبئة (الباسيج) إلى سوريا وتحدث عن تشكيل (حزب الله السوري) ليكون ذراعا للحرس الثوري الإيراني تمسك بخناق الدولة والمجتمع السوريين كما تفعل نظيرها في لبنان، وشدد على أن إيران تقاتل اليوم في سوريا دفاعا عن مصلحة ثورتها، معتبرا أن أهمية هذه الحرب لا تقل عن أهمية الحرب العراقية الإيرانية.

كذلك أكّد الجنرال محمد اسكندري، قائد أحد فيالق الحرس الثوري في إيران أن “الحرب في سوريا هي في واقع الأمر حرب إيران ضد الولايات المتحدة الأميركية، وأن قادة الحرس الثوري جهزوا 42 لواء و138 كتيبة لمواجهة من وصفهم بـ “الأعداء” لحماية رجلنا بشار الأسد في سوريا”، فيما وصف مجيد مظاهري، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني كلا من سوريا ولبنان بـ “الخطين الأماميين لإيران”، معتبرا دعم حلفاء بلاده في البلدين واجبا شرعيا، وقال “إن توقفنا عن دعمها ستصل الخطوط الأمامية للعدو إلى حدودنا”.

في هذا السياق، قال المعارض السوري فايز سارة، عضو ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية “لقد استفادت إيران من إشكاليات ملفها النووي وأهميته في تمرير تدخلها السوري، والذي لم يُقابل من المجتمع الدولي والإقليمي بالاهتمام والشعور بالخطر إلا بحدود قليلة، لا تتناسب مع خطورته وتأثيراته المستقبلية على المنطقة والعالم”.

وأضاف أن “وقوف إيران إلى جانب النظام السوري ورئيسه، والقتال معه ضد الشعب بما يضمن بقاء نظام الأسد حتى الآن، يفرض رحيل إيران من سوريا مع رحيل الأسد ونظامه، وهذا سيعني خسارة استراتيجية كبرى لنظام طهران لا يمكن تعويضها، وسيؤدي إلى انهيار استراتيجية طهران في المنطقة، وهو أمر سيحدث بالتأكيد في ظل أي تغيير جوهري في الموقف الدولي والإقليمي من القضية السورية”.

وفي هذا المعنى، ترى الكثير من قوى المعارضة والقوى الثورية المسلحة في سوريا أن لدى إيران حلما بإعادة تشكيل الإمبراطورية الفارسية، وتوسيع رقعتها من طهران إلى المتوسط، وهو حلم أهم بكثير من كل المشاريع السياسية والأيديولوجيات الدينية التي تستخدمها في سوريا كأدوات للوصول إلى هذا الهدف.


القوس الإيراني


الهدف الأساسي من وراء وقوف إيران بقوة وحزم إلى جانب النظام السوري مستمد من استراتيجية التمدد الإيراني نحو البحر المتوسط، للسيطرة على قوس تحدث عنه الملك حسين، العاهل الأردني الراحل. يمتد هذا القوس الشيعي من طهران وحتى البحر المتوسط، وهو يُعطي طهران صفة القوة الإقليمية، هذا القوس يمتد من العراق (التي يحكمها نوري المالكي الموالي لإيران) مرورا بسوريا (التي يحكمها نظام علوي يتعامل مع إيران على أنها حبل الإنقاذ له) وصولا إلى لبنان (التي يتحكم بها حزب الله الشيعي المؤتمر بأمر إيران).

هذا القوس الإيراني، الذي حذّر منه الملك حسين وضّحته دراسة للباحث الروسي ديمتري مينين، وهو عبارة عن خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي يمتد بالأساس عبر إيران-العراق-سوريا.

تبيّن الدراسة، التي ترجمها مالك سلمان، أن خطّ أنابيب لنقل الغاز الطبيعي سيمتد على طول 1500 كم من “أسالويه” الواقعة على أضخم حقل غاز في العالم، “نورث دوم”/"ساوث بارز" (تشترك فيه قطر وإيران) إلى دمشق. وسيكون طول هذا الخط في الأراضي الإيرانية 225 كم وفي الأراضي العراقية 500 كم وفي سوريا 500- 700 كم.

خلال ثلاث سنوات، قدمت إيران مساعدات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية ذات أهمية للنظام السوري

وفي مرحلة لاحقة يمكن أن يمتد تحت البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى اليونان. كما يتم التفكير في احتمال تزويد الغاز المسيل إلى أوروبا عن طريق الموانئ السورية المتوسطية. وتصل الاستثمارات في هذا المشروع إلى 10 مليارات دولار.

ويشير مينين إلى أنه “كان من المقرر أن يبدأ خط الأنابيب هذا عمله، والمسمى “خط الأنابيب الإسلامي”، في الفترة الواقعة بين 2014 و 2016. وتصل طاقته المتوقعة إلى 110 ملايين متر مكعب من الغاز في اليوم (40 مليار متر مكعب سنويا). سبق أن أعلنت العراق وسوريا ولبنان عن حاجتها إلى الغاز الإيراني (25- 30 مليون متر مكعب في اليوم للعراق، 20- 25 مليون متر مكعب في اليوم لسوريا و 5- 7 ملايين متر مكعب حتى سنة 2020 للبنان)”.


هل تنقلب إيران


في دراسة أسباب التدخّل الإيراني في سوريا- وهي أسباب تنطبق في مجملها على مختلف القوى الخارجية المتورّطة في الصراع الدائر هناك، سواء بدعم النظام أو بدعم المعارضة- تتداخل السياسة مع الاقتصاد ويندمج التاريخ مع الحاضر والمستقبل، في لعبة الأمم التي اتخذت من شعارات “الديمقراطية” و”حق الشعوب في تقرير مصيرها” حصان طروادة لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية.

هذه المصالح التي تدفع طهران إلى دعم نظام الأسد من شأنها، وفق المحلّلين أن تدفعها إلى الانقلاب عليه. فتعدّد الجهات اللاعبة في سوريا، ودخول الجهاديين الذين يرفعون راية الحرب “ضدّ الشيعة والصفويين”، بالإضافة إلى الإصرار الشعبي السوري على إسقاط النظام، إلى جانب الوضع الاقتصادي الإيراني المتراجع نتيجة البرنامج النووي من جهة والمساعدات المالية والعسكرية الهائلة التي قدمتها طهران لنظام الأسد والعقوبات الغربية المفروضة على إيران، قد تساهم كلها في وقت ما في دفع إيران إلى تغيير حساباتها والموافقة على حل سياسي يضمن لها بعضا من فتات المصالح في سوريا.


* عن مجلة “ستراتيجيك كلتشر فاونديشن” ترجمة: د. مالك سلمان، المركز العربي للدراسات المستقبلية



اقرأ أيضا


الأسد وسبع سنوات جديدة

7