قائد السبسي.. خطاب مرير عن الوضع الخطير

كان خطاب الرئيس التونسي كاشفا عن خيبة أمل أساسها العجز عن التغيير في ظل مكبلات الدستور، ومسايرة الواقع نتيجة تحالفات غير طبيعية، وخيانات يتعرض لها مشروع الدولة المدنية الحديثة.
الخميس 2019/03/21
خطاب يكشف عن خيبة أمل أساسها العجز عن التغيير

الوضع خطير ولم يعد يحتمل المزيد من التردي، هذا ما أكد عليه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في خطاب بمناسبة الذكرى 63 لاستقلال تونس، من خلال رسائل مضمونة الوصول إلى الحكومة ورئيسها، والبرلمان وأعضائه، وحركة النهضة ورئيسها، وإلى عموم التونسيين الذين يستعدون لخوض الانتخابات التشريعية بعد 199 يوما.

الباجي قائد السبسي أطاح بكل ما كانت الحكومة وداعموها الأساسيون، يروجونه عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية، فالتضخم ارتفع من 4.4 بالمئة سنة 2010 إلى 7.3 بالمئة سنة 2018 رغم أنها عرفت انخفاضا سنة 2016 حيث بلغت 3.7 بالمئة، والتداين العمومي ارتفع من 40 بالمئة سنة 2010 إلى 71.7 بالمئة سنة 2018، إضافة إلى ارتفاع العجز التجاري والعجز الطاقي، وتراجع إنتاج الفسفاط.

المقارنات بين العام الأخير من حكم زين العابدين بن علي (الاستبدادي)، وبين العام الثامن مما يسمى بثورة الياسمين (الديمقراطية) تصب في صالح النظام السابق، فماذا ربح التونسيون إذن؟ أنصار الثورة والربيع العربي يقولون إن المسار الديمقراطي هو الذي نجح، وهو ما فنده السبسي عندما أكد أن الديمقراطية التمثيلية تعاني أزمة حتى في عقر دارها، كما هو الحال في هولندا وفرنسا وإيطاليا، وشدّد على أنه لا توجد ديمقراطية دون دولة قانون ودون إعلام مسؤول، وكأنه أراد أن يغمز بذلك من قناة القضاء المتهم في استقلاليته، والإعلام الذي بات مرتبطا بلوبيات المال والأعمال، وحسابات المصالح الشخصية والحزبية.

حتى دستور 2014 الذي قيل إنه من أفضل دساتير العالم، جاء ملغوما بخيارات واضعيه وعلى رأسهم حركة النهضة، خصوصا في ما يتعلق بتهميش دور رئيس الدولة، ووضع أغلب سلطات الجهاز التنفيذي بيد رئيس الحكومة الذي يتم اختياره من قبل البرلمان ليبقى أسيرا لدى الأغلبية، كما أن الدستور، أبقى موضوع مدنية الدولة خاضعا للاجتهادات، باعتبار أن لكل فصل ما يعاكسه في بقية الفصول، يضاف إلى ذلك استمرار الصراع حول تنصيب المحكمة الدستورية، بعد أن قررت النهضة، وفق بعض المصادر، إرجاء انتخاب أعضائها إلى ما بعد الانتخابات، حتى لا تعطي للرئيس الحالي فرصة تعيين كوتته المتمثلة في أربعة أعضاء.

لذلك أشار الباجي إلى أن لديه تحويرا جاهزا لبعض فصول الدستور، وأكد على ضرورة تعديل بعض الفصول من أجل ضمان إجراء انتخابات تنقل البلاد إلى وضعية أفضل، وكذلك للقطع مع بعض الظواهر التي أثبتت خطرها على المسار الديمقراطي، خلال العهدة المقتربة من نهايتها، ومن أبرزها ما سمي بالسياحة البرلمانية، التي أخلّت بكل الموازين التي قيل إنها تحققت بنتائج انتخابات 2014، وخاصة في ما يتعلق بحركة النهضة التي استطاعت أن تستفيد من عقائديتها الإخوانية في المحافظة على تماسك كتلتها، بينما انهارت كتلة نداء تونس بالتشققات والتصدعات والبيع والشراء، وتمرد رئيس الحكومة على رئيس الدولة الذي رشحه وعلى الحزب الذي زكّاه، وأصبحت مصلحة الدولة وحاجيات الشعب رهينة في أيدي المتصارعين على الاستحقاق الانتخابي القادم والتحالفات المرتقبة، وعلى تقاسم الغنيمة في ظل حالة من التردي الاقتصادي والاجتماعي.

هذا الواقع فسره الرئيس التونسي بفقدان تونس لرجال الدولة القادرين على تقديم الصالح العام على مصالحهم، وقال “الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة وهو أنّ رجل السياسة لا يفكر إلا في الانتخابات، لكن رجل الدولة همه مستقبل البلاد والأجيال”.

واللافت أن قائد السبسي خاطب بهذا الرأي، العشرات من كبار المسؤولين وقادة الأحزاب الذين يعتبر كلّ منهم نفسه رجل دولة، في حين عيون أغلبهم منصبة على ما تبقى من العهدة الحالية، وما قد تحمله العهدة القادمة من نتائج ومن تحولات. فتونس اليوم وفي غياب المؤسسات الفاعلة التي عادة ما تميز المجتمعات ذات الديمقراطيات العريقة، صارت مرتبطة برغبات ونزوات وأجندات الأحزاب، التي تعاني بدورها عجزا هيكليا واضحا، جعلها قائمة على حسابات الأفراد والعوائل وجماعات الضغط، الأمر الذي يتأكد من خلال ظهور طبقة من المستفيدين الآنيين على حساب أغلبية من الشعب تواجه أصعب مراحل التعثّر في تاريخ تونس الحديث.

هذا الواقع، حاول قائد السبسي أن يقارن بينه وبين ما عرفته البلاد مباشرة بعد استقلالها عام 1956، ففي ذلك الوقت كان هناك قادة وزعماء يجمعهم الانتماء إلى تونس، والدفع بها إلى مسارات الحداثة والمدنية والتطور، دون خضوع للانتماءات العقائدية والأيديولوجية، ولحسابات الأحزاب والأفراد واللوبيات، كما هو الوضع الحالي الذي تعاني فيه الدولة من السوس الذي ينخرها ويأكل مفاصلها، وخاصة من خلال محاولات التمكين التي ينطلق منها الإسلام السياسي في تحركاته وتحالفاته واستنتاجاته.

كان الرئيس التونسي واضحا في تصريحاته وتلميحاته، ولكنه تفادى مواقع الاشتباك، خاصة بتجاهله لبعض الملفات الحارقة وعلى رأسها قضية الجهاز السري، وكارثة الوفيات في صفوف الرضع بأحد المستشفيات الحكومية، بينما حاول الإشارة إلى مبادرته التشريعية بإقرار قانون المساواة في الإرث، وهو القانون الذي طوي في أدراج البرلمان، بعد أن بات تأجيل النظر فيه إلى ما بعد الانتخابات، أحد شروط النهضة لمواصلة دعمها لرئيس الحكومة يوسف الشاهد.

لم يطرح قائد السبسي كذلك موضوع ملف الطوارئ الذي أشار إليه مؤخرا في اجتماع مجلس الأمن القومي، بعد أن تبين له أن الموضوع يحتاج إلى الكثير من الوقت، نظرا لتناقض المواقف الداخلية حوله، وكذلك لما يوحي به رافضو المشروع المحليون من مواقف باتت تظهر تباعا في الخارج خاصة من خلال منظمات يبدو أنها أصبحت جزءا مهما من مصادر تشريع القرار الوطني.

في كل الأحوال، كان خطاب الرئيس التونسي بمناسبة عيد الاستقلال كاشفا عن خيبة أمل، أساسها العجز عن التغيير في ظل مكبلات الدستور، والاضطرار إلى مسايرة الواقع على ما هو عليه، نتيجة تحالفات غير طبيعية، وخيانات يتعرض لها مشروع الدولة المدنية الحديثة التي أسسها الحبيب بورقيبة ومساعدوه ومن بينهم كان السبسي قبل 63 عاما، وكذلك بسبب الغموض الذي يكتنف المستقبل في ظل تحولات جذرية يشهدها العالم، وكل تأخر عنها، يعني دفع ضريبة مضاعفة، وذلك ما يخشاه التونسيون، ومن بينهم الرئيس نفسه.

9