قائد السبسي يسعى لإعادة ضبط الإيقاع السياسي بمبادرة جديدة

الرئيس التونسي يشرع في إجراء مشاورات مع عدد من الشخصيات الوطنية في إطار مبادرة جديدة تستهدف توحيد الصف السياسي.
الجمعة 2019/05/10
قائد السبسي يحاول استعادة زمام الأمور

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يحاول استعادة دوره الذي سجل تراجعا على وقع المتغيرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، بإطلاق مبادرة سياسية تهدف إلى توحيد الصف الوطني.

تونس - يسعى الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إعادة ضبط الإيقاع السياسي في البلاد، من خلال إطلاق مبادرة جديدة تستهدف توحيد الصف السياسي على أمل تغيير قواعد موازين القوى استعدادا للاستحقاقات الانتخابية التي باتت تستحوذ على المساحة الأكبر من الاهتمام في البلاد.

وكشفت مصادر سياسية وحزبية لـ”العرب” أن الرئيس قائد السبسي شرع في إجراء مشاورات مع عدد من الشخصيات الوطنية، لبلورة عناصر هذه المبادرة التي يُرجح أن يُعلن عنها مباشرة بعد عيد الفطر، لتكون قاطرة لأي حراك سياسي قادم من شأنه تفكيك المأزق الراهن الذي تراكمت تعقيداته على وقع أزمة حركة نداء تونس، والتشتت الذي يُحيط بغالبية القوى السياسية الوسطية والحداثية.

وفي سياق هذه المشاورات والاتصالات التي تجري بعيدا عن الأضواء، ذكرت مصادر “العرب” أن الرئيس قائد السبسي التقى في بداية شهر رمضان بعدد من مؤسسي حركة نداء تونس، الذين اختاروا الحياد، ولم ينخرطوا في الصراع الدائر حاليا بين شقي سفيان طوبال وحافظ قائد السبسي الذي جعل هذه الحركة تدخل في نفق الانهيار المُدوي.

كما التقى أيضا ببعض الشخصيات السياسية الوطنية، وهو يُخطط للمزيد من اللقاءات مع قادة بعض الأحزاب، قبل صياغة مبادرته التي يُنظر إليها على أنها ستكون الورقة الأخيرة التي سيرمي بها الرئيس قائد السبسي لتحريك عناصر معادلات المشهد الراهن الذي دخل في مسار معقد وشائك قبل نحو خمسة أشهر من الاستحقاقات الانتخابية.

ولم يتسرب الكثير من المعطيات حول نتائج تلك المشاورات والاتصالات، التي من شأنها رسم ملامح المبادرة المنتظرة، لكن ذلك لم يمنع من بروز تباينات في الآراء تخللتها خشية من أبعادها، أملتها شكوك مُتزايدة حول حقيقة أهدافها، لاسيما في هذا التوقيت الذي يُشكل جزءا هاما من الحسابات السياسية بالنظر إلى التطورات العاصفة التي تُحيط بحركة نداء تونس.

ولا يتردد البعض من المتابعين السياسيين في ربط تحركات الرئيس قائد السبسي بالمساعي التي يبذلها لتوفير طوق نجاة لنجله حافظ قائد السبسي للخروج من المأزق القانوني الذي دخله بعد اصطفاف الحكومة إلى جانب شق سفيان طوبال في النزاع حول شرعية تمثيل حركة نداء تونس، بينما يذهب البعض الآخر إلى اعتبارها خطوة لا يمكن تجاهلها بغض النظر عن مساحتها وتأثيرها، وما تحمله من فخاخ سياسية.

السبسي يحاول ألا يكون خارج المشهد، رغم إدراكه بأن مساحة تأثيره تقلصت كثيرا نتيجة تبدل عناصر المعادلات السياسية

وتعترف مصادر “العرب” بأن المأزق يبدو شديد الصعوبة، خاصة وأن الجميع يُدرك أن الرئيس قائد السبسي الذي يريد ألا يكون خارج المشهد، قد تراجع دوره، وتقلصت مساحة تأثيره بعد أن فقد الكثير من الأوراق التي كانت تسمح له بتغيير المعادلات السياسية، بسبب حالات الشك والريبة التي تُضعف مسعاه، لاسيما في هذه الفترة التي دخل فيها السباق نحو الانتخابات مراحله الحاسمة.

ومع ذلك، تفرض هذه المشاورات والاتصالات نسقا سياسيا يندفع نحو محاولة احتواء القلق الذي ينتاب مُختلف القوى السياسية، من تداعيات بقاء المشهد على حال عناصره التي تخدم مُخططات حركة النهضة الإسلامية.

وتضج الصالونات السياسية بالحديث حول الكثير من القضايا والسجالات المفتوحة على المشاورات الجارية على أكثر من صعيد بين عدد من السياسيين والحزبيين، داخل تونس وخارجها، وكذلك أيضا البعض من رجال الأعمال الذين دخلوا على خط العمل السياسي، منهم يوسف زروق الذي كشفت مصادر إعلامية أنه كثف خلال الأيام القليلة الماضية من تحركاته في سياق البحث عن مقاربة جديدة تستجيب لمتطلبات الاستحقاقات القادمة.

وأكدت صحيفة “الشارع المغاربي” في وقت سابق، أن زروق الذي وصفته بـ”المقرب من فرنسا”، اجتمع مع الثنائي سفيان طوبال وأنس الحطاب من حركة نداء تونس، والتقى أيضا رئيس حزب حركة مشروع تونس محسن مرزوق والوزير السابق فاضل عبدالكافي. وتُرجح الأوساط السياسية أن تتواصل مثل هذه اللقاءات والمشاورات التي باتت تستوجبها الحالة الراهنة بتفاصيل استحقاقاتها التي فرضتها التطورات المُتلاحقة التي أحرقت الكثير من الأوراق والوجوه السياسية، لاسيما وأن المشهد العام في البلاد يقترب بخطى حثيثة من منعرج حاسم وسط سيناريوهات يصعب معها التكهن بمساره النهائي.

ويقف المشهد العام في البلاد أمام ثلاثة سيناريوهات سياسية في علاقة بتلك التطورات المُرتبطة بالانتخابات القادمة، أولها اندفاع حركة النهضة الإسلامية نحو سحب الثقة من حكومة الشاهد، وتشكيل حكومة تصريف أعمال، وهو سيناريو غذته التسريبات التي تلت اللقاء الذي جمع الأربعاء الماضي بين راشد الغنوشي ويوسف الشاهد.

وتشير تلك التسريبات إلى أن الغنوشي قد يكون طلب من الشاهد الإعلان رسميا عن عدم نيته الترشح للانتخابات، أو تقديم استقالته، وهي تسريبات إن صحت، تجعل هذا السيناريو مطروحا بقوة خاصة وأن كافة الأحزاب والقوى السياسية في البلاد عبرت عن خشيتها وتخوفها من سطوة الشاهد على مقدرات الدولة وتوظيفها لصالح حزبه تحيا تونس، وسط ارتفاع الأصوات التي تُحذر من إمكانية تزوير الانتخابات القادمة.

ولا يبتعد السيناريو الثاني عن الأول، باعتباره يتمحور حول الدفع نحو تأجيل الانتخابات، وهي فكرة تتردد كثيرا في أروقة الصالونات السياسية، حتى أن ناجي جلول الأمين العام لحركة نداء تونس، شق حافظ قائد السبسي، لم يتردد في المطالبة بتأجيل هذا الاستحقاق بحجة تمكين الأحزاب من ترميم صفوفها، والاستعداد له بشكل جيد.

أما السيناريو الثالث، فهو الذهاب إلى الانتخابات بتركيبة المشهد الراهن، شديد التقلب، والقابل لإفراز الكثير من المفاجآت. وتبقى هذه سيناريوهات واردة ما لم يطرأ أي جديد خلال الأسابيع القادمة، وذلك في علاقة بالوضع السياسي والأمني في البلاد، ونتائج التحولات في ليبيا والجزائر.

4