قائد شبح مبتورِ الرجل يخوض صراعا وجوديا على خلافة داعش

منشقون عن داعش يشككون في شرعية الخليفة الجديد للتنظيم بسبب عدم تصديق البعض منهم أن تسند مهمة إعادة بناء التنظيم لشخص تسبب في إضعافه.
الاثنين 2020/02/24
تصدعات ما بعد البغدادي

أثار مقتل أبي بكر البغدادي، أزمات مركبة داخل تنظيم داعش الإرهابي، تتداخل فيها الأبعاد الدينية مع العوامل الأمنية ومع المنطلقات الأيديولوجية. المعركة على خلافة البغدادي أكدت أن التنظيم يعيش أزمة داخلية عميقة وانقساما حادا، تزداد خطورة مع ما أفرزه السياق الإقليمي والدولي الذي وضع التنظيم وأنصاره في زاوية الحصار والإيقافات والتصفيات.

كان لزاما على أبي بكر البغدادي الظهور عبر مقطع فيديو في أبريل الماضي ليثبت أنه ما زال على قيد الحياة، كي يدعم موقف مناصريه في مواجهة المتمردين والمشككين داخل التنظيم المتشدد. أما خليفة التنظيم الجديد، وهو على أرجح الأقوال رفيق البغدادي في سجن بوكا حجي عبدالله قرداش التركماني، المكنى بـ”أبوإبراهيم الهاشمي القرشي”، فيحتاج لإسكات المناوئين والمنشقين الذين قويت شوكتهم بعد مقتل البغدادي إلى الظهور ليثبت أنه سليم ولا يشكو من نقص أحد أعضائه ليبرهن أهليته لمنصبه الجديد.

افتتح من كانوا ضمن مكتب البحوث الشرعية بتنظيم داعش بعد أن غادروا التنظيم على وقع خلاف دام حول مسائل فقهية عديدة، منصات خاصة بهم، من ضمنها مؤسسة التراث العلمي التي تعبر عن أفكار تيار تركي البنعلي الذي يعتنق آراء أقل تشددا في مسائل التكفير والعذر بالجهل من تيار آخر هو التيار الحازمي.

كتب منشقو داعش على صفحات منصاتهم الإعلامية قبل أيام، “خليفة داعش الجديد حجي عبدالله قرداش لا تتوافر فيه الشروط الواجب توافرها في الخليفة لكونه مبتور القدم اليمنى”.

صار الانقسام على خلفيات الجدل الفقهي أسوأ داخل داعش بعد غياب البغدادي، فالمنشقون طلبة علم وشرعيون غارقون في الجدل الفقهي، يشعرون الآن بعد مقتل الخليفة والقضاء على غالبية قادته بالمعارك أنهم في موضع قوة يمنحهم فرصة الثأر لأنفسهم ولرفاقهم الذين تم إعدامهم، عندما لم يجد قادة داعش الأمنيون والعسكريون حلا لوقف نزيف الانقسامات سوى الحد من نفوذ الشرعيين وتصفية النافذين.

عدم مشاهدة أو سماع قائد داعش الجديد ولد أفكارا لدى منافسيه، لأن من انشقوا لا تزال لهم ارتباطات بشخصيات نافذة داخل التنظيم، وواضح أن هناك من يحرك أوراقا للضغط على الخليفة الجديد للظهور والكشف عن نفسه ربما ليلقى مصير سلفه البغدادي.

دفع البغدادي ثمن ظهوره حياته، ومن دفعوه إلى ذلك من داخل التنظيم خططوا لهذا المصير، فحتى يهدئ غضب الناقمين على اختفائه ويسكت أصوات المشككين بشأن مسؤوليته عن قراراته غامر بظهوره المصور الذي لم يلبث بعده طويلا حتى تم تعقبه وقتله بمعرفة الاستخبارات الأميركية.

قرداش فشل في إدارة الخلاف بين مكونات داعش
قرداش فشل في إدارة الخلاف بين مكونات داعش

في حين يجد الخليفة الجديد نفسه بين ظهور باهظ الكلفة من شأنه التشكيك في أهليته لمخالفته شروط الإمامة التي تقتضي سلامة الحواس والأعضاء، وبين حرصه على متطلبات الأمن الذي يحول دون بسطه لسلطته ويضعف موقفه أمام منتقديه داخل الصف الجهادي ممن يقولون إنه لا خلافة من دون خليفة.

لا يكفي قرداش الكشف عن هويته والتحدث علنا للخروج من شبهة البيعة المجهولة كما صنع البغدادي على منبر المسجد الكبير بالموصل عام 2014، بل يحتاج إلى شكل من أشكال التمكين كي يلهم الحركة ويستقطب الأتباع.

وصف أحد المنشقين عن داعش التنظيم بوضعه الحالي بـ”الأجوف الذي ليس فيه من حقيقة الدولة شيء”، مستدلا بكلام لتركي البنعلي الذي كان أحد من درسوا الفقه والعقيدة لأبي بكر البغدادي قبل انشقاقه ومقتله بشأن ضرورة توفر القوة والشوكة والتمكين لتستكمل الخلافة مقوماتها وشروط صحتها.

تؤشر التوترات داخل داعش بين غلاة في التكفير وتيار أقل تشددا (الحازمية والبنعلية) التي ورثها الخليفة الجديد من سلفه، بالنظر لدورها في إضعاف التنظيم من الداخل وإضعاف سلطة البغدادي نفسه وما خلفته من ثارات بين الجناحين العسكري والشرعي، يبدو أن حجي عبدالله قرداش سيواجه صعوبات جمة في إدارة المرحلة المقبلة.

يصبغ الانقسام الأيديولوجي مرحلة قرداش لكونه طرفا في هذا الصراع بالنظر لما انتهى إليه، مؤديا إلى اقتتال داخلي وإلى إضعاف التنظيم في ذروة احتياجه للتماسك أمام خصومه من الخارج خلال عامي 2018 و2019.

تأرجحت القيادة المركزية لداعش منذ أواخر 2015 بين التيارين المتصارعين، وكلما ألمحت بالانحياز لفريق تمرد الآخر، إلى درجة لجوء القيادة إلى إصدار بيانات وقرارات متضاربة لإرضائهما معا، وصولا إلى تهميش الشرعيين باعتبارهم أساس المشكلة وفرض سيطرة الأمنيين والعسكريين على التنظيم.

انتهى داعش إلى إعلان تولية أبي إبراهيم الهاشمي الذي ذهبت التأويلات بأنه هو حجي عبدالله قرداش، الذي شرّع أوسع عمليات التكفير والاستحلال والاستعباد ضد الأقليات، وساهم بخبرته الأمنية كضابط أمن سابق في عهد صدام حسين في أشرس عمليات القتل والتفخيخ ضد خصوم التنظيم.

يظل الدور الذي لعبه قرداش أثناء شغله منصب نائب البغدادي وأمير اللجنة المفوضة، وهي الهيئة الإدارية العليا للتنظيم، هو العامل الأخطر الذي أسهم في الفتّ في عضد التنظيم وفقدانه غالبية قياداته، عندما منح صلاحيات واسعة للأمنيين بحجة تقديمه مصلحة الدولة على الخلافات العقائدية، ما أدى إلى اختراق التنظيم ونجاح التحالف الدولي في تصفية أكثر من أربعين شخصية من هيكل داعش القيادي.

لا ينتقد المنشقون عن داعش الخليفة الجديد فقط على خلفية الطعن في أهليته بسبب قدمه المبتورة وفقدانه شرطا من شروط الإمامة، إنما لأنهم يعلمون أن قرداش، هو السبب الرئيسي في كل الخطايا التي تورط فيها التنظيم، والمسهم الأكبر في الخلل ببنيته التنظيمية والفكرية وفي تدميره من الداخل عبر تغليب سلطة الأمنيين وملاحقة الشرعيين.

تمهد تسمية قرداش خليفة للبغدادي لشروخ أكبر في جسد داعش، نظرا إلى القوة التي اكتسبها المنشقون من استقلاليتهم

تشكيك المنشقين في شرعية القرشي راجع إلى عدم تصديق البعض منهم أن تسند مهمة إعادة بناء التنظيم لشخص تسبب في إضعافه من الداخل وفشل في إدارة الخلاف بين مكوناته عندما كان البغدادي معزولا ولا يعلم شيئا عما يحدث، وفُوضت الصلاحيات لقرداش والهيئة العليا واللجنة المفوضة.

تمهد تسمية قرداش خليفة للبغدادي لشروخ أكبر في جسد داعش ولحالات تمرد على نطاق أوسع، بالنظر للقوة التي اكتسبها المنشقون من استقلاليتهم ما جعل إعلامهم ينافس إعلام داعش، معتمدين على إثارة معضلات فقهية وعقدية يتهرب إعلام التنظيم الأصلي من التصدي لتفنيدها والرد عليها.

يقدم المنشقون أنفسهم كتيار معارض ساع لإقامة دولة إسلامية نقية تتوخى عدم الوقوع في المخالفات التي ارتكبها البغدادي ومن معه، يسمونهم ابن عواد وعصابته، ويستهدفون استقطاب كل المقاتلين “الصادقين” الذين لا يزالون يقاتلون تحت راية داعش.

تواجه الخليفة المزعوم لداعش تحديات معقدة، فمع فقدان الأيديولوجيا المتعلقة بروايات حروب آخر الزمان بالشام والخليفة الثاني عشر القرشي جاذبيتها، وتنامي الحضور الإعلامي للمنشقين سوف يظل التصدع الداخلي عقبة أمام استعادة داعش امتداده العالمي، ولن تكفي القبضة الأمنية كأداة لقيادة الفروع المتفرقة، مع تسمية شخص بالكاد يحرص على تجنب مصير سلفه.

13