قائد عسكري أردني يفتح دفاتر نكسة يونيو

الاثنين 2017/06/05
إسحاق رابين ودافيد بن غوريون في جولة في القدس مع جنود ومسؤولين إسرائيليين خلال حرب 1967

يستذكر نائب رئيس أركان الجيش الأردني الأسبق اللواء الركن محمود باشا فهاد نكسة يونيو ويكشف بعض خفايا تلك الأيام الستة العصيبة في تاريخ العرب الحديث.

ويقول، في حوار أجرته معه “العرب”، في داره المطلة على الضفة الغربية في فلسطين إن وضع الأمة العربية، في تلك الأيام، لم يكن يسرّ الصديق، إذ كانت الخلافات العربية في أوجها من حيث المهاترات والحرب الإعلامية وقطع العلاقات في ما بين الدول العربية وتهديد دول عربية لدول عربية أخرى، فضلا عن فشل واضح للجامعة العربية، التي لم تستطع تحقيق شيء أو التقدم خطوة واحدة باتجاه توحيد الجهود العربية سياسيا واقتصاديا، منوّها إلى أن من أسباب تلك النكسة فشل مؤتمرات القمة باتخاذ أيّ قرارات توحّد جهد الأمة أو تقرّب وجهات النظر بين دولها أو إزاحة الخلافات جانبا والتفرغ للحرب، التي تعمدت إسرائيل شنها.

بالإضافة إلى فشل الإعلام العربي في استقطاب التأييد للقضية العربية بسبب مبالغاته وعدم كشف الحقائق للجماهير، فبدلا من أن يسعى إلى إطفاء الخصومات بين الدول العربية، فإنه أخذ يحرّكها ويؤجّجها، كما أن القيادة العربية الموحدة فشلت في توحيد الجهد العسكري العربي وتنسيق الخطط العسكرية لمواجهة إسرائيل وأيّ تهديد محتمل آخر، وإخفاقها في وضع خطط عسكرية لحشد القوات العربية لأماكن الصراع.

إسرائيل خططت للحرب

يشير اللواء الركن محمود باشا فهاد إلى أن قرارات القمم العربية، في ذلك الوقت، أكدت أن العرب ليسوا مستعدين للحرب ضد إسرائيل، محذرة من منح إسرائيل مسوغا لجر أي بلد عربي إلى الصدام المسلح، إلا بعد أن تزداد دول المجابهة قوة وعددا وتسليحا وتدريبا. وصادقت الجامعة العربية على توصية وزراء الدفاع العرب التي تفيد أن القوات العربية لن تستطيع مواجهة إسرائيل إلا بعد 3 سنوات لاستكمال تسليحها، أي في العام 1970.

ويذكر الباشا فهاد، الذي تولّى منصب نائب رئيس أركان الجيش الأردني من العام 1994-1999، أن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تركّز على نقل المعركة إلى أرض العدوّ، والبدء بضرب أقوى قوة عربية تواجهها، ثم ضرب ما تليها في القوة، واعتماد التفوق الجوي، وعدم إطالة الحرب الخاطفة، والمرونة في نقل القوات العسكرية من قطاع إلى آخر. أما الاستراتيجية العسكرية العربية فكانت دفاعية، تعتمد على تعزيز القوات العسكرية من حيث الكمّ والتسليح والتدريب ورفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة، وتعتمد على التشكيلات والصنوف المشتركة البرية والجوية والبحرية.

وكان قضم الأرض أحد أهم أهداف إسرائيل من شن الحرب في 5 يونيو 1967، فهي كانت تحضر للحرب دائما لزيادة رقعتها الجغرافية وتوسيع عمقها لذلك سعت إلى الاستيلاء على الضفة الغربية والوصول إلى نهر الأردن ليكون حدّا طبيعيا فاصلا مع الأردن، والاستيلاء على الجولان، التي تعدّها تهديدا لأمنها ولغايات عسكرية واقتصادية إذ أن مصدر حياتها الرئيسي، حاليا، هي منطقة الجولان لاحتوائها على مصادر مياه غزيرة من الينابيع، فضلا عن تطلّعها على سيناء لتكون منطقة عازلة تبعد خط القوات المصرية عنها.

العراق عزز سلاح الجو الأردني بـ12 طائرة هوكر هنتر و12 ميك 21 و10 قاذفات تي يو 16 تعمل من قاعدة أج ثري، في ما وصلت تعزيزات عسكرية أخرى من السعودية

يعتقد فهاد أن إسرائيل كانت قد خططت لشن حرب 1967 وعملت على جرّ العرب إليها قبل أن يستعد العرب لتكون حربها مباغتة ومفاجئة، راويا أن جرارا زراعيا إسرائيليا اندفع، بداية شهر أبريل من العام 1967 وأخذ يحرث الأرض الحرام ما بين سوريا وإسرائيل في منطقة تتوسط طبريا والحولة فأطلق السوريون النار على الجرار ونشبت معركة بالمدفعية والدبابات والطائرات المقاتلة أسقطت إسرائيل خلالها 6 طائرات مقاتلة سورية سقطت 3 منها في الأردن.

يتفق فهاد مع المشير محمد عبد الغني الجمسي وزير الحربية المصري الأسبق على أن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي قط، وأن سبب الهزيمة في العام 1967 كان اشتغال رجال الجيش وانشغالهم بالألاعيب في ميدان السياسة، فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة.

يشرح صورة الوضع العربي في تلك الأيام، فيقول إن الرأي العام السياسي الأردني كان منقسما إلى قسمين، الأول يؤيد دخول الحرب، والثاني يرى تجنبها مع أن رأي النخبة السياسية الأردنية كان مع الرأي العام في خوض الحرب. وكان الذين يؤيدون الحرب يتوقعون أن تكون هذه الحرب شبيهة بحرب السويس حيث تتدخل الدول الكبرى وتوقف الحرب، بينما الذين رأوا ضرورة تجنب الحرب كانوا على معرفة تامة بقدرات الجيوش العربية وأن النتيجة ستكون خسارة الضفة الغربية والقدس.

ويضيف فهاد أن سوريا دعمت منظمة التحرير الفلسطينية، في ذلك الظرف، ودعت إلى حرب تحرير شعبية وأن تنفذ منظمة التحرير الفلسطينية عمليات قتالية عدة في العمق الإسرائيلي، من خلال الحدود السورية واللبنانية، مما جعل إسرائيل تهدد برد مناسب ضد ما سمته مراكز التخريب، وتقصد الفدائيين الفلسطينيين، وهددت باجتياح سوريا واحتلال دمشق وإسقاط النظام.

ويتابع أن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر كان متخوفا من أن تستبدل أميركا النظم اليسارية في الوطن العربي، كما فعلت في بعض الدول الأوروبية، وأبدى خشيته من أن تغير إسرائيل، فعلا، النظام في سوريا، بعد تأكده من ازدياد التحضيرات العسكرية الإسرائيلية بما يوحي باستعدادها للحرب وتهديدها الفعلي لسوريا.

الملك الحسين تنبأ بوقوع الحرب

لكي يدلل الباشا فهاد على أن إسرائيل خططت لشن الحرب، يقول إن إسرائيل استبقت الأمور بالعمل على طلب التأييد الدولي لشن الحرب فوعدتها أميركا وبريطانيا بالدعم العسكري والدبلوماسي، فكان أحد الأساطيل الأميركية يجوب البحر الأبيض المتوسط وكذلك بعض القطع البحرية البريطانية، ونصحتها فرنسا، على لسان رئيسها شارل ديغول، ألاّ تكون البادئة بالحرب، في ما كان الاتحاد السوفييتي يخشى من تغيير الوضع في سوريا لأنها كانت الدولة الوحيدة، التي تمكّنها من التواجد العسكري في المنطقة.

ويكشف عن أن العاهل الأردني الراحل الملك حسين نظر إلى مجمل الموقف فوجد أن الحرب واقعة لا محالة وتمكن من تحديد بدئها في 5 أو 6 يونيو وعقد اجتماعين، على المستوى العسكري والسياسي، وتدارس الموقف مع المجتمعين لتحديد ما إذا كان للأردن أن يدخل الحرب أو لا يدخل فوجد أن من المناسب المشاركة في الحرب على الرغم من معرفته الحقيقية بعواقبها وفي مقدمتها ضياع الضفة الغربية.

وأشار إلى أن الملك حسين أوفد رئيس أركان القوات المسلحة الأردنية إلى القيادة المصرية ليتعرف على وجهة نظرها من الحرب واستعداداتها لخوضها فلم يقابله أحد هناك سوى قائد القيادة العربية الموحدة وأركان حربه، وعندما عاد أبلغ الملك حسين أن المصريين لا يمتلكون أيّ معلومات عن ظروف الحرب وما إذا كانت ستقع أم لا، وزار القاهرة يوم 30 مايو 1967 مصطحبا معه رئيس الوزراء سعد جمعة ورئيس أركان الجيش اللواء عامر خماش وأبرم مع الرئيس عبدالناصر معاهدة دفاع مشترك انضم إليها العراق، بعد اتصال هاتفي بالرئيس عبدالرحمن محمد عارف.

محمود باشا فهاد: الإعلام العربي ساهم في الهزيمة بسبب مبالغاته وعدم كشف الحقائق

يروي الباشا فهاد أن الملك حسين عندما عاد من القاهرة إلى عمان رافقه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري، الذي كان على خلاف مع الحكومة الأردنية، والذي ما إن وصل إلى عمّان حتى بدأ بإطلاق تصريحات نارية ضد إسرائيل وأن العرب سيقتلون اليهود وإعادة من يرغب منهم إلى بلاده، فأخذ الإعلام الإسرائيلي هذه التصريحات واستفزاز سوريا ضد إسرائيل لإقناع الرأي العام العالمي بمظلومية إسرائيل وتهديد العرب لأمنها ووجودها.

ويشرح ما حدث على الجبهة الأردنية، فيقول إن الأردن طلب تعزيز قواته بقوات برية وجوية عربية فاتصلت القيادة العربية الموحدة بالعراق وطلبت منه تعزيز القوات الأردنية فأرسل قوات صلاح الدين، التي وصلت طلائعها مساء يوم 6 يونيو، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي أوقع خسائر بهذه القوات إذ كان مذيع صوت العرب أحمد سعيد ينقل تحركاتها على طريق بغداد عمان أولا بأول، مسهلا على الإسرائيليين معرفة مواقع القوات العراقية على وجه الدقة.

ويضيف فهاد أن العراق عزز سلاح الجو الأردني بـ12 طائرة هوكر هنتر و12 ميك 21 و10 قاذفات تي يو 16 تعمل من قاعدة “أج ثري”، في ما وصلت تعزيزات عسكرية أخرى من السعودية ومصر وسوريا، موضحا أن مصر أرسلت كتيبة مظليين ووعدت بتقديم الإسناد الجوي للقوات الأردنية فيما أرسلت السعودية لواء مشاة وصل إلى معان وعسكر هناك وأرسلت كتيبة منه إلى منطقة الكورة القريبة من العقبة، وأرسلت سوريا لواء دخل إلى الحدود الأردنية ووصل إلى منطقة جرش لكنه عاد أدراجه إلى سوريا بعد صدور أوامر له من قيادته بالانسحاب.

البرقية اللغز

علمت الاستخبارات الأردنية بتحرّكات الجيش الإسرائيلي على الجبهات كافة وعلمت أن الحرب ستقع يوم 5 أو 6 يونيو إذ شاهدت محطة الرادار في عجلون يوم 5 يونيو حركة كثيفة للطيران فوق جنوب فلسطين ومصر، مؤكدا أن الضابط المناوب في القيادة الأردنية أرسل إلى المناوب في القيادة العامة المصرية يخبره بذلك لكن البرقية الأردنية اختفت، ولما سأل الملك حسين الرئيس جمال عبدالناصر عن البرقية، بعد ذلك، تبين أن البرقية لم تصل وقيل، يومها، إن إسرائيل لديها القدرة على الاعتراض الإلكتروني فاستطاعت حجب البرقية ومنعها من الوصول .

يجمل الباشا فهاد الأخطاء، التي حصلت على الجبهات المصرية والسورية والأردنية، والتي قادت إلى الهزيمة، من وجهة نظره، فيقول إن في مقدمة الأخطاء في الجيش الأردني تسليم قيادة القوات المسلحة والعمليات الحربية على الجبهة الأردنية إلى الفريق عبدالمنعم رياض الذي كان يجهل طبيعة مسرح العمليات والقوات والقادة واعتماده على سلاح الجو المصري والسوري والعراقي لحماية أجواء المعركة، بالإضافة إلى تأخر اتخاذ الوحدات القتالية مواضعها في الوقت المناسب، والارتجال في اتخاذ القرارات العسكرية مثل تحريك اللواء المدرع 40 إلى محور القدس وإعادته فيما بعد إلى موقعه في الخطة محور جنين ونابلس وتحريك اللواء 60 باتجاه الخليل، وخوض المعركة مع عدم كفاية القوات، ووجود 7 ألوية مشاة مرتبطة بقيادة منطقة الجبهة الغربية في الوقت الذي يجب أن تكون هناك عدة قيادات فرعية لقيادة الألوية.

في الجبهة السورية، تأخر الجيش السوري بالاشتراك في المعركة مدة 22 ساعة، كانت زمنا حاسما في المعركة، إذ لم تنفذ القوات السورية هجوما رئيسيا واعتمدت على المناوشات، فضلا عن الارتباك في قرارات القيادة العسكرية السورية وعدم معرفتها بمجريات المعركة بحيث أنها أعلنت سقوط مدينة القنيطرة قبل سقوطها بيد القوات الإسرائيلية. ولم تعلن القيادة السورية التعبئة العامة، بل استدعت جزءا من الاحتياط غير المدرّب، وتسلم قيادة الجيش ضباط حسب الكفاءة الحزبية لا العسكرية، أضف إلى ذلك كثرة الانقلابات التي أنهكت القوات العسكرية وتدنت كفاءتها القتالية، وهي أصلا قليلة العدد ضعيفة التدريب.

في الجبهة المصرية، يؤشر الباشا فهاد على أخطاء في مقدمتها إشراك القوات العائدة من القتال في اليمن من دون تدريب وإعادة تنظيم، وتضخيم قدرات القوات المصرية مقارنة بإسرائيل، وصرح المشير عامر أن باستطاعة القوات المصرية تدمير إسرائيل بنصف القوات المسلحة المصرية، وعدم تهيئة مسرح العمليات في سيناء ونقص المعلومات الاستخبارية وضعف التدريب وعدم الاستفادة من المعلومات المقدمة من القيادة الأردنية حول التحركات الإسرائيلية، وإخفاء العسكريين الحقائق عن القيادة السياسية وتغيير الأوامر التعبوية وانسحاب القوات من مواقعها الحصينة وتعرضها للضربات الجوية الإسرائيلية، وثالثة الأثافي رحلة الاستطلاع التي قام بها المشير عامر إلى القطعات العسكرية المصرية مصطحبا معه قادة الجيش في طائرات مروحية وصدور أوامر بتقييد نيران الدفاع الجوّي المصري خوفا من أن تصاب مروحية المشير ومروحيات قادة الجيش مما أتاح للطائرات الإسرائيلية ضرب الطائرات المصرية وهي على الأرض وتدميرها.

كاتب عراقي

7