قائمة شندلر.. فيلم إنساني أولا وأخيرا

ما يميّز ستيفن سبيلبرغ عن الآخرين أنه لم يكترث كثيرا للأفكار الكبيرة ولم ينشغل بالبعد الأيديولوجي، وفي سن الـ36 أصبح واحدا من أنجح المخرجين.
السبت 2020/09/26
قائمة شندلر.. من أنقذ روحا فقد أنقذ العالم بأسره

كل ما يلمسه يتحول إلى ذهب. نحن هنا لا نتحدث عن الملك الإغريقي ميداس، بل عن مخرج عبقري، هو ستيفن سبيلبرغ، الذي نادرا ما أخرج فيلما ولم يحقق النجاح. فما هي الوصفة التي اتبعها وضمنت له التألق وحصد الجوائز وإعجاب الجمهور؟

الغريب أن “طفل الأستوديو” كما يلقبه النقاد، لم يدخل عالم السينما من البوابة الأكاديمية، بل تسلل إليها وسرق الحرفة من عباقرتها. لم يكتف بمشاهدة الأفلام، بل تجرأ، وهو طفل صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، على دخول مواقع التصوير داخل أستوديوهات يونيفرسال السينمائية في مدينة هوليوود. لم يكن طموحه حينها أن يصبح نجما سينمائيا عندما يكبر، بل كان منذ البداية يطمح ليصبح صانع أفلام. وهذا ما كان.

قاطف النجوم

قصة نجاح
قصة نجاح

حدثان كان لهما بالغ الأثر في حياة سبيلبرغ؛ والده الذي أهداه يوما كاميرا قياس 8 مليمتر، ومشاهدته فيلم “لورانس العرب”. ورغم أن سبيلبرغ الذي كان يطمح ليكون مخرجا، أصيب بالإحباط في البداية، فالمستوى الفني للفيلم جعل المهمة تصعب في عينيه، إلا أنه لم يستسلم، وراح يجمع أي نقود يحصل عليها للذهاب إلى صالة العرض، وإعادة مشاهدة الفيلم مرات ومرات.

هذه التجربة إن كانت توحي بشيء فهي توحي بمدى تطور الحس الفني عند صانع الأفلام “الطفل”، وأكبر دليل على ذلك قوله يصف الفيلم، إن “السقف مرتفع جدا”.

منذ ذلك اليوم تحول فيلم “لورانس العرب” إلى مقياس لا يرضى سبيلبرغ بسقف أقل ارتفاعا منه. وكأننا به يردد مع المتنبي قوله: إذا غامرت في شرف مروم، لا تقنع بما دون النجوم. ولم يشبع طموح سبيلبرغ سوى قطف النجوم والجوائز.

أدرك سبيلبرغ منذ الثانية عشرة من عمره أنه يريد أن يصبح مخرجا سينمائيا. وقد تغيرت حياته عندما قام بجولة في أستوديوهات شركة يونيفرسال في لوس أنجلوس وهو في السابعة عشرة من العمر. وتحدثنا كيف كان يتسلل خلسة كي يشاهد تصوير فيلم حقيقي. وقد انتهى به الأمر إلى مقابلة مدير قسم التحرير بشركة يونيفرسال الذي تحدث مع سبيلبرغ مدة ساعة، وعبر عن اهتمامه بأفلامه.

لم يكتف سبيلبرغ بالزيارات العابرة، بل وجد لنفسه بيتا متنقلا مهجورا، كتب عليه “ستيفن سبيلبرغ – مخرج”، أقام فيه ليتقرب من المخرجين والكتاب والمحررين، يتعلم منهم ويكتسب المهارة والخبرة.

بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ، وهو في سن العشرين، أصبح وجها مألوفا في الأستوديوهات، فتشجع وقدم لشركة يونيفرسال فيلما أنجزه لوحده، فعرضت علية الشركة عقدا لمدة سبع سنوات لإخراج مسلسل تلفزيوني.

البداية الحقيقية لسبيلبرغ في السينما لم تأت إلا بعد ذلك التاريخ بتسع سنوات، تحديدا عام 1975، في فيلم “Jaws” الذي عرض في الدول العربية تحت اسم “الفك المفترس”. والفيلم مأخوذ عن رواية مستوحاة من أحداث حقيقية، صدرت عام 1974 من تأليف بيتر بينشلي. وتحكي قصة سمكة من نوع قرش أبيض كبير، ورحلة ثلاثة رجال للقضاء عليها. حققت الرواية نجاحا كبيرا عندما نشرت في فبراير 1974، وكانت على قائمة أفضل الكتب مبيعا على مدى 44 أسبوعا.

تم اقتباس الرواية لإنتاج فيلم الفك المفترس الذي عرض في يونيو عام 1975، وأصبح الفيلم الأكثر دخلا على الإطلاق حتى تاريخه، ويعتبر فيلما فاصلا في تاريخ السينما. وأعقب ذلك بثلاثة أجزاء أخرى.

حاصد الجوائز

صانع المتعة والدهشة
صانع المتعة والدهشة

أصبح سبيلبرغ من أنجح مخرجي السينما في التاريخ وهو في سن السادسة والثلاثين. فقد أخرج أربعة من بين أعظم عشرة أفلام حققت أعلى إيرادات، منها إلى جانب “الفك المفترس”، فيلم الخيال العلمي “لقاءات قريبة من النوع الثالث” عام 1977، وفيلم “سارقو التابوت الضائع” عام 1981، أول أفلام سلسلة إنديانا جونز، الذي يعتبر من أعلى الأفلام دخلا على الإطلاق. وفيلم “إي.تي” عام 1982، وهو الفيلم الذي حقق أحد أعلى الإيرادات في التاريخ.

قائمة الأفلام التي أخرجها سبيلبرغ وأنتج بعضها طويلة، معظمها ينتمي إلى أفلام المغامرات والخيال العلمي، حصد خلال مسيرته جوائز فاقت أي صانع سينمائي آخر. ولكن ما يميز سبيلبرغ عن الآخرين، أنه لم يكترث كثيرا للأفكار الكبيرة، ولم ينشغل بالبعد الأيديولوجي، وإن كان من أنصار الحزب الديمقراطي.

هذا الحياد لم يحمه من جدل ثار حوله ويتعلق بيهوديته. التي إن لم ينكرها إلا أنه لم يتحمس لها في طفولته وشبابه. في عام 1994 حدث ما غير هذه الصورة، ففي هذا العام قدم للشاشة فيلم “قائمة شندلر”.

ما يميز سبيلبرغ عن الآخرين أنه لم يكترث كثيرا للأفكار الكبيرة ولم ينشغل بالبعد الأيديولوجي
الفك المفترس.. البداية الحقيقية

ولد ستيفن سبيلبرغ يوم 18 ديسمبر عام 1946 في مدينة سينسيناتي في ولاية أوهايو، والدته ليا أدلر بوسنر، صاحبة مطعم وعازفة بيانو، ووالده أرنولد سبيلبرغ يعمل كمهندس كهربائي، وينحدر جده من مدينة نمساوية تدعى سبيلبرغ، عاش بها في القرن السابع عشر.

هو يهودي أرثوذكسي التحق بالمدرسة العبرية من عام 1953 إلى عام 1954، وتعرضت عائلته لمشاكل عديدة وتمييز بسبب معتقداتها الدينية.

أفضل من اقتفى آثار سبيلبرغ وقدمه للعالم هي سوزان لاسي، مخرجة الفيلم التسجيلي “سبيلبرغ” عام 2017، بدءا من سنين الطفولة، وانتهاء بالشيخوخة، حيث بلغ الثمانين من عمره.

 خصصت المخرجة جزءا طويلا من الفيلم لتناول ما أسمته بـ”العودة إلى اليهودية”، التي دأب سبيلبرغ على إنكارها في سنين الطفولة وشبابه. المخرجة ومن خلال صور بالأسود والأبيض كشفت عن نشأة سبيلبرغ اليهودية، بتأثير من جديه، لكنه وكما يقول، وجد نفسه يرفض يهوديته، ويتجاهلها.

في عام 1991 انفصل عن زوجته الأولى، إيمي إيرفنغ، ليتزوج من كيت كابشو، وهي رغم أنها ليست يهودية إلا أنها أصرت على اعتناق اليهودية. هذا ما دفع بسبيلبرغ إلى العودة لاكتشاف يهوديته، والعمل على إخراج فيلمه الشهير المثير للجدل “قائمة شندلر”، الذي قدم في دور العرض عام 1994، بعد أن ظل المشروع مهملا لمدة عشر سنوات.

هناك من يقول إن سبيلبرغ لم يكن يرغب في أن ترتبط صورته لدى الجمهور الأميركي بيهوديته، شأن الكثير من السينمائيين اليهود في الولايات المتحدة الذين يميلون أكثر إلى التماثل مع عموم الأميركيين، يخفون يهوديتهم ويتخذون لأنفسهم أسماء لا تفصح عن هويتهم.

الفيلم مقتبس عن رواية “قائمة شندلر” لتوماس كينلي، التي حصلت على جائزة البوكر، تحكي قصة أوسكار شندلر، وهو صناعي ألماني مسيحي أنقذ 1100 يهودي بولندي من القتل في المحرقة “الهولوكوست” إبان الحرب العالمية الثانية.

حاز الفيلم على سبع جوائز أوسكار من أصل اثني عشر ترشيحا، واحتل المرتبة التاسعة ضمن قائمة المعهد السينمائي الأميركي لأفضل مئة فيلم على مر العصور.

بداية عرض الفيلم على رومان بولانسكي، ليقوم بإخراجه لكنه رفض الفيلم لأسباب شخصية كونه أحد الناجين من المحرقة. واعتبر أن الفيلم يعيد له ذكريات لا يرغب في استرجاعها.

أيضا عرضت القصة على مارتن سكورسيزي، الذي رأى أن الفيلم يجب أن يخرجه مخرج يهودي، وفضل منح شرف ذلك لستيفن سبيلبرغ، مقابل حقوق إعادة إنتاج فيلم “رأس الخوف” الذي أخرجه سكورسيزي عام 1991.

اختار سبيلبرغ أن يصور الفيلم بالأبيض والأسود، باستثناء مشهدين ظهر فيهما معطف أحمر وآخر ظهرت فيه شعلة الشموع بالألوان. وقد جسد الأدوار الرئيسية كل من ليام نيسون، في دور أوسكار شندلر، بن كينغسلي في دور إتزاك شترن، ورالف فاينس، في دور آمون غوث. في حين استخدم لتسويق الفيلم عبارة “من أنقذ روحا فقد أنقذ العالم بأسره” وهي مقتبسة من التلمود.

نقطة مضيئة

حاصد الجوائز.. تسلل إلى السينما وسرق الحرفة من عباقرتها
حاصد الجوائز.. تسلل إلى السينما وسرق الحرفة من عباقرتها

لم يكن أوسكار شندلر ملتزما أخلاقيا أو مدافعا عن حقوق الإنسان، بل هو صناعي ألماني غير مشغول بالسياسة، ورجل أعمال معروف عنه الانتهازية وحب الذات، همه الوحيد جمع المال، ينفقه على الشرب ومعاشرة النساء.

رغبة في استغلال الحرب لتحقيق مكاسب مادية، تعوضه عن حالة الإفلاس التي مني بها بسبب الكساد الاقتصادي الكبير، سافر إلى بولندا، وبالتحديد “الجيتو” الذي حُشر فيه اليهود، ليعرض عليهم شراكة استثمارية، يقومون من خلالها بتمويل وإدارة مصنع للأواني. وهناك يعقد صفقة مع النازيين يتم بمقتضاها تزويده ببعض العمال اليهود من المعسكر لتشغيل مصنعه الذي ينتج أواني معدنية تساعد ألمانيا في جهودها العسكرية.

داخل كل منا توجد نقطة مضيئة، لا نعرف متى تظهر على السطح، فرغم ما عرف عن شندلر من نفعية وانتهازية، إلا أنه مع مرور الوقت، وبمشاهدته للأهوال التي يمارسها الجنود الألمان ضد اليهود المعتقلين في المعسكرات، تنتصر إنسانيته تدريجيا ويبدأ في التعاون مع اليهود مضحيا بثروته من أجلهم. يقدم الرشاوى لكبار الضباط النازيين، كي يضمن بقاء اليهود الذين يعملون في مصنعه. ومن هنا تتحول الصفقة المادية المبرمة بين شندلر والنازيين إلى آلية لإنقاذ 1100 يهودي بولندي، يظهرون على قائمة شندلر.

“لا أعرف لماذا فعلت ذلك؟ أعتقد أنني كرهت وحشية وسادية وجنون النازية. لم أتمكن من الوقوف متفرجا بينما الناس تقتل. فعلت ما بوسعي، وما كان علي القيام به. ما قال لي ضميري إنه يجب القيام به. هذا كل ما في الأمر حقا، لا أكثر ولا أقل”.

هكذا يجيب شندلر على سؤال وجه إليه للاستفسار منه عن الدافع للقيام بهذه الخطوة الجريئة معرضا حياته للخطر.

كانت أداة شندلر التي استخدمها في حملته لإنقاذ اليهود هي المكانة المميزة التي يتمتع بها مصنعه باعتباره “عملا تجارية حيويا للمجهود الحربي في بولندا”، وهو المركز الذي لم يؤهله للحصول على عقود مربحة مع الجيش فحسب، وإنما مكنه من الاعتماد على العمال اليهود المعتقلين في المعسكرات.

وحين أصبح مستخدموه اليهود مهددين بالترحيل إلى معسكر أوشفيتز، سيء الصيت، استطاع استصدار إعفاءات لهم، محتجا بأن توقفهم عن العمل قد يسيء إلى مسعاه الرامي إلى زيادة الإنتاج الحيوي للمجهود الحربي. ولم يتردد في تزوير الوثائق وإدراج الأطفال وربات البيوت والمحامين في قائمة الميكانيكيين المهرة وذوي الخبرة في الأعمال المعدنية. وكان إلى جانب ذلك يبذل كل جهد مستطاع للتغطية على العمال غير المؤهلين ومن كانت قدرتهم على العمل قد تعطلت لأسباب صحية أو إصابات.

صانع المتعة والدهشة
صانع المتعة والدهشة

أفضل من يصف هذا التحول في شخصية شندلر هي زوجته إميلي شندلر في مذكراتها، التي حملت عنوان “حيث يلتقي الضوء والظل”، “على الرغم من عيوبه، كان أوسكار ذا قلب كبير، وكان دائما على استعداد لمساعدة كل من كان في حاجة إلى المساعدة، وكان اجتماعيا، سخيا للغاية وكثير الأعمال الخيرية، ولكن في الوقت نفسه، غير ناضج على الإطلاق”.

ويحكي أحد الناجين أنه سأل شندلر ذات مرة، لماذا فعل هذا؟ فكانت إجابته “لقد كنت نازيا، ولكنني آمنت بأن الألمان أخطأوا حينما بدأوا في قتل الأبرياء. وكونهم يهودا لا يهم على الإطلاق. بالنسبة لي كانوا مجرد بشر، لذا قررت أنني سأعمل من أجلهم وسأدخر أكبر قدر ممكن من المال”.

شندلر لم يكن رجلا عظيما لمجرد أنه أنقذ يهودا فقط، بل لأنه أنقذ “الإنسان”. وتفاعله مع الجرائم التي ارتكبتها السلطة النازية ضد اليهود لم تنشأ لأنه يبدي ميلا وتعاطفا مع اليهود، بل هو يتفاعل مع بشر وقع عليهم ظلم وبطش من الألمان. وحتى لو كان هؤلاء البشر من ديانة أخرى، لو كانوا مسلمين أو بوذيين أو هندوسا، فإن الأمر لن يختلف مع أوسكار شندلر، فتعاطفه سيبقى هو ذاته لن يتغير.

هدف سبيلبرغ من هذا الفيلم إنساني أولا وأخيرا. وقد كرّم شندلر لأنه أنقذ الإنسان.

لا شك في أن تعاطفه وحماسه، وهو اليهودي الديانة، مع ضحايا النازية كانا عاملين قويين ومساعدين، إلا أن صناعته لفيلم قائمة شندلر تكريما وتخليدا لذكرى أوسكار شندلر، يعد أمرا طبيعيا ومقبولا، خاصة عندما نتذكر التضحيات التي بذلها شندلر، مخاطرا بحياته.

16