"قابس سينما فن" يمنح جوائزه للبنان وفلسطين وتونس

المهرجان في دورته التأسيسية يبحث في مستقبل السينما العربية والرهانات التي تشهدها في ظل القيود السياسية والأيديولوجية.
السبت 2019/04/20
اختتام هادئ لمهرجان صاخب غير وجه مدينة قابس

أسدل الستار، الخميس، بمدينة قابس التونسية على فعاليات الدورة الأولى لمهرجان “قابس سينما فن” الذي اختار المشرفون عليه شعار “تعالا شوف” (تعال أُنظر)، عنوانا للحياة في المدينة الصناعية التي أرهقتها إفرازات مُجمّعها الكيميائي، “تعالا شوف”، “تعالا حب” و”تعالا عيش” السينما هو ما يستقيم تماما مع الدورة التأسيسية التي أتت بأفلامها ومُسابقاتها ونجومها وورشاتها، وندوتها خاصة، بثا حيا وتفاعليا لسينما تستبق الحلول وتؤسّس لأفلام بديلة غير مُبالية بالعراقيل المُكبّلة لعلاقة الدعم المشروط من الجنوب إلى الشمال.

قابس (تونس) - اختتمت، مساء الخميس، فعاليات الدورة الأولى لمهرجان “قابس سينما فن”، حيث عاش جمهور قابس التونسية (جنوب) على امتداد أسبوع (من 12 إلى 18 أبريل الجاري)، على وقع السينما البديلة والتجارب الشابة والندوات والورشات المختصّة، علاوة على التعبيرات الفنية والتشكيلية المعاصرة وفنون الفرجة والواقع الافتراضي، لتذهب الجائزة الأولى للأفلام الوثائقية إلى فيلم “طرس، رحلة الصعود إلى المرئي” للمخرج اللبناني غسان حلواني، كما ذهبت الجائزة الأولى للأفلام القصيرة أيضا للبنان من خلال فيلم “قبل أن نشفى” لنديم حبيقة، كما تحصل فيلم “الحال زين يا للّا” للتونسية رباب مباركي على تنويه خاص من حكماء المسابقة، فيما فاز المخرج الفلسطيني بسام جرباوي بالجائزة الأولى للأفلام الروائية الطويلة، وذلك عن فيلمه “مفك”.

واختار مهرجان “قابس سينما فن” في دورته الأولى تناول إشكالية “مستقبل السينما العربية” في جلسات الحوار التي انعقدت في 15 و16 أبريل الجاري، والتي أدارتها كلا من الأكاديمية التونسية لمياء قيقة بالقايد ومبرمجة الأفلام سامية العبيدي (تونس)، وتمحور النقاش حول عدد من القضايا السينمائية، منها أسواق التوزيع السينمائي المتاحة أمام الفيلم العربي، والرهانات والتحديات التي تشهدها السينماءات العربية في ظل القيود السياسية والأيديولوجية المكبلة لعلاقة الجنوب بالشمال.

مكبلات وحلول

طرح النقاش في يومه الأول كيفية تصوّر وإنتاج وتوزيع الأفلام العربية ومنها السينما المستقلة، وذلك بحضور عدد كبير من السينمائيين العرب، الذين تفاعلوا بدورهم مع هذا الطرح خلال المداخلات، ومن بين المتحدثين في الجلسة الحوارية الأولى الناقدة السينمائية اللبنانية هدى إبراهيم، والمخرج التونسي مراد بالشيخ، والناقد التونسي إقبال زليلة، الذين أشاروا جميعا إلى الصورة التي تعكسها الأفلام العربية عند الآخر وطريقة تعامل الغرب مع السينما القادمة من الجنوب.

وتفرّع النقاش لعدد من القضايا السينمائية الخاصة بصناديق الدعم والرقابة كما بحث في الإملاءات المفروضة من الداعم الشمالي للفيلم الجنوبي.

وقال بالشيخ “ما أعيبه على السينما التونسية بشكل عام أنها قدّمت على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، أبطالا مهزومين، لا يتوافقون وحلم الجمهور العريض في أن يرى بطلا ملحميا يكون بمثابة القاطرة التي تقود الجميع إلى الأمام، وكأن هذه الانهزامية مُستبطنة ما قبليّا في مخيال السواد الأعظم من المُخرجين التونسيين”.

وفي إجابته عن تدخّل “العرب” حول ضرورة التنسيب في هذا الخصوص على اعتبار أن فيلم “عصفور سطح” لفريد بوغدير مثلا، أو “الجايدة” لسلمى بكار، قدّما نماذج لأبطال مُنتصرين وإن اختلفت وضعيتهما ومرجعيتهما، فقال “ربما، هما يُمثلان الاستثناء، في مسار طويل ما قبل 14 يناير وما بعده، لكن كلا من بطل ‘عصفور سطح’، وبطلة ‘الجايدة’ ناكفا ونحتا في الصخر كي ينتصر في النهاية كل على طريقته، أي أنهما لم ينطلقا من حلمهما الخاص ليبُثّانه في العامة”.

أحمد فوزي صالح: سينما الناصر خمير وإيليا سليمان عكست هويتهما بعيدا عن إملاءات الآخر
أحمد فوزي صالح: سينما الناصر خمير وإيليا سليمان عكست هويتهما بعيدا عن إملاءات الآخر

واستغرب بالشيخ في سياق حديثه عن مدى قرب السينما التونسية من المتلقي التونسي، قائلا “أنا التونسي لحما ودما، أستغرب الحوار المنطوق باللهجة التونسية الذي لا أراه يُشبهني لا من قريب ولا من بعبد، وفي كم من مرة أجد أن الترجمة المخطوطة أسفل الشاشة تكون ألذّ وأوضح، ما يعني أن الحوار كُتب في الأصل بلغة البلد الداعم، وإلاّ ما كان له ليُنجز أصلا”.

وفي اليوم الثاني من الجلسة الحوارية حول مستقبل السينما العربية والذي ارتكز أساسا على عدد من التجارب للسينمائيين العرب (التحديات والآفاق) شهد نقاشا أعمق، خاصة مع حضور مخرجين لهم تجارب استثنائية ومتفرّدة على غرار العراقي عباس فاضل، والجزائري مالك بن إسماعيل والتونسي الجيلاني السعدي والموزع والمنتج السينمائي الجزائري هاشمي زرطال، وذهب النقاش نحو ضرورة استقلالية المخرج وإيجاده لطرح سينمائي مستقل بعيدا عن قيود الدعم.

وأثرت نظرة السينمائيين الشباب على غرار المخرجين المصريين أبوبكر شوقي وأحمد فوزي صالح والممثلة المصرية منى هلا وزميلتها التونسية نجوى زهير النقاش في جلسته الختامية، خاصة وأن الحوار عكس رغبة هؤلاء جميعا في تقديم السينما التي تعبّر عن خياراتهم بعيدا عن القيود والتحديات رغم وعيهم بصعوبة الأم.

وفي هذا السياق، رفض أحمد فوزي صالح وجهة النظر التي تُصنّف الغرب كمستعمر يُريد أن يفرض أفكاره على السينمائي العربي، مستعينا بعدد من التجارب السينمائية العربية، التي عكست هويتها على غرار سينما التونسي الناصر خمير والفلسطيني إيليا سليمان.

وهي رؤية تناقضها الممثلة منى هلا بطلة فيلم افتتاح “قابس سينما فن” “ليل/خارجي”، التي اعتبرت الإنتاجات العربية المدعومة من الغرب تكرر القضايا ذاتها، فيما أكدت نجوى زهير رفضها تقديم أعمال غربية تعكس سطحية نظرتها للمرأة العربية، كما شدّد بدوره أبوبكر شوقي مخرج فيلم “يوم الدين” على أهمية الحرية والشغف في الفعل السينمائي.

ومن جهتها، نوّهت فاطمة الشريف المندوبة العامة لمهرجان “قابس سينما فن” بخيارات المخرجين المُغامرين في أعمالهم السينمائية بعيدا عن قيود الدعم، عاكسين ذواتهم لا باحثين عن طرح يضمن حضورهم بين قائمة المدعومين وبرامج المهرجانات.

ويظل النقاش الذي قُدّم على امتداد يومين مُتتاليين، رغم أهمية إشكاليته المسكوت عنها، والتي تُحسب للقائمين على برمجة “قابس سينما فن” في دورته التأسيسية، فأن يطرح المهنيون وصنّاع السينما العرب مُشكلة الدعم وعلاقته بالإملاءات الخارجية، خاصة من بلدان الشمال، فهو أمر مُحفّز ومُبشّر بمدى وعي سينمائيينا العرب بضرورة رتق الفتق الحاصل بين الشمال والجنوب، لكن غياب الطرف المُقابل من الخيط، أي غياب الداعمين الأوربيين، جعل النقاش وكأنه رجع صدى أُحادي الجانب، وهو ما علّقت عليه فاطمة الشريف في استفسار “العرب”، “أردناه حوارا عموديا في ما بيننا لنفهم وبالتالي نُعرّي ونكشف، حتى يكون التواصل في العام القادم، ربما، مع الجانب الآخر من المُعادلة على أُسس سويّة وثابتة”.

الواقع الافتراضي

في سياق مُتصل، شهدت فعاليات أفلام الواقع الافتراضي المُقترحة ضمن برمجة “قابس سينما فن” حضورا لافتا من قبل الجمهور، كما عرف برنامج “هاكثون الحقيقة الافتراضية” اهتماما من صناع السينما المواكبين للمهرجان في دورته الأولى.

ويهدف هذا البرنامج إلى إحداث منصة للتقنيات الحديثة وعوالمها الافتراضية، وهي رؤية يسعى من خلالها المهرجان إلى دفع مدينة قابس نحو دينامكية متطلعة للمستقبل، خاصة وأن هذا الفن هو شكل تعبيري سينمائي جديد يعتمد تقنية فيديو 360 درجة والواقع الافتراضي.

ويتنزّل برنامج “هاكثون الحقيقة الافتراضية” ضمن رؤية القائمين على مهرجان “قابس سينما فن” في إيجاد حلول بديلة وكفيلة لشباب السينما والمولعين بصناعتها لإنتاج أفلام بسيطة، لكنّها عميقة تقنية وتصوّرا، بعيدا عن ثنائية الدعم والمدعوم ولعبة الاشتراطات والإملاءات المُجحفة، أحيانا، بل ودائما.

13