قابيل والصياغات الجديدة للأدب والفن والوعي

السبت 2017/12/16
جذوة التفاؤل لا تزال مشتعلة

القاهرة - يفتتح الكاتب السوري إبراهيم اليوسف كتابه الجديد بعنوان “استعادة قابيل: صياغات جديدة للوعي والأدب والفن” بعبارة “لا تدع رأسك مجندلة فوق دم أخيك. في إمكانك أن تتابع الصوت مدى صورة أو صدى”.

ويأتي الكتاب امتدادا لكتابه السابق “مخاض المصطلح الجديد: استشرافات على عتبة التحول” والذي صدر عن جريدة الرياض- السعودية 2016، وتناول فيه مدى تأثير التحولات الهائلة التي تتم في عالم التكنولوجيا وثورة الاتصالات على الوعي والأدب والفن.

وفي كتابه الجديد، الصادر قبل أيام عن دار أوراق-القاهرة، ينطلق المؤلف من واقع انطلاق ثورات الربيع العربي في المنطقة، والتي تمت خلالها استعادة قابيل كرمز لقتل الإنسان لأخيه المتطلع للحرية، ليرصد حالة الخراب الروحي المهيمنة، ومدى درجة انعكاس حالة الحرب التي تلت ذلك- لا سيما في مكانه كسوري- على الكتابة. إذ راح يقدم رؤى أولية تتعلق بتحولات الكتابة في ظل ثورات المنطقة وما تلاها.

ومن خلال قراءة فصول الكتاب يتبين أنها قد كتبت في السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة السورية، إذ لا تزال جذوة التفاؤل مشتعلة، ولسان حاله يردد ما ورد في مقدمته للكتاب والتي جاءت بعنوان “كما مقدمة لا تتأخر”.

ويقول اليوسف “أجل، ثمة ما يتغير من حولنا، ثمة ما يتغير من حولنا، إلى تلك الدرجة التي يكاد فيها كل شيء لا يشبه نفسه قبل دخوله معادلة الثورة، بعيدا عن المرتبة المستحقة، في فضاءيها المتناقضين، على محوري: الجمال والقبح، حتى وإن تواصلا عبر خيط وهمي، من خلال عين راصدة ما، بما يرفضه الواقع، ويرفضه الفن والإبداع، قبل أن يتطهر، ويستعاد، عبر كولجة ما، وهو أمر آخر، لا مكان لتقويمه هنا الآن”.

ويرى الكاتب هنا أن سمة اللاثبات هي التي تخضع لها دورة الحياة في مداها الشاسع. وقد بدت لنا في أوجها، بُعيْد هذه التحولات الهائلة في المنطقة العربية، كي نكون على بوابة تحولات من نوع آخر، تحولات لا واقعية، تحولات لا معيشية، كما يرى المؤلف، الذي يتابع، أن هذه التحولات فنية أيضا، تحولات في نبرة صوت أي منا: كآبة أو تفاؤلا، حزنا أو فرحا، كابوسا أو يأسا، وهو ما طال كل التعبيرات الفنية من سينما وشعر ونثر وسرد وحتى الموسيقى والفن التشكيلي أو الفوتوغرافي.

كل شيء الآن في طور التغيير، كما يقر اليوسف، حيث لا شيء مطمئنا إلى هيكليته البتة، وهو ما يرتب على كواهلنا أن نستقرئ هذا التغيير في كل التفاصيل التي نستقرئها، ونستنطقها

كل شيء الآن في طور التغيير، كما يقر اليوسف، حيث لا شيء مطمئنا إلى هيكليته البتة، وهو ما يرتب على كواهلنا أن نستقرئ هذا التغيير في كل التفاصيل التي نستقرئها، ونستنطقها، لأننا أمام حركة لا مناص منها. ولا مكان لاستنساخ الأشياء، حتى وإن كان القاتل في لحظة وهمه يستعيد كل ما أوتي من السابق من فتك، وبطش، أو دمار، وذلك لأنه لن يبقى إلا عبارة عن أداة في مختبر كيمياء الزمن و فيزيائه.

“لا أحد يستعيد قابيل الأسطورة، في قابليته، وقابيليته، إلا الأسطورة في الدواخل”، كما يقول الكاتب، الذي يرى أن استعادة قابيل تستدرجه إلى حقل الجغرافيا ونبع الدم، من دون أن يجرؤ إلا على أن يكون مجرد ممثل جديد، مشلول القوة، أمام هدير الحراك، وهو يحول معجم الحياة والفن- على حد السواء- إلى ساحة حبر كبرى، مازلنا نقف في حضرتها ضحايا، عاجزين، في انتظار لحظة الخلق التي تنتج من مزاوجة الرؤى والواقع، أي الحياة والإبداع، الحلم والفعل، كما يليق ببشر أسوياء ندعي أننا نحن من نجسدهم في أدوارنا الجديدة التي لما نبدأها بعد.

وعلى امتداد 194 صفحة من الكتاب يشير الكاتب إلى أن جنسا أدبيا باتت ملامحه تظهر للعيان اليوم، في ظل هيمنة الصورة الإلكترونية، وأن أدب ما قبل هذه التحولات لن يكون أدب ما بعدها، وهذا ما نلاحظه فعلا في ما بات يكتب من أدب عربي اليوم، محاولا التجاوز والتجديد والغوص أكثر في ما كان يعتبر مهمشا ومقصيا من قبل. ونذكر أن إبراهيم اليوسف شاعر وكاتب سوري مقيم في ألمانيا بعد أن انتقل إليها من دولة الإمارات، حيث كان يعمل في جريدة الخليج، وقد صدرت له بعد استقراره مجموعة أعمال نقدية وشعرية وسردية.

16