قاتل مازن الفقها كان في "حماس"…

الاثنين 2017/05/15

قبل أيام أعلنت حركة “حماس” قبضها على القاتل الذي اغتال الشهيد مازن الفقها، الأسير المحرّر، والقيادي في كتائب “عزالدين القسام” الجناح العسكري للحركة، وذلك بإطلاق النار عليه من قرب (مارس الماضي).

طبعا هذه ليست العملية الأولى من نوعها، إذ نفّذت إسرائيل عمليات اغتيال عديدة، راح ضحيتها العديد من قادة حماس على مر الأعوام الماضية، على رأسها الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لهذه الحركة (2004)، كما حاولت اغتيال قائدها خالد مشعل (1997 في عمان)، والعديد من قادة جناحها العسكري، مثل يحيى عياش وصلاح شحادة وأحمد الجعبري.

بيد أن ما يلفت الانتباه في هذه العملية أنها جرت بأيدي العملاء أنفسهم، بل وقد تبين أن القاتل، الذي ألقي القبض عليه، كان من المنتمين إلى حركة حماس ذاتها، ومن الفاعلين في جناحها العسكري، وهو معروف باسم السفاح، لارتكابه القتل بدم بارد بإطلاقه الرصاص على رؤوس العديد من نشطاء فتح في غزة (2007)، وقتله رامي عياد (فلسطيني مسيحي)، في ذات العام، إذ خرج من تلك الفعلة من دون أي محاكمة. وكان هذا العميل القاتل يمارس ساديته، أثناء انتمائه إلى أجهزة حماس الأمنية، إبان مداهمة وتفتيش بيوت المتعاطفين مع حركة فتح، كما بحق الأهالي سواء بالضرب أو الإهانة أو التجريح أو التحرش، كما أنه معروف بقربه من بعض قياديي الحركة في غزة؛ علما أن حركة حماس تدعي فصله منها منذ أعوام. وكنا شهدنا أن إسرائيل استخدمت عملاءها في مجمل العمليات السابقة لجمع المعلومات، والإخبار عن أماكن المطلوبين أو عن العمليات التي يعتزم المقاتلون القيام بها، في حين تقوم هي بالقتل بالصواريخ الموجهة، كما حدث مع ياسين والرنتيسي وشحادة والجعبري، في حين استخدمت أحد عملائها لنقل جهاز موبايل محمّل بعبوة ناسفة، للشهيد يحيى عياش، تسبّبت في مصرعه (1996)، حيث العميل كان مقربا منه، كما قتلت آخرين بواسطة اشتباك مباشر مثل الشهيد عماد عقل (1993)، بعد قيام عميل بالإخبار عن مكانه.

ومعلوم أن إسرائيل قامت مرارا بعمليات اغتيال ضد القادة الفلسطينيين بتوجيه وحدات للاغتيال من النخبة العسكرية، كما حدث في عملية “الفردان” (بيروت 1973)، التي نجم عنها مصرع القادة أبويوسف النجار وكمال عدون وكمال ناصر، وأبوجهاد (تونس 1988)، وفتحي الشقاقي (1995، قبرص)، في حين اغتيل أبوعلي مصطفى بواسطة صاروخ موجه، (رام الله، 2001)، واغتيل ماجد أبوشرار (روما، 1981)، وضمن ذلك سفراء منظمة التحرير في أوروبا محمود الهمشري ووائل زعيتر، مثلا، بواسطة التفجير، في السبعينات.

في هذه الحادثة نحن إزاء دولة محتلة تقوم باستخدام فلسطينيين لجمع المعلومات أو للإخبار، ومع أن هذه ظاهرة عادية، سيما أننا إزاء دولة تتعامل مع الفلسطينيين منذ أكثر من ستة عقود، وتهيمن عليهم، على مختلف الأصعدة، وتتحكم فيهم بمختلف الوسائل، وتستخدم طرقا عديدة لإسقاطهم أو تجنيدهم لصالحها، إلا أن الجديد في الأمر استخدامهم للقتل أيضا؛ هذا أولا.

ثانيا، الجديد في الأمر هنا، أيضا، اكتشاف حماس لواقع أنها ليست حركة منزّهة أو معصومة عن الخطأ، أو أنها غير مخترقة، إذ أن المكابرة والإنكار هما ما يوقع بالتهلكة، إذ أن القاتل كان قريبا من دوائر صنع القرار فيها، وربما كان مؤثّرا، إن لم يكن في اتخاذ قرار معين، ففي تنفيذه، أو في تطرفه، في تنفيذ توجهات معينة.

هذا يعني أن التطرف، أو التعصب، في الحالة الفلسطينية المعقدة، يفترض أن يكونا دلالة على ريبة، أو شبهة ما، وليس على إخلاص، أو على قناعة ما، علما أن كل دوائر حماس، وغيرها من الفصائل، مفتوحة على هكذا احتمال، بحكم طريقة عملها العصبوية، وبحكم انهماكها بتعزيز مكانتها في السلطة والهيمنة، وكلنا شهدنا قصة مصعب يوسف، الذي تبين سقوطه في أحضان الموساد، وهو ابن حسن يوسف القيادي الحمساوي المعروف في الضفة؛ مع كل ما في هذه القصة من مأساوية له ولأهله وشعبه.

هذا واقع يجدر بحركة حماس أن تتمعّن فيه جيدا، وأن تستنبط منه العبر المناسبة، وخصوصا بأن تكفّ عن إظهار نفسها كتنظيم منزّه ويستعصي على الاختراق، أو الانتهازية أو الثغرات أو الأخطاء، وبعدم الارتكان لدعوى أن فلان العميل أو غيره كان فصل من الحركة. إذ الأهم من كل ذلك أن تراجع حماس مسيرتها وأن تتفحّص ما الذي فعله هؤلاء العملاء، وما هو تأثيره، إن على مواقفها السياسية أو على مواقفها الميدانية.. وتتبّع ما فعل هؤلاء بها ولها، وهو ربما كثير وخطير.

القاتل المقبوض عليه لم يكن الأول من نوعه، ولن يكون الأخير بطبيعة الحال، لذا مفيد لحركة حماس دراسة تأثير هؤلاء على قراراتها، أو تأثيرهم على سياساتها الميدانية، ومعرفة دوائر تأثيرهم؛ وطبعا هذا لا يقتصر على حماس إذ هو يشمل كل الفصائل الفلسطينية، كما يشمل حزب الله، الذي لطالما أدى المعصومة وظن نفسه عصيا على الاختراق، وإذا بإسرائيل تنفذ عدة عمليات اغتيال لبعض قيادييه، بفضل بعض الاختراقات في صفوفه.

الآن، بالتأكيد أن حماس ستعدم القاتل، كما أعدمت آخرين قبله، لكن هذا لن ينهي المشكلة، التي تتطلب معالجات أكثر دراسة وأفضل حكمة.

كاتب سياسي فلسطيني

8