قاتل واحد، قناعان وأكثر

الثلاثاء 2014/01/14

“أن تكون متشدداً في موقفك حدّ التطرف والتصلّب، فإنّ هذا لمؤشرٌ على أنكَ بلغتَ منطقة الموقف المقابل الضد بكل تأكيد”، و”أقصى اليسار يساوي حضن اليمين/ يسار اليسار يمين”، و”احذَرْ أصحاب الصوت المرتفع لأنهم، غالباً، إنما يمارسون حيالك ضرباً من المزايدات الوطنية، وصيغةً من الابتزازات الشخصية، ولن تُدرك أنّ هذا أحد وجوه الانتهازية المنذرة بخطر الخديعة إلّا متأخراً”.

هذه بعض الخلاصات التي خرجتُ بها من “تجربتي” السياسيّة، في إطارها الحزبيّ، داخل التنظيم الذي انتميتُ إليه قبل ثلاثة عقود، أو عند سواي ممن انتموا لتنظيمات أخرى، قريبة في توجهها أو بعيدة.

خلاصات لم أكن الوحيد، أو الأوّل، الذي رآها متجسدةً في كثير من الحالات ولدى نسبة ليست قليلة من الأفراد “المنتمين” إلى جهة هنا.. أو هناك.. أو هنالك. قلتُ: لم أكن الوحيد أو الأوّل لأتابع، مستدركاً، أنّ تمثيلات تلك الخلاصات ما زالت تسري حتى يومنا هذا، بصرف النظر عن “هُوية” التنظيمات “الجديدة” التي توالدت كالفِطْر البريّ تماماً، أو بالأحرى كالشوك السامّ المغطّي للأرض العطشى، وبتنا نعاينُ تطرفها الأقصى في بحيرات الدم الجماعي، وجحيم حرائق ودمار الأحياء والبلدات والمدن والأوطان، والتعصُّب الجازّ لأعناق كل مَن لا “ينتمي” أو “يَدين” أو “ينصاع” للبُعد الواحد في كينونة شاءت إلغاء سواها بإبادتها.

يحيلنا مضمون منطق/ لامنطق “نحنُ أو الموت” إلى دائرة العَدَم فوراً. فبدلاً من ترديد المقولة الشكسبيرية الشهيرة كما هي: “أن نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة”، ترانا نعاينُ أفعالاً معممةً عمد أصحابُها إلى تحريف المقولة لتتحول هكذا: “أو نكون أسياد مصائركم، أو لا تكونوا”! فنحن، عندما نعمل على تأويل الجملة الشكسبيريّة، نجدنا في مجال السعي والنضال من أجل البقاء على المستوى الإنساني دون أن نُهان أو نَفنى، أفراداً وشعوباً ودولاً. لكننا، حين نقرأ التحريف الوارد قبل سطر، فلنا أن نَفزع من هول منطوقها. منطوق يُعلي الإفناءَ رايةً، وغايةً، وسبيلاً، ومبدأ وجود هو، في جوهره، العَدَمُ بعينه.

لا فرق في هذا المنطوق، على صعيد الممارسات الواقعية، بين كافة التنظيمات “الآخذة على عاتقها” إسقاط الأنظمة القامعة، الدكتاتورية، المتخاذلة، الفاسدة، الكافرة، الفاشلة من جهة، وتلك الأنظمة من جهة أخرى.

فإذا كانت الأنظمة قد سادت وتسلطت وبطشت، وفي خلفيّة المشهد الخاصّ بها يقبع الشعار/ الحكمة “نحن أو الموت”، فإنّ ما نعيشه اليوم ونعايشه كل لحظة، في المأساة السورية تحديداً، وغالبية المآسي العربية عموماً- ما يُطلق عليه “الربيع العربي”، يدلل على أنّ ما يحاول الإعلام المرتزق تصويره بأن ثمّة “صراع بين جهتين” إنما هو إخفاءٌ مشبوه مقصود لحقيقة تفيد بـ”صراع بين قاتلين في جهة واحدة”.

هما قاتلان يتقاتلان على “غنيمة” لن تكون سوى الوطن المفتت، والمواطن الهالك أو المهاجر أو اللاجئ أو الفارّ أو المغلوب على أمره، والهُويّة اللاحمة للتعدد والتنوّع وقد تم تمزيقها وجَرْحِها فذَبْحِها من ثَم، والروح المندحرة المهزومة تحت أفق يسوده السخام وفضاء تحتله الغربان.

في مسألة “أن نكون أو لا نكون” ثمّة بُعْد وجوديّ صميم يهتف للحياة وينشدها وينشد لها، بمعنى أنها الغاية والسبيل لبلوغ الغاية. أما ما نشهده حتّى الآن؛ فلا يعدو أن يكون مجرد إمحاء للحياة بأفعال القتل/ الموت لكائنات إنسانيّة ليست منخرطة في “مسألة القاتلين المتقاتلين”. وجُعِل القاتلان المتقاتلان منها “دروعاً بَشَريّة” وأسمياها “الشعب”. قاتلان يتراشقان بالموت، غير أنّ هذا الموت لا يصيب، إنْ أصاب (وإنه ليس بطائش أبداً) إلّا أولئك الهاتفين للحياة.

أيّة مفارقة مريرة هذه، أيّ ربيع ورديّ هذا، أيّ ذهاب نحو أقصى التطرف في شعارات فوق رايات لا تؤدي، في حالات ترجمتها أفعالاً على الأرض، إلّا إلى مزيد من الولوغ في الدم، واستباحة الأوطان وتمزيقها، والقبض على المستقبل ورهنه لبوابات الجحيم.

ألم أقلْ، في استهلالي هذه الكتابة، إنّ “أقصى اليسار يساوي حضن اليمين/ يسار اليسار يمين”؛ بما يشير إلى تلك الانتهازيّة المتوارثة القابعة في ذاكرة الخديعة، السالكة دروب الخيانات الحقيقية، الزائفة والمزيفة، إنْ يساراً ماركسياً / قومياً/ شعبياً/ شعبويّاً كانت في ماضٍ قريب، أو تديناً شكلياً/ كاذباً/ منافقاً/ بلاغياً/ تكفيرياً/ خاوياً يكون في حاضرٍ يشهد علينا بالإدانات ولا يشهد لنا أبداً؟

ما هذا «الفيروس» الناغل في “الجينات.

ما هذا القاتل المتناسخ في قِناعين وأكثر.


كاتب وروائي أردني

8