قادة الإسلام السياسي في العراق يرتدون ثوب المدنية

متطلبات اللعبة الجديدة تفرض التخلي المظهري عن عناوين "الإسلام السياسي" بسبب ما أنتجه من مسيرة فشل استمرت لاثنتي عشرة سنة.
الأحد 2018/04/22
مراجعات شكلية

ليس من الغريب أن تتحول أحزاب الإسلام السياسي في العراق من قوقعة تمسّكها بالخطاب الديني الطائفي إلى فضاء المدنية. وهذا لم يحصل نتيجة مراجعة فكرية وسياسية لما أنتجه هذا الخط من مصائب ونكبات للعراقيين، وإنما لإعادة تموضع تلك الأحزاب بما يمرر مخادعة جديدة ضد الوعي الشعبي تجاه التيارات الدينية المذهبية، ومحاولة التحرر من تلك القوالب التي أضرت بالنسيج الاجتماعي العراقي.

لهذا سعت تلك الأحزاب منذ وقت مبكر للانتخابات الحالية إلى تقديم خطابات مكثفة تعلن خلالها عن تبنيها أشكالا جديدة من الخطابات السياسية والإعلامية ارتبطت بمواقف ذات أبعاد تنظيمية، حيث تهاوت تلك الصوامع الحجرية مثلما حصل للمجلس الإسلامي الأعلى الذي ورثه عمار الحكيم من والده عبدالعزيز الحكيم الذي ورثه أيضا من شقيقه محمد باقر الحكيم.

كان المجلس يضم أكبر تشكيل “شيعي” ضد نظام صدام حسين المدعوم من إيران منذ أوائل الثمانينات. وخرج منه فيلق بدر الذي تحول في ما بعد إلى منظمة سياسية لها وجودها الفاعل في النشاطات العسكرية والسياسية العراقية. ثم شهد تيار مقتدى الصدر انشقاقات وخروج قيادات مهمة فيه لتتزعمه ميليشيات متمسكة بالتزامها المذهبي وبولاء معلن لولاية الفقيه في طهران.

ورغم أن العناوين الانتخابية لا تشكل فعلا حقيقيا باتجاه التخلي عن الإسلام السياسي “الشيعي” إلا أنها تظهر محاولة شكلية لمسايرة المزاج الشعبي العام الناقم على تلك الأحزاب، فعمار الحكيم رجل دين، وتصدى خلال الأشهر الماضية في خطاباته وسط مؤيديه لما يسمّيه بخطر “العلمانية”.

نزع عمار الحكيم العباءة الدينية بعد أن خرج من المجلس الإسلامي الأعلى وشكل تيار الحكمة ودعا إلى “الأغلبية الوطنية”. وقبله تخلى مقتدى الصدر عن شعاراته بإقامة دولة إسلامية ليرفع شعار “الدولة المدنية”.

جسّد ذلك بدعوته إلى تشكيل حكومة تكنوقراط والتخلّي عن نظام المحاصصة، والتحاقه بحركة الاحتجاجات الشعبية (انطلقت في منتصف 2015 وتتواصل حتى اليوم) المطالبة بالإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد وإقامة دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة ثم تحالف مع الحزب الشيوعي.

جرّب ذات المحاولة الدعوي رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي أطلق على قائمته النصر في إشارة إلى الانتصار العسكري على داعش في ديسمبر أواخر عام 2017. في حين تمسك نوري المالكي، من خلال قائمته دولة القانون، بتبنيه للتيار “الشيعي” المتشدد.

وصل الأمر بالمالكي إلى الدعوة خلال أحد التجمعات إلى ضرورة استبدال قبلة المسلمين (مكة) بالقبلة الجديدة (كربلاء)، حيث قال “كربلاء يجب أن تكون قبلة العالم الإسلامي، لأن فيها الحسين”. وأضاف “زائرو الإمام الحسين ليسوا فقط في المناسبات التي نحييها في العاشر من المحرم وفي الأربعين، وإنما في كل جمعة وفي كل يوم، لأنه قبلة، والقبلة نتّجه إليها في كل يوم 5 مرات، وكذلك الحسين وهو ابن هذه القبلة التي أوصانا الله أن نتّجه إليها”.

على الضفة الطائفية السنية تشظى الحزب الإسلامي العراقي، الذي كان يعتبر العمود الفقري للفعاليات السنية خصوصا بعد الاحتلال الأميركي. ورغم ذلك ظل مرجعا للذين تبوأوا المسرح السياسي حتى الأيام الأخيرة. وشهدت الفعاليات الانتخابية الأخيرة مواقف لبعض الزعامات السنية تحاول إقناع الجمهور بتخليها عن هذا الحزب عن طريق تبني تشكيلات ذات عناوين مدنية بعد إعلان الحزب الإسلامي عدم دخوله المباشر للانتخابات.

واختار سليم الجبوري أن يخوض الانتخابات باسم حزبه الجديد التجمع المدني للإصلاح، بعد أن انسحب من الحزب الإسلامي.

يفسّر رئيس البرلمان السابق محمد المشهداني أسباب ذلك بأن ما ظهر من تشكيل كتل بعيدة عن المنهج الإسلامي في شعاراتها سببها ترسّبات المرحلة التي يمر بها العراق والشخصيات التي كانت بغطاء ديني ومن ثم ظهرت على حقيقتها في المشهد السياسي الحالي.

ويقول إن الشارع أصبح على دراية كاملة بكل ما يقوم به السياسي العراقي، لافتا الانتباه إلى أن الشارع العراقي فقد الثقة في بعض السياسيين الأمر الذي دعاهم إلى التفكير في طرق أخرى لكسب ود الشارع من جديد في الانتخابات المقبلة.

ويدعم النائب السني عبدالرحمن اللويزي هذه الفكرة بقوله إن الإسلاميين تعرضوا إلى هجمة شديدة خلال المدة الماضية، وخاصة المسؤولين عن إدارة ساحات الاعتصام. كما سخر الناشطون في التيار المدني من التسميات المدنية التي رفعتها بعض الأحزاب الإسلامية والطائفية. ورفض جاسم الحلفي، القيادي في هذا التيار، الاعتراف بهذه التسميات، مؤكدا أن “الأحزاب الطائفية التي ترفع شعار المدنية لا تمثل المدنيين”.

صحيح أن الأحزاب والكيانات الإسلامية لم تسجل حضورا عدديا كبيرا في تسجيل قوائمها لكن ذلك لا يعني تخليها عن منهجها الإسلامي “الشيعي” وقيادتها للمشهد البرلماني والحكومي المقبل بمساندة التيار الإسلامي “السني”.

ذكرت مفوضية الانتخابات العراقية أن حصة الأحزاب الإسلامية هي 12 حزبا من مجموع 205 من الأحزاب أي بنسبة 6 بالمئة. لكن، لا يصّدق أحد من العراقيين أن الإسلاميين، وخصوصا الشيعة قد تخلوا عن أيديولوجيتهم، والكل يعلم أنها لعبة مكشوفة لعبور جسر الانتخابات، وأن متطلبات اللعبة الجديدة تفرض التخلي المظهري عن عناوين “الإسلام السياسي” بسبب ما أنتجه من مسيرة فشل استمرت لاثنتي عشرة سنة.

5