قادة الجماعة الإسلامية في مصر.. خطوات متفاوتة على مسار واحد

المراجعات لا تعني إلا المؤامرات في قاموس الإخوان، و"سكتة سياسية" تجبر التيار الإسلامي على ملازمة الصمت.
الأربعاء 2018/07/25
حقيقة الإخوان في الشارع المصري

القاهرة - أثار قرار محكمة جنايات القاهرة بإخلاء سبيل القياديين بالجماعة الإسلامية المصرية صفوت عبدالغني وعلاء أبوالنصر، الأحد، العديد من التساؤلات والتكهنات حول دلالة الإفراج والتوقيت، وهو ما جعل البعض من المراقبين يستدعون جملة من الإشكاليات المتعلقة بتأثير الخطوة على المسار الذي تحاول الجماعة المضي فيه، أملا في إعادة دمجها مجتمعيا وسياسيا.

يتذكر كثيرون من أعضاء الجماعة الإسلامية عندما خرج منظرها ناجح إبراهيم، وأحد من أطلقوا مبادرة وقف العنف من اجتماع عاجل دعا إليه وهو في حيرة خائب الأمل، بعد فشله منذ نحو ربع قرن، في إقناع من دعاهم إلى خطورة المسار الذي سوف يوجههم نحوه المتطرف صفوت عبدالغني وتياره.

منذ تلك اللحظة انتهى دور مطلقي المبادرة في القيادة، بعد أن أسهموا بشكل رئيسي في التأصيل المنهجي والفكري للمراجعات وإقناع القواعد بها، وابتعدوا بالجماعة عن تشابكات السياسة حتى لا يستغلها تيار من الداخل أو جهة من الخارج، لكنّ عددا كبيرا من هؤلاء عاد لممارسة العنف وعدم التخلي عن أفكار المتشددين.

لم يذكر ناجح إبراهيم أثناء اللقاء المشار إليه بالاسم من انقلبوا عليه وأقصوه عن قيادة الجماعة سوى صفوت عبدالغني، وكرر مرارًا التحذير من خطورته، وكان عبدالغني فعليًا أنشط القيادات التي هندست فترة ما بعد المبادرة وإقصاء القيادات التاريخية التي أطلقتها، ومال بها ناحية التطرف.

ليس هناك تصور مفترض لدور قيادي إسلامي عائد للمشهد سوى أن يكفر عن خطاياه ويعلن هذه المرة عن توبة لا خداع فيها

وظل الرجل عنصرا مؤثّرا وفاعلًا في مسيرة الجماعة وتحولاتها، فقد ارتبط بالعنف في قضية اغتيال رئيس البرلمان المصري الأسبق رفعت المحجوب عام 1990، وفي التخطيط لمقتل المفكر فرج فودة عام 1992، وبتحدي الدولة بنجاحه في الهروب من السجن، والطموح للقيادة عندما حصل على الدكتوراه أثناء حبسه.

وأوضح منير أديب، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي، أن السلطة القضائية لم تتوفر لديها أدلة كاملة لإدانة عبدالغني ورفاقه سابقا في قضية اغتيال المحجوب، ما نتج عنه خروجه ومعاودة ممارسة الإرهاب.

وشدد أديب لـ“العرب” أن التاريخ قد يعيد نفسه لنجد أنفسنا أمام وقائع عنف جديدة جراء خروج قيادات قد تكون مرتبطة بالعنف والإرهاب، تحت ذريعة عدم توافر الأدلة، لافتًا إلى أن الجميع يعرف أنهم مدانون والبعض منهم أدلى باعترافات بجرائمه.

تعكس طبيعة شخصية عبدالغني، قدرة على تطويع الحدث لمصلحته، فقد استغل مبادرة وقف العنف، وأحد من حاورهم الصحافي مكرم محمد أحمد، مبديًا أمامه وعودًا في “الكف عن العنف وطي سجل الماضي والعودة لصحيح الدين وحضن الوطن”، وهي الحوارات التي ضمنها مكرم كتابًا بعنوان لافت “مؤامرة أم مراجعة”.

مراجعات على الطريقة الإخوانية
مراجعات على الطريقة الإخوانية

إلى أن حانت اللحظة التي خطط لها طوال فترة السجن؛ واستغل تحرج الكثير من أعضاء الجماعة من أن تلصق بهم أوصاف “المتراجعين” و“المتخاذلين” و“المضيعين لثوابت الدين”، وكوّن قاعدة تنظر للمبادرة برؤية مختلفة عن رؤية من أطلقوها، وكانت تلك المقدمة التي انطلق منها لاحقًا للسطو على قيادة الجماعة.

شارك عبدالغني في قيادة التيار الذي أسس حزب البناء والتنمية، الذراع السياسي للجماعة الإسلامية، من منطلق قناعة مفادها أن مبادرة وقف العنف والمراجعات لا تعني القعود عن نصرة الدين -وفق تصورهم- ولا تعني أن ما قامت به الجماعة في الماضي باطلا ومخالفا للشريعة، ولا تمنع قادة الجماعة وأعضائها من مناهضة ومعارضة النظم العلمانية وأن “تنكر على من حاد وسلك سبيل المجرمين” مع “التمسك الكامل بالحق والمبادئ والقيم التي عشنا ومات شهداؤنا من أجلها”.

كانت هذه مقتطفات من منشور طويل كتبه صفوت عبدالغني على صفحته الخاصة على فيسبوك قبيل القبض عليه أثناء محاولته مع علاء أبوالنصر الهروب إلى السودان، عقب سقوط حكم الإخوان في 3 يوليو 2013، ردًا على مقال لي بعنوان “الجماعة الإسلامية.. مراجعة المراجعات”، انتقدت فيه مواقف عبدالغني وتياره، منذ الانقلاب على القيادات التاريخية، وصولًا للتحالف مع الإخوان، وما صحب ذلك من ممارسات وخطاب أعاد الجماعة لسيرتها العنفية الأولى.

الأحداث لم تغير القناعات، بل القناعات أسهمت في صناعة الأحداث، ونال عبدالغني مقعدًا في البرلمان خلال حكم الإخوان، وهذا ليس كافيًا لإشباع طموحه، لذا كان أحد رموز المرحلة التي وجد فيها الإسلاميون أنفسهم أمام فرصة العصف بكل شيء حتى المبدأ الذي أقسموا على التمسك به، وهو نبذ العنف ليحققوا هدفهم المستحيل، وإزاحة النظام السياسي لبسط كامل سيطرتهم على مقاليد السلطة.

وأسهم تياره في الإبقاء على الثنائيات الكارثية كما هي دون تغيير لدى مجمل طيف الإسلام السياسي الذي سيطر على الساحة مع صعود الإخوان للسلطة، فلم تستطع القيادات الفكاك من ماضي العنف لكونها ممتنة لهذا التاريخ الذي صنع مجدها الوحيد الذي تعتز به، حيث لا وجود لإنجاز سياسي ولا اقتصادي ولا علمي، كما أن إنتاجهم الفكري والفقهي ملتبس ومشوش.

ويلجؤون لفتح صفحة المبادرات والمراجعات الفكرية كما في تجربة الإخوان مع كتاب “دعاة لا قضاة” وتجربة الجماعة الإسلامية مع كتب المراجعات الفكرية، لكن فقط حال الضعف والهزيمة وساعة ألا يكون هناك خيار سوى الاستسلام.

قاعدة جماهيرية مضللة
قاعدة جماهيرية مضللة

حرم هذا التيار الجماعة الإسلامية المصرية من أن يكون لها منهج ورؤية خاصة بها، الأمر الذي كان من الممكن تحقيقه بعد المبادرة التي كانت حدثا نادرا في مسيرة التيار الجهادي وتيار الإسلام الحركي، لتظل رهينة توظيفها من خارجها، وخدعة لم تنطل على كثيرين، لأن عددا ممن أيدوها انقلبوا عليها، وهو ما ضاعف من الشكوك في توجهات الجماعة الإسلامية وعدم الاطمئنان لتوجهاتها السلمية.

بعد نشأتها كحركة اجتماعية في الوسط الطلابي الجامعي في العام 1971 جرها القيادي الجهادي محمد عبدالسلام فرج عبر التأثير على زميله كرم زهدي إلى مسار المواجهة المسلحة والاغتيالات السياسية، وجاء الجيل الجديد من القيادات عقب حراك يناير 2011 واقعًا تحت تأثير إغراءات الإخوان وطموحات الجماعة الخاصة ويتكرر السيناريو نفسه، بعد أن كادت الجماعة تمتلك رؤية محددة المعالم تحررها من الاستغلال والتوظيف السياسي.

بجانب ذلك أبقت تلك القيادات على الجسور موصولة بين الجماعة في الداخل وغيرها من تنظيمات السلفية الجهادية، لا سيما تنظيم القاعدة، ليس فقط لكون المسافات الفكرية وهمية في جوهرها، لكن لأن هناك قيادات مؤمنة بلقاء المصالح ومقتضيات السياسة، واضعة وهم أيديولوجيا الخلافة الأممية التي يلزمها تحالفات بين المؤمنين بها فوق أي مقاربات فكرية تدعم الانتماء الوطني.

الآن خرج القيادي بالجماعة الإسلامية صفوت عبدالغني، وفق قرار محكمة الجنايات المصرية، والجماعة تحاول معالجة آثار وتبعات خياراته وما حدده لها من مسارات، وحالها بين قيادات هاربة للخارج تنخرط في خدمة مشاريع دول وقوى إقليمية، وقيادات بالداخل تحاول المناورة للفكاك من حلف الإخوان لمنع حظر الحزب ومحاولة العودة للمشهد السياسي.

لن يؤثر إخلاء سبيل كلًا من عبدالغني وعلاء أبوالنصر في مجريات الأمور؛ فقد وصلت جماعتهما لتلك الوضعية الحرجة بإسهام من تشوف مرضيّ للزعامة السياسية السريعة دون أحقية، وخروجهما شأن قضائي يأخذ في الاعتبار حالتهما الصحية، ولا يحمل الأبعاد التي يتصورها البعض، من قبيل توظيف الحكومة لهما لتوجيه المزيد من الضربات للإخوان، فقد أصيب التيار الإسلامي بأكمله في مصر بسكتة سياسية.

كما أن الواقع العربي وصل إلى مرحلة تضطر أي كيان، مهما بلغ تمسكه بالماضي، للانضواء داخل الحدود خاضعًا لحسابات الدولة لأمنها ومصالحها، وليس هناك تصور مفترض لدور قيادي إسلامي عائد للمشهد سوى أن يكفر عن خطاياه ويعلن هذه المرة عن توبة لا خداع فيها أو يعتزل غير مأسوف عليه.

لا يحتمل المشهد المصري في عمومه بما يواجهه من تحديات وأيضا تيار الإسلام السياسي بما يعانيه من تشتت وانهيار المزيد من تكتيكات ومناورات عبدالغني التي برع فيها سابقًا ومكّنته من الإفلات من العقاب عدة مرات، ولا أحد يتصور أن تتاح له الفرصة من جديد ليخدع الجميع كما فعل في التسعينات من القرن الماضي، وتاليًا في حوارات المبادرة ثم خديعته للحكومة وزملائه.

13