قارئ الرواية

الأربعاء 2015/06/10

في أغلب الروايات ثمة “قارئ للرواية”، قد يكون هو البطل، أو مجرد شخصية ثانوية، لكن فعل القراءة يطغى من حيث هو تفصيل مركزي، يوجه الحدث ويؤلف الصلات بين الشخصيات، ويصطنع المشاهد، ويضمخ الحوارات… ولعل أشهر القراء المهووسين في النصوص الروائية هما “دون كيخوطي دي لا مانشا”، و”إيما بوفاري”، لأن نهمهما لـ”الرومانس″ جعل من الإطار الروائي مجرد تفاصيل عمّا يحدث بعد عملية التلقي المتواتر، حكاية لمقامات القراءة ذاتها، لقد أنفذا إلى النظر النقدي أن أكثر الوقائع جذرية في تحويل المصائر وتخطيط الأقدار هو إدمان الخيال والتخييل والمتخيل، من ثمّ نشأ مفهوم جوهري في نظرية الأدب هو “الرؤية النصية” للواقع والناس والحياة، ييسر استيعاب سلسلة من المفاهيم الأخرى المتصلة بمركزية “الوهم” في الخطاب والتصرف الروائيين.

حين نتتبع حضور قارئ الرواية وظلاله، نجده في السياسة والفكر والعقيدة وصراع الحضارات، كل تلك الأنساق الثقافية والحقول المعرفية، تؤول في النهاية إلى روايات صغرى أو كبرى، لها قراء مغرضون، وبخلفيات معقدة، ولهذا أيضا كان التاريخ نموذجا مثاليا لهيمنة قارئ الرواية، بما أنه الحاضن الزمني لكل تلك الأنساق والنظم، والمرجع الأساسي في نشأة كل الروائيات الكبرى، وتأويلها. ولهذا غالبا ما التجأ منظرون عتاة في علوم الاجتماع والنفس واللغة لنصوص “بالزاك” و”بروست” و”دوستويفسكي” و”ستاندال” و”دوس باسوس” و”كونراد” و”نجيب محفوظ” في بناء افتراضاتهم ورؤاهم، ذاك ما نجده عند “نوام تشومسكي” و”جوليا كريستيفا” و”إدوارد سعيد” وما يعلمنا إياه “عبدالله العروي“.

قراءة الرواية موهبة ولعنة في آن، بقدر ما هي شهوة متقدة، لهذا لا يحتاج قارئ الرواية إلى “قواعد”، بل إلى تفاصيل، فالقواعد النظرية عُدّة الناقد والمترجم والمنظر الأدبي ومؤرخ الأجناس التعبيرية، ممن يقرأون النصوص الروائية بهدف تركيب خلاصات، والانتهاء إلى نماذج تهمّ كنه الجنس الأدبي ووظائفه، وجمالياته. وهي أيضا مرام من يسعى إلى تفسير امتداد الرواية على رقعة شاسعة من الأنواع والأشكال التي تكتسح مجال التلقي. بينما التفاصيل المنبثقة من ذاكرة النصوص، هي عدّة القارئ العام، والوسيلة التفسيرية التي تتصل أساسا بمبدأ “التذوق” في استقلال عن خطط التأويل أو استجلاء القيم.

والتذوّق قرين “الفهم”، لعبة مشروطة بالقدرة على المقارنة واستدعاء “التفاصيل” الملتبسة، التي تصل النص بذاكرة القراءات وأفقها المفتوح، في الروايات بشتى تجلياتها النوعية والخطابية وفي غيرها من الأجناس التعبيرية، “التفاصيل” هي الأداة الرئيسية التي تجعل الذهن يستوعب مدونات السرد الروائي ومعجمه ومجازاته وشخوصه وعوالمه، إنها العتبات التي تستدعي المفاتيح، مفاتيح الأثر، وتحفز الذهن على استيحاء الدلالات.

كاتب من المغرب

15