"قارئ اللون" معرض بأنامل أطفال أردنيين مكفوفين

تحرم الإعاقات بأنواعها حاملها من ممارسة حياة طبيعية يمكّنه جسمه خلالها من القيام بكل ما يريد، هكذا يمنع ضعف أو اختلال أو فقدان البصر الشخص من الرسم مثلا، غير أن طلبة مكفوفين في الأردن تحدوا وضعيتهم وتمكنوا من ممارسة هوايتهم للفن التشكيلي.
الأحد 2015/06/07
الرغبة في التعبير والإبداع دفعت الأطفال المكفوفين للرسم بأحاسيسهم

عمان - “زرتُ الكعبة وشعرت بهيبة المكان وقدسيته، طفت حولها مع والدي وجدتي، لكني لم أرها، وحين عدت لعمان رسمتها بلونها الأسود وبمنتصفها الخطوط الذهبية، والناس بلباس أبيض يطوفون حولها، هكذا وصفوها لي” بهذه الكلمات يبدأ الطالب الكفيف في أكاديمية المكفوفين الأردنيين طارق خميس (11عاماً) حكايته مع الرسم التشكيلي.

هو واحد من بين 21 طالباً نظم لهم الفنان التشكيلي الأردني سهيل بقاعين بالتعاون مع أكاديمية المكفوفين “حكومية”، معرضاً تشكيلياً في عمّان بعنوان “قارئ اللون”، جميعهم يعانون من مشاكل في البصر، بعضهم كفيف بشكل كلي، أو جزئي، وآخر يعاني من ضغط على العين وعلمياً تسمى “غلوكوما”، لكن طارق فقد بصره في الثالثة من عمره، حيث ولد وهو يعاني من وجود ماء على العينين، ليفقد بصره بعد أن أجريت له عدة عمليات، كما تقول والدته.

من جهته يقول طارق إنه يلوّن لوحاته عن طريق حاسة الشم، ولكل لون دلالة لديه، إذ يستخدم ألواناً خاصة للرسم، فالأحمر يتذكر أنه يشير لرائحة الطماطم ويرسم به الورود، والأخضر للنعناع ويرسم به الأعشاب، والأصفر لليمون ويرسم به شعاع الشمس، والبني تشير رائحته لنبتة القرفة البرية ويرسم بها وجوه الناس وسيقان الأشجار.

قصة أخرى ترويها الطالبة أسيل بشار (10 أعوام) وهي مصابة بضغط بالعين يحجب عنها الرؤية بشكل جزئي “غلوكوما”، قائلة إنها تحب أن ترسم لوحات “الأميرة فخر النساء” وهي والدة الأمير رعد بن زيد “ابن عم الملك طلال والد ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال”. وفخر النساء من أصول تركية عرفت في الأردن باهتمامها بالرسم والفن التشكيلي، ودرست الرسم بدار الفنون بإسطنبول ثم في باريس عام 1927، ولدت عام 1901، وتوفيت 1991.

تقول أسيل إنها ترسم بانتظام لوحات فخر النساء وتشعر أنها تتقنها، وبالفعل كانت رسوم أسيل مطابقة إلى حد كبير مع تلك التي وجدت في كتاب لفخر النساء وقام بتأمينه لها الفنان الأردني سهيل بقاعين.

يقول سهيل بقاعين، الذي أمّن كتاب الأميرة لأسيل إنه يشعر بالفخر في هذا المعرض الذي أقامه لأطفال أرادوا أن يبرقوا للعالم برسائل أنهم قادرون على إيصال أفكارهم المليئة بالمحبة والحياة والشوق للطبيعة وتلمسها.

ويتابع: إنهم يرسمون بشكل جميل ولا أقول ذلك لأرفع من عزيمتهم، إنهم فعلاً مبدعون، فقدوا بصرهم وآخر منهم يرى بشكل جزئي، لكنهم يرسمون ببصيرتهم ما يعجز عنه المبصرون.

ويقول مسؤول العلاقات العامة في أكاديمية الطلبة المكفوفين، أحمد قوقزة ولديه طفلان يدرسان فيها: إن المعرض مكّن الطلبة من معرفة جديدة استطاعوا من خلالها التعرف على الألوان، بعدما كانوا يظنون أن الألوان جميعها سوداء أو بيضاء، وهم اليوم أكثر قدرة على رسم الأفكار، حيث كانت رسومهم في السابق لا تحتوي على أفكار، بقدر ما تكون فقط خربشات، لكن اليوم نرى رسائل وأشواقا وحنينا للطبيعة والصداقة في رسوماتهم.

ويعتبر معرض الطلبة المكفوفين الذي يعود ريع رسوماته للطلبة أنفسهم، بحسب الفنان بقاعين، الأول من نوعه في الأردن، ويضم 79 عملا فنيا أنتجها 21 طالبا وطالبة، وبأعمار مختلفة من 9 إلى 15 عاماً، أظهرت الجهد المبذول منهم وكشفت عن إبداعاتهم للجمهور، مع العلم أن المعرض يتواصل إلى يوم الـ17 من يونيو الجاري.

24