قارة سمراء بألوان عربية

الأحد 2017/01/08

أيام قليلة تفصلنا عن موعد انطلاق منافسات كأس أفريقيا للأمم أو المونديال الأفريقي كما يحلو للبعض تسميته، لكن هذا الموعد الجديد الذي يقام كل سنتين وتحتضنه الغابون هذا العام، سيكتسب طعما آخر ومذاقا مختلفا وخاصة لدى الجماهير العربية، بما أن هذا الحدث سيعرف مشاركة أربعة منتخبات عربية سيكون هاجسها الأول هو الرهان على اللقب الأفريقي الأغلى ومقارعة بقية كبار القارة السمراء.

موعد جديد ورهان كبير سيعرف هذه المرة عودة منتخب “الفراعنة” صاحب الرقم القياسي في عدد الكؤوس الأفريقية، وذلك بعد غياب استمر في ثلاث دورات متتالية، ليكون بذلك منتخب مصر إلى جانب منتخبات الجزائر وتونس والمغرب من بين فرسان النسخة الجديدة للبطولة الأفريقية المجيدة.

ربما قد ندع الأرقام والتاريخ تتحدث عن هذه الدورة التي ستعطى ضربة بدايتها السبت المقبل وتستمر إلى غاية يوم 5 فبراير القادم، حتى تبرز مدى تأثير المشاركات العربية في منافساتها، ولعل الرقم الأول في هذه المعادلة قد يؤكد أن الحضور العربي كثيرا ما كان قويا ومتوهجا، فكل المنتخبات التي تمثل الكرة العربية سبق لها الحصول ولو في مناسبة وحيدة على الكأس الأفريقية، حيث فازت منتخبات تونس والجزائر والمغرب باللقب في مناسبة، وتوجت مصر في سبع مناسبات كاملة.

اليوم سيكون الرهان قويا للغاية، خاصة وأن المنافسة ستكون ضد منتخبات عريقة مثل ساحل العاج صاحب اللقب في النسخة الأخيرة، والكاميرون التي تبقى دائما من القوى التقليدية في القارة السمراء، والسنغال الساعية منذ سنوات طويلة للحصول على اللقب الغالي، وكذلك غانا التي باتت مشاركاتها فاعلة وبارزة في أغلب الدورات الأخيرة، وربما تحصل المفاجأة من منتخبات أخرى مثل الغابون البلد المنظم أو مالي أو جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ومع ذلك، يمكن للجماهير العربية أن تحلم بقدرة ممثلي العرب على تسجيل حضورها بشكل لافت في هذه الدورة، ليس هذا الأمر من باب التمني أو الرجاء، بل لكون منتخباتنا العربية لديها من الإمكانات والقدرات واللاعبين ما يسمح لها بالذهاب بعيدا في المسابقة والمراهنة بشكل جدي على الحصول على التاج الأفريقي.

لنبدأ بالمنتخب المصري العائد بعد غياب استمر طويلا بالنسبة إلى منتخب يحمل إرثا رائعا وسجلا مشرفا للغاية، فمنتخب “الفراعنة” الذي استعاد توازنه في الفترة الماضية وتمكن من الوصول إلى النهائيات، ما انفك يقدم عروضا مشجعة وواعدة في آخر مبارياته سواء في تصفيات هذه البطولة القارية أو تصفيات مونديال روسيا 2016.

منتخب مصر تمكن من هزم منتخبي نيجيريا وأقصاهما من النهائيات، ثم ثأر من منتخب غانا وفاز عليه ضمن تصفيات المونديال، هو منتخب يضم في صفوفه إحدى أبرز الجواهر العربية ونعني بذلك نجم روما محمد صلاح الذي يحمل بمعية نخبة من اللاعبين المتعطشين للألقاب آمال المصريين والعرب في هذه البطولة، هو منتخب تمكن بقيادة المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر من استعادة ثوابته وثقته في إمكاناته، وتبعا لذلك يمكن أن يحمل المنتخب المصري الآمال ويحلم بالظفر مجددا باللقب، “سلاحه” في ذلك عدم تخوفه بالمرة من المنتخبات العريقة التي يتفوق عليها عادة في المواعيد الكبرى.

ثاني المنتخبات العربية هو منتخب الجزائر، فـ”الكتيبة” الحالية لمنتخب “ثعالب الصحراء” قادرة متى توفر الهدوء والالتزام الخططي على تحقيق “المعجزات”، والدليل على ذلك ما حصل في مونديال البرازيل 2014.

اليوم، يضم هذا المنتخب الجزائري أحسن لاعبي القارة السمراء، ونعني بذلك رياض محرز الذي احتفل مؤخرا بالحصول على جائزة أفضل لاعب في أفريقيا لسنة 2016 بعد إنجازاته الرائعة مع ليستر سيتي الإنكليزي، والأمر لا يتعلق فقط بمحرز فالمنتخب الجزائري يضم في صفوفه نخبة من اللاعبين المحترفين في أبرز الفرق الأوروبية، فتكوينهم القاعدي ممتاز وخبرتهم ونضجهم التكتيكي هما العامل الرئيسي الذي قد يساعدهم على التفوق والبروز والتألق في “كان” الغابون، فالحلم مازال ممكنا والأمل يراود الجميع بتكرار إنجاز سنة 1990 ذات دورة سطع خلالها نجم رابح ماجر وبقية زملائه، أما اليوم فإن محرز وبقية الرفاق قادرون على الوصول إلى المحطة النهائية وتذوق طعم التتويج مرة أخرى.

ليس بعيدا عن الجزائر، ستكون الجارة تونس حاضرة في هذه البطولة، ومن الأرقام الجيدة التي يملكها منتخب “نسور قرطاج” أنه بات يشارك بانتظام ودون أي غياب منذ دورة 1994، ما يعني أن رصيد الخبرة والتجربة لديه يتجاوز 22 عاما من الظهور المستمر.

هذا المنتخب لديه كل المقومات التي تخول له التقدم إلى المراحل الأولى من المسابقة، ألم يفعلها ذات مرة في الأراضي الجنوب أفريقية سنة 1996 عندما كذب كل التكهنات وبلغ الدور النهائي قبل أن ينهزم ضد منتخب البلد المنظم؟ ألم ينجح سنة 2004 في الدخول إلى نادي المتوجين بعد أن أحرز لقب تلك الدورة التي أقيمت بين جماهيره؟

هو اليوم يضم مجموعة من اللاعبين الجيدين والممتازين مثل المدافع أيمن عبدالنور والمهاجم أحمد العكايشي، وخاصة لاعبي الوسط حمزة لحمر ويوسف المساكني الذي يصنفه البعض من أفضل اللاعبين العرب.

في نسخة الغابون ربما يكرر التاريخ نفسه، فبقيادة المدرب البولندي الفرنسي هنري كاسبارجاك بلغ منتخب تونس الدور النهائي سنة 1996، ودارت الأيام والسنوات وعاد كاسبارجاك لقيادة منتخب تونس، فهل يفعلها مرة أخرى؟

المنتخب العربي الرابع الذي يحمل الآمال العربية هو منتخب المغرب الساعي إلى العودة من الباب الكبير في المسابقة القارية، ويريد إحياء ذكرى غالية لديه حصلت سنة 1976 عندما ظفر بلقبه القاري الوحيد، لكن اليوم سيتعين عليه التخلص من رواسب الماضي ومحو ذكرى عدم مشاركته في الدورة الأخيرة. منتخب “أسود الأطلس″ سيكون “سلاحه” في هذه الدورة خبرة مدربه الفرنسي هيرفي رونار صائد البطولات، فهو من قاد منتخب زامبيا لمفاجأة الجميع وتوج باللقب، وهو من قاد منتخب ساحل العاج في الدورة الأخيرة للتتويج بعد سنوات عجاف، ورغم بعض الهنات التي مرّ بها منتخب المغرب، إلا أن وجود مجموعة متكاملة من اللاعبين الرائعين والمتألقين في أوروبا، سيتيح له بلا شك ترك بصمته في هذه البطولة الأفريقية التي يرجح بشدة أن يطغى عليها اللون العربي الخالص.

كاتب صحافي تونسي

23