قارعة الطبل الصغيرة

أحداث الرواية تدور في السبعينات، وتتناول موضوعا لم يعد مطروقا في الوقت الحالي.
الأربعاء 2018/11/14
عالم الجوسسة

لا أعرف سر اهتمام تلفزيون “بي بي سي” الكبير برصد ميزانية ضخمة أنفقت على إنتاج كبير ومتميز لمسلسل (من 6 حلقات) عن رواية جون لوكاريه “قارعة الطبل الصغيرة” التي نشرت عام 1983، ثم تحولت في العام التالي إلى فيلم سينمائي أخرجه الأميركي جورج روي هيل، فأحداث الرواية تدور في السبعينات، وتتناول موضوعا لم يعد مطروقا في الوقت الحالي.

رواية جون لوكاريه (واسمه الحقيقي هو ديفيد كورنويل- 87 سنة) ليست رواية سياسية، بل إحدى روايات الجاسوسية التي تعتمد على التشويق والإثارة ووصف وسائل العمل السري للمخابرات على غرار الروايات التي اشتهر بها لوكاريه وأشهرها “الجاسوس الذي احتمى من الصقيع” التي تحولت بدورها إلى فيلم سينمائي ناجح. إلاّ أن المؤلف اختار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مجالا لأحداث وشخصيات روايته، وكان يتعين عليه بالتالي أن يتعرض للجانب السياسي في الموضوع.

وهو يرى في الرواية أن كل شيء نسبي في عالم المخابرات، وأن السقوط متعادل عند كل من الضحية والجلاد، ولا يهم من الجاني وعلى من، فشيطان السقوط الأخلاقي غالبا ما يتمكن من الطرفين.

المسلسل الجديد الذي بدأ الـ”بي بي سي” عرضه مؤخرا، من إخراج المخرج الكوري الموهوب بارك شان- ووك، وفي أدوار البطولة الممثلة البريطانية الصاعدة بقوة فلورنس بيو أمام الأميركي مايكل شانون والسويدي ألكسندر سكارسغارد.

ويدور المسلسل حول فكرة ازدواجية الحقيقة والخيال، ما ينسجه المرء حول نفسه من قصص خيالية يخترعها، وما يحفظه الجاسوس من قصة خيالية يتخذها غطاء يتستر به، فالواقع يتداخل مع الخيال، ويؤدي إلى إرباك كل من الفريسة والصياد.

المسلسل مثل الفيلم مخلص للرواية، لكنه أفضل كثيرا من حيث السيناريو أو مواقع التصوير أو أسلوب الإخراج، أو مصداقية الممثلين، وهو يمتلئ بالكثير من التفاصيل التي تستوعب ما يسرده لوكاريه في روايته (التي ترجمها للعربية عبدالحميد فهمي الجمال في 620 صفحة وصدرت عن دار الهلال في مصر عام 1993).

يدور الموضوع حول ممثلة مغمورة (شارلي) تعمل في أحد مسارح لندن، يسارية راديكالية متعاطفة مع الفلسطينيين، تؤمن بقضيتهم، ومع وقوع بعض التفجيرات التي تستهدف أهدافا إسرائيلية (أو يهودية) في أوروبا، ترسل الموساد فريقا بقيادة “مارتن كيرتز” وهو ضابط محنك وأحد الناجين من الهولوكوست وكان وقتها طفلا ومازال رقم معسكر أوشفيتر محفورا على ذراعه، لكي يقتفي أثر خبير القنابل الفلسطيني العبقري “خليل”.

ويكافح مارتن حتى يقنع رؤساءه بتجنيد الممثلة شارلي، رغم كونها النموذج النقيض لإسرائيل وسياساتها، مدعيا أن تحمسها الكبير لعدالة القضية الفلسطينية ودفاعها الحار عن الفلسطينيين سيلعب إيجابيا لجعلها مقنعة.

ويقوم عميل الموساد “جوزيف” باستدراجها إلى حيث تقع في براثن فريق الموساد في فيلا بضواحي أثينا، وهناك يمارسون ابتزازها ويضغطون عليها حتى تقبل القيام بدور مماثل تماما لدورها في الحياة، فيرسلونها أولا إلى لبنان حيث تتدرب على العمليات الفدائية في أحد المعسكرات الفلسطينية، ثم تعود ليطلبوا منها قيادة سيارة عبر الحدود من اليونان إلى ألمانيا تحمل فيها قنبلة لكي تضعها في قاعة يعتزم بروفيسور إسرائيلي إلقاء محاضرة هناك عن “السلام”.

كل هذا تحت إشراف الموساد، والغرض: أن تحصل على ثقة “خليل” الذي يتم في نهاية المطاف، ولكن بعد أن تكون قد وقعت في غرامه.

وعندما تكتشف “شارلي” هول ما تعرضت له في النهاية من تلاعب خطير تكون قد فقدت تماما إنسانيتها وتم تدميرها بالكامل، أي أن “شارلي” دفعت الثمن.

الحبكة جيدة وفيها الكثير من التعقيد الذي يثري البناء الدرامي، أما على المستوى السياسي يظل الفلسطينيون هم الأشرار الذين يقتلون اليهود في أوروبا، أما الإسرائيليون فدعاة سلام.

إنهم يعترفون بما وقع من ظلم على الفلسطينيين ويعرضون المأساة الفلسطينية من خلال “جوزيف” ضابط الموساد الذي يتقمص دور “ميشيل” شقيق خليل، لكنهم يرفضون العنف.

16