قاصة إماراتية تكتب حياة المرأة في ظل مجتمع ذكوري

الأربعاء 2014/11/26
الكعبي تسلط الضوء على سلوكيات تنخر الواقع، وقد لا تثير اهتمام الإنسان

ترصد القاصة الإماراتية عائشة خلف الكعبي في مجموعتها القصصيّة الثانية “لا عزاء لقطط البيوت” الصادرة عن دار “أزمنة للنشر”، بعين الرقيب، سلوكيات تنخر الواقع، وقد لا تثير اهتمام الإنسان العادي، لتؤكد لنا أن المبدع قادر على رؤية مختلفة، لأنه ينظر من زاوية مختلفة، فيعيد طريقة الاكتشاف، والقراءة وإعادة البناء.

القصص التي تتضمنها مجموعة “لا عزاء لقطط البيوت”، هي إشارات نبيهة، تلقي الضوء على بعض العادات التي تكبّل خطونا وتشدّنا إلى الخلف، ولا نقوى على التخلص منها، عادات يعدّ مجرد التفكير في تغييرها انتهاكا لحرمة الموروث.

تعقد عائشة الكعبي وقفة مع الذات/ الآخر من خلال عرض الواقع المجتمعي في صوره الصادمة. فالزمن يسير نحو الأمام بينما العلاقات الاجتماعية البالية ثابتة دون حراك، لذلك نرى أن الوضع المرفوض الذي تثيره الكعبي يؤطره فكر راصد ولغة مكثفة وصور دالة، ابتداء من الغلاف الذي يعدّ عتبة القارئ نحو المجموعة، حيث القطة البيضاء، رمز الطهارة والنقاء، تجلس على حافة الباب المفتوح على الشارع الممتد، الذي تقبع في آخره شجرة، وحيث الظلام يعكس لونه.


الأحلام والواقع


البياض الذي يضع القارئ في لحظة البداية المفترضة، ويعطي إشباعا للروح من الفرح المنتظر، سرعان ما يخيب ظنّه حين تواجه قطط المجموعة حاضرها المتكرر الذي يأبي عنها انسلاخا، فتشكو حالة التشابه التي تعانيها وتواجهها، بلا رحمة، على نحو ما نجد في قصة “إعلان 1” حيث تشعر الساردة بضياع عمرها دون أن تحمل لها الأيام شيئا جديدا.

الارتكان إلى الرؤية عن بعد هو محض خيال، وهو خداع للذات، خداع يشبه خداع تلك الأنثى لنفسها

في “سيرة عدّاء” يتكرّر الأمر ذاته، فالرجل بطل القصة كان يقبل بكل شيء تفرضه عليه الحياة، حتى تمشي، لكنه يساير الحياة من موقف لآخر، وبعد فوات الأوان يكتشف أن الحياة لم تكن تهادنه، ولم تكن تمشي، بل تركض به نحو هاويته.

ويبدو لنا أنّ التشابه والإذعان له شكّلا أرقا للمجموعة القصصية ولكاتبتها، حتى حين يتعلّق الأمر بالآخرين، حيث الواقع يهدّ خيالات التخمين الذي ينتظر تغييرا ما في رتابة الأيام، فالبطل في قصة “اكتشاف” يتسلم من الممرضة الظرف الذي تركته الوالدة، ليرى في سيرتها امتدادا لسيرته، ولسيرة الشخصيات، وكأن التشابه قدر الأم وقدر الابن، وقدر شخصيات المجموعة برمّتها، وكأنّ الأمل في الخروج من الدائرة السوداء عبر رمز البياض ما زال صعبا جدا، في ظلّ مجتمع ذكوري يحدّ من خيالات المرأة وطموحاتها.

وحين تتحدث الكاتبة عن الأحلام يعيدها الواقع إلى صلابته، وتجعلنا نتأكّد أنّ الارتكان إلى الرؤية عن بعد، هو محض خيال، وهو خداع للذات، خداع يشبه خداع تلك الأنثى لنفسها حين راحت تسترجع حيرتها بين محمد وخالد، تلك الحيرة التي بدّدها الواقع الصادم، وظلم الأهل الذين ينجح خيارهم في آخر الأمر.


مفارقات مدهشة

المجموعة تلقي الضوء على بعض العادات التي تكبّل خطونا وتشدّنا إلى الخلف


ترصد الكاتبة الحياة في بعض قصصها من خلال إبراز روح التناقض بين الشخصيات، فالتناقض يذكي روح الخلاف الفضفاض، ويمنح المفارقة القصصية ألقها، على نحو ما نجد في قصة “سوفنير” حيث يسقط القرط من صاحبته في الصالون، ذلك القرط الذي يعني لها ذكرى محبّ عاشق، وحين يجده أحدهم (بعد رحلة عجائبية للقرط) يريه لزوجته، فيكون سببا دائما للشجار بينهما، إذ يغذيها خيالها بقصص مثيرة جرت بين زوجها وصاحبة العقد.

لقد توغلت المجموعة في الرمزية بدءا من العنوان، وعبر قصص المجموعة، غير أنّ هذه الرمزية لم تؤثر على سلاسة الحكي، وما دفعت السرد إلى الغموض، بل وُظفت بشكل يخدم القص وينطلق به إلى عوالم أكثر حرية من واقع يحشر مبدعه في قوالب جاهزة.

كما استخدمت القاصة اللغة الدالة والقوية التي تحمل في وجه من أوجهها أفكار صاحبتها، ولم تغب عنها روح الشاعرة التي سعت إلى التكثيف والابتعاد عن اللغة النمطية، كما برزت الالتقاطات البارعة الذكية التي عكست لنا خللا فاضحا في منظومة التعاملات الإنسانية.

وعلى الرغم من أنّ قصص المجموعة تميل إلى شكل القصة القصيرة جدا، من حيث تمحور الحكاية حول فكرة يتمّ الانطلاق إليها عبر أقصر الطرق، فقد اختلفت بين الطول والقصر، وتميزت بالوصف الذي يخدم النص ويشكل جمالياته، لتتغلب القاصة أثناء رصدها للعلاقات الإنسانية على صور الحياة الهجينة، ولتنتصر لها في أحلام التكامل الإنساني رغم قسوة الواقع.

لقد لعبت المفارقة دورا مهما في إيصال فكرة الكاتبة، وصدمت القارئ الذي يقف مذهولا أمام هذا التناقض الذي تحمله القصة في نهايتها، لتقوده نحو لحظة التنوير، ويمكن أن نمثل للمفارقة بكثير من الأمثلة، غير أننا نكتفي هنا بواحد منها، هو قصة “وجهة نظر” لأن القاصة ها هنا تستعين بتقنية المرآة، التي يعتمد عليها كتاب القصة القصيرة جدا إلى حدّ كبير، بوصفها تجسّد الحقيقة التي يسعى الناظر إلى إخفائها.


انتصار للحياة


مجموعة “لا عزاء لقطط البيوت”، لوحة مرسومة بعناية، تسترعي انتباه قارئها، لتدق ناقوسا كي ينبّه لتلك الحالات التي تظل تعيش في الظل

مجموعة “لا عزاء لقطط البيوت”، لوحة مرسومة بعناية، تسترعي انتباه قارئها، لتدق ناقوسا كي ينبّه لتلك الحالات التي تظل تعيش في الظل، حتى يعتقد الآخرون، أنها غير موجودة، أو أنها مجرّد ديكورات على مسرح الحياة، تخدم من حولها، وينعدم حضورها حين تنتفي الحاجة إليها.

إنها ناقوس ينبّه لضرورة مجابهة تلك النظرة المغلفة بالأنانية، ناقوس يقف على باب الحقيقة، ليقدّمها إلى القارئ دون رتوش، بينما يزهد الآخرون فيها، أو يحاولون إخفاءها، على نحو ما نجد في قصة “هبوط”، التي تقوم مفارقتها على أن الحقيقة تُكشف من حيث أراد لها صاحبها أن تختفي.

وفي قصة “عمرها في مكان آخر”، التي تجعل من الحقيقة جسرا تعبر منه القاصة رفقة القارئ إلى حياة أخرى، لتؤكد أن مسيرة الحياة التي مرّت على الفرشاة (وعلى الساردة أيضا) يجب ألا تجعلها غير جديرة بالتعايش معها، لأنه ثمة نفع ما للإنسان، وثمة في الحياة ما هو جدير بأن يعيش من أجله الإنسان حتى أنفاسه الأخيرة. وهنا بالضبط يشعر القارئ أن القطط البيضاء قد بدأت تحفر عميقا في الظلام الذي أحاط بها في كثير من صفحات المجموعة.

14