قاصّ الحمراء

الأحد 2017/07/16

كانت القصة المغربية فيه بتأثير من إدريس الخوري ومحمد زفزاف قد اجتهدت في بلورة لغة محلية تُفصِّح الدّارج وتُدرّج الفصيح، لغة حرّيفة لا تتسرّب إليها توشيات ولا تخالطها مُنكّهات.

في بداية التسعينات من القرن الماضي زارنا في مراكش الكاتب أحمد بوزفور وتحلقنا حوله على مائدة الغداء، فعلنا بانبهار. كان بوزفور، ولا يزال، أحد الملهمين الكبار للقصاصين الشباب خصوصًا من أصحاب النزوع التجريبي. وكنتُ قد كتبت قصتي الأولى “الرأس القاحل” بتأثير فوري مباشر من سماعي له يقرأ قصّته البديعة “صدر حديثًا” في إحدى مدرجات كلية الآداب بمراكش. حتى أنني حذفت تلك القصة من مختاراتي القصصية “فرح البنات بالمطر الخفيف” لأنّي وأنا أعيد قراءتها لحظة إعداد المختارات وجدتُ روح بوزفور تسكنُها، وكأنّ مدادها مُستعارٌ من محبرته.

فتأثير بوزفور عليَّ وعلى جيلي كان كبيرًا. لذلك، كانت الرّجّة قوية حينما لاحَظْنا اهتمام القاص الكبير القادم من الدار البيضاء بالسؤال عن أحوال أديبنا المحلّي أبويوسف طه. أخبرناه أن الرجل بخير، ولعله ساعتها يشرب قهوته في مقهى المعتمد، مكمنه الأثير بشارع محمد الخامس.

في ذلك اللقاء انطلق بوزفور يعطينا درسًا في القصة عنوانه “أبويوسف طه”، فالقاص التجريبي الذي يُلهمنا يعتَبِر صاحبنا من أهم رواد القصة في البلد. هكذا أعدنا مباشرة قراءة أبويوسف طه. ولأن مجموعته الأولى “سلة العنب” لم تكن قد صدرت بعد في زمنٍ كانت فرصُ النشر فيه عزيزةً، فقد صرنا نحرص على قصصه المنشورة في ملحق “العلم الثقافي”، قبل أن نتلقّف مجاميعه القصصية ورواياته القصيرة تباعًا بشغف “الشتاء الضوئي”، “عشاء البحر”، “سلة العنب”، “مدينة بحجم الكف”، و”المدينة وسقوط العقل”.

ومع ذلك، ما زلنا نشعر أن هذا القاص الذي اقتحم المشهد الأدبي المغربي منذ 1964 بنشر قصته الأولى “ماسح الأحذية” في “العلم الثقافي” كان بإمكانه التوقيع على حضور أقوى لولا اختياره الانقطاع عن العالم والناس لسنوات قبل أن يعاود الظهور. هو هكذا دائما، مثل ثعلب زفزاف، يظهر ويختفي. لكن حين ينعزل، يفعل عن سبق إصرار. فانعزاله احتجاجٌ. عزلةٌ تدفعه إليها المرارة والخيبة، إضافة إلى الرغبة في التأمل، لكنها فسحة صفاء مع الذات يحتاجها “ليقرأ بإمعان ويكتب برويّة، فالعزلة الخلاقة غير الانطواء اليائس”.

كان أول درس تعلمناه من أبويوسف هو اللغة. فالكاتبُ لغةٌ أيضًا. بل لعله لغة أساسًا. وللرجل لغة دقيقة جميلة لا تُضاهى. فهو يتحكّم في العالم عبر اللغة. يسمّي بدقة ما يتلعثم الأدباء إزاءه من أشياء وكائنات. ويعبّر عن أكثر المشاعر التباسًا. يفعل بدقة في سياق أدبي ما زال الكتّاب فيه يكسلون عن تدقيق أنواع الطيور والأشجار في نصوصهم. فالطير يحطّ فوق الشجرة، هكذا بالمطلق، وكفى الله المبدعين عناء التدقيق ومشقّة التحقيق.

ثم إن لغة أبويوسف بالغة العذوبة. ففي سياق أدبي كانت القصة المغربية فيه بتأثير من إدريس الخوري ومحمد زفزاف قد اجتهدت في بلورة لغة محلية تُفصِّح الدّارج وتُدرّج الفصيح، لغة حرّيفة لا تتسرّب إليها توشيات ولا تخالطها مُنكّهات، تسلّل إلى قبيلة القصاصين عددٌ من ضعاف الموهبة ممّن وجدوا في اختيارات الخوري الواعية التي تعكس انغراس هذا القاص الكبير في محليّته وتوقه العميق إلى التحرّر التام من سلطة المشرق، فرصةً سانحة لاعتماد نموذجه إخفاءً لفقر لغتهم وضمور قواميسهم. هنا كان أبويوسف يرفع السقف عاليًا. فاللغة الجميلة في قصته تزيد السرد قوةً والوصف وضوحًا والتعبير دقّة.

أما قصصه ورواياته القصيرة فهي بالنهاية سرود تكتب الذات وترصد تحوّلاتها، وتكتب مراكش بالتقسيط. سوانح من طفولته البعيدة. تجوال في المدينة الحمراء من دروب مدينتها العتيقة حتى أحياء المدينة العصرية التي أنشأها الاستعمار: جيليز والنواحي. تنقّلٌ دَرِبٌ بين الأمكنة والأزمنة ببراعة وذكاء. لذلك لم يكن عبثًا أن أطلق عليه الشاعر سعد سرحان مرّة وعن جدارةٍ لقبه الأثير: قاصّ الحمراء.

كاتب من المغرب

11