قاضي محمد أيقونة كردية للمنتفضين على قمع فارس

الأحد 2015/05/17
قاضي محمد رئيس مهاباد والحلم الذي تشعله فيرناز من جديد

في مفهومنا العام كشعوب شرق أوسطية، غالبا ما نربط بين اسم إيران كدولة وبين العرقية الفارسية، ليغيب عنا بذلك سواء بقصد أو بغير قصد أن إيران تمثل أكبر فسيفساء عرقية في المنطقة لما يضمه الشعب الايراني من عرقيات.

هذه النظرة لإيران وربطها بالفارسية، لم ينشآ من الفراغ وإنما استندا إلى انحدار كافة الأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكم إيران من العرقية الفارسية التي عملت على ترسيخ تلك النظرة بعملها على صهر كامل مكونات فسيفساء الشعب الايراني من كرد وعرب وأعراق آسيوية داخل المجتمع الفارسي للاحتفاظ بحكم هذا البلد النفطي، وهو ما يفسر محاربة الأنظمة الإيرانية بدءا من حكم الشاهات وصولا إلى ولاية الفقيه لكامل الأنشطة التراثية والثقافية لباقي الشعوب والعرقيات، بما فيها الأزياء الشعبية، وهو ما تفاقم بعد مجيء الخميني إلى الحكم في إيران في العام 1979 والذي أضاف إلى الاضطهاد العرقي اضطهادا جديدا تمثل بالاضطهاد الطائفي، فمنع القيام بأيّ نشاط ديني غير شيعي في إيران أو حتى مراكز دينية لغير الشيعة.

مكونات تجمعها القوة

وعلى الرغم من تشديد قبضة الفرس على الحكم، إلا أن الفسيفساء الايرانية أبت إلا أن تطفو إلى السطح مع بداية القرن الماضي رافضةً الهيمنة الفارسية الممتدة منذ قرون، ليظهر ذلك التنوع العرقي بين أبناء إيران من خلال بروز الكثير من الحركات التحررية الشعبية في عموم البلاد بحدودها الحديثة، والتي ظهرت أول بوادرها في مدينة مهاباد ذات الغالبية الكردية والتي عرفت فيما بعد بجمهورية الحرية برئاسة قاضي محمد، والتي كانت شهدت نشوء الكثير من الحركات التحررية في ذلك الوقت كنتيجة منطقية للمتغيرات العالمية مطلع القرن العشرين وخاصة في الجوار العربي الذي كان قد بدأ تحركا ثوريا ضد الدولة العثمانية تجسد في الثورة العربية الكبرى، بالإضافة إلى بدء انتشار مفاهيم الحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير في الشرق الأوسط.

قاضي محمد يعد من أكثر مثقفي زمنه كرها للعشائرية الطاغية حينها، عاش مطالبا بالحرية، وأتقن الكثير من لغات العالم كالإنكليزية والروسية، بالإضافة إلى الفارسية والكردية (لغته الأم)، ما أضاف إلى شخصيته كاريزما خاصة وخبرة في فن إدارة السياسة والعلاقات الدولية

مهاباد قاضي محمد

كان قاضي محمد الذي ولد في مهاباد في العام 1901 من أسرة ميسورة الحال، مثقفا، كارها للعشائرية الطاغية، مطالبا بالحرية، أتقن الكثير من لغات العالم منها الإنكليزية والروسية، بالإضافة إلى الفارسية والكردية (لغته الأم)، ما أضاف إلى شخصيته كاريزما خاصة وخبرة في فن إدارة السياسة والعلاقات الدولية، الأمر الذي مكّنه من تطويع المتغيرات الدولية والإقليمية لصالح قضيته وقضية أبناء شعبه في التحرر من السلطة الفارسية، بالإضافة إلى اكتسابه إجماع المهاباديين ودعمهم لتحركاته والتفافهم حوله.

شيئا فشيئا تحول قاضي محمد إلى واحدٍ من أكبر مفكري مهاباد خاصة بعد تعيينه مسؤولاً ثقافياً في منطقته، كان مؤمنا بالمفاهيم الديمقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، الأمر الذي أوقعه في صدام دائم مع الإقطاعيين في المدينة، خاصةً وأنه كان صاحب مواقف داعمة للفلاحين ومطالبة بحقوقهم.

ميول قاضي محمد باتجاه الاستقلال عن حكم إيران بدت واضحة منذ شبابه، بل إنها فاقت ميله إلى الحصول على مجرد حقوق سياسية، ففي ظل تزايد اهتمامه بالعمل السياسي وتبنيه لقضية شعبه انضم بمعاونة إحسان نوري باشا في ثلاثينات القرن العشرين” إلى حزب “خويبون” أو ما يعرف بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تأسس في العام 1927، الذي كانت أبرز مطالبه إنشاء دولة كردية في منطقة كردستان بعد توحيدها، وذلك قبل بروز عصبة أحياء كوردستان التي تسلمت فيما بعد خط النضال المهابادي.

حمل قاضي محمد حلمه بالتحرر وآمن به متأثرا بنزعة الحرية والتخلص من الاستبداد الفارسي، فابتعد عن الأعمال التجارية وجمع الثروات، لم يكن يعلم في ذلك الوقت أنه في يوم من الأيام سيتحول إلى أيقونة من أيقونات الحرية في مدينته والمنطقة بشكل عام، خاصة وأن نضاله سيتوج بقيام جمهورية مهاباد في العام 1945 شمال غرب ايران، مستفيدةً من ضعف الحكم المركزي في طهران ومن المتغيرات الدولية والإقليمية، في ظل اندلاع الحرب العالمية الثانية وموقف الاتحاد السوفييتي من نظام الشاه رضا بلهوي الذي اتهم بالتعاطف مع هتلر في ذلك الوقت، ما دفع القوات السوفيتية إلى التوغل داخل الأراضي الإيرانية ودعم المهاباديين وقاضي محمد في إنشاء جمهوريتهم، بعد هروب الشاه رضا بلهوي وتسليم السلطة لخلفه محمد رضا بهلوي.

جمهورية مهاباد لم تعش أكثر من 11 شهرا، بعد أن استغل الشاه محمد رضا بهلوي علاقته بالولايات المتحدة الأميركية للضغط على السوفييت والانسحاب من الأراضي الإيرانية، لتدخل القوات الإيرانية إلى مهاباد وتسقط حلم أول جمهورية كردية حرة

في السادس عشر من كانون الثاني 1945 كان قاضي محمد على موعد مع الحلم، كان يوماً غير كل الأيام عندما اعتلى منصة ساحة “جوار جرا” رئيسا للجمهورية الوليدة التي خرجت من رحم نضاله ونضال شعبه، ليبدأ حكمه بالقسم الدستوري أمام الآلاف، معلنا القطيعة مع حكومة طهران وإنزال العلم الإيراني عن المؤسسات الحكومية والمدارس، ورفع راية كوردستان المكونة من ثلاثة ألوان هي الأحمر من الأعلى والأبيض في الوسط رسمت عليه نجمة ذهبية، وأسفلها أخضر.

منذ بداية حكمه عمل قاضي محمد على ترسيخ مفهوم الديمقراطية الذي كان غائبا طيلة الحكم الفارسي، ديمقراطية مهدت لبدء مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة عنوانها حق تقرير المصير، فأعلن عن تشكيل أول حكومة وطنية مهابادية برئاسة الحاج بابه شيخ بالتوافق بين مكونات الشعب وبمشاورة أعضاء العصبة الديمقراطية والوطنيين، حكومة ضمت في مكوناتها عدة وزارات سيادية من بينها الدفاع والداخلية والخارجية، كما شرع كأيّ رجل دولة حديثة ببناء علاقات خارجية مع دول الجوار، لا سيما السوفييت الذين واصلوا دعمهم له بالسلاح، إلى جانب تركيزه على بناء اقتصاد قوي، ليعلن رسميا عن إقامة الجمهورية على جزء من كردستان في الثاني من يناير من العام 1946.

أكثر ما ميز قاضي محمد بعيدا عن لحيته ووقار شخصيته عن غيره من رجالات الحركة السياسية هو عدم اقتصار نضاله على الحرية السياسية والعرقية فحسب، وإنما امتداد حلمه إلى الرغبة في بناء مجتمع مثقف بعيد عن العصبية، الأمر الذي انعكس على الجمهورية الوليدة التي شهدت خلال أقل من عام ارتقاء في الآداب واللغة الكردية، تزامن مع صدور صحيفة كوردستان، وترسيخ لقواعد المسرح الكردي، بالتوازي مع بناء القدرات العسكرية للجيش المهابادي الذي شكل في ذلك الوقت من سبعين ضابطا وبضعة آلاف من الجنود.

كان قاضي محمد على موعد مع الحكم بالإعدام في ذات يوم وفاة جمهوريته الحرة التي ناضل لعقود من أجل إقامتها، ما زاد من التصاق اسمه بالنضال التحرري، فعلى الرغم من أنها كانت أولى ثمرات الحراك التحرري في إيران وبداية طريق الحرية لكل أعراق الشعب الإيراني إلا أنها لم تستمر أكثر من 11 شهرا، خاصة وأن الشاه محمد رضا بهلوي استغل علاقته بالولايات المتحدة الأميركية للضغط على السوفييت والانسحاب من الأراضي الإيرانية وهو ما تم بالفعل، لتدخل القوات الإيرانية إلى مهاباد وتسقط حلم أول جمهورية حرة بعد أحد عشر شهرا من ولادته، وتعدم قاضي محمد في ساحة “جوار جرا” ذات الساحة التي أعلن فيها عن إقامة جمهورية مهاباد، وأدى فيها القسم مع وزرائه، ليموت قاضي محمد جسدا ويبقى علما من أعلام الحرية بالنسبة إلى أبناء شعبه الذين ناشدهم، قبل إعدامه بأيام، بمواصلة الطريق حيث كتب في وصيته الأخيرة “تعالوا أناشدكم بالله أن لا يبغي بعضكم على بعض، توحدوا وتعاضدوا، اثبتوا أمام عدوكم، لا تبيعوا أنفسكم لعدوكم بثمن بخس، إنَّ تودّدَ عدوكم لكم محدود، وينتهي حين تتحقق أهدافه، فهو لا يرحمكم أبدا، ومتى وجد الفرصة واستنفدت أغراضه، فإنه ينتقم منكم لا محالة ولا يعفو عنكم ولا يرحم”.

ما يحدث في مهاباد اليوم، يشكل شرارة ربيع إيراني وشيك، يتزامن مع حراكٍ تحرري عربي في الأحواز التي كان لها تاريخ مماثل مع السطوة الإيرانية التي أسرت رئيس الأحواز الشيخ خزعل الكعبي بعد احتلالها في العام 1925

فيرناز الشرارة الجديدة

لم يكن قاضي محمد آخر وجوه الحرية والتحرك الشعبي لمهاباد، كما لم يكن الوحيد، فتميزت تلك المدينة بكثرة الوجوه والشخصيات التي رسّخت الإصرار على رفض الانصهار الثقافي والحضاري الذي تمارسه سلطات إيران الفارسية خاصة مع تحول نظام الحكم من الشاه إلى حكم ولاية الفقيه بوصول الخميني والخامنئي إلى الحكم، واللذين أضافا إلى الاستبداد العرقي استبدادا طائفيا مكنهم من السيطرة على البلاد، بسلطة لم تفلح في وقف الحراك الثوري التحرري ليس في مهاباد فقط وإنما في الكثير من المناطق الإيرانية.

فيرناز خسرواني المهابادية الفتاة العشرينية العاملة في أحد فنادق مدينة مهاباد كانت هي الأخرى وجهاً جديداً من وجوه مهاباد الحرة، فهي لم تكن مجرد اسم في خبر تلفزيوني أو حادثة انتحار عابرة بقدر ما كانت شرارة حرية جديدة، خاصة وأن حادثة انتحارها على خلفية محاولة ضابط سياحة إيراني حاول اغتصابها في الفندق الذي تعمل به فجّر موجة غضب واحتجاج عارمة تعدت حدود مهاباد إلى المناطق الكردية الأخرى، احتجاجات عبّرت عن ميل للحرية أكثر من كونها احتجاجاً على ممارسات عنصرية لم تكن الأولى كما أنها لن تكون الأخيرة، ولا تنفصل عن نضال قاضي محمد، ما أعاد إلى الأذهان حادثة انتحار الشاب التونسي محمد البوعزيزي التي انتهت بثورة أسقطت نظام الرئيس زين العابدين بن علي، والتي تخطت فيما بعد حدود تونس لتسقط بعدها ثلاثة رؤساء عرب، بالإضافة إلى انتفاضة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، ما دفع إلى اعتبار ما يحدث في مهاباد شرارة ربيع إيراني وشيك، يتزامن مع حراكٍ تحرري عربي في الأحواز التي كان لها تاريخ مماثل مع السطوة الإيرانية التي أسرت رئيس الأحواز الشيخ خزعل الكعبي بعد احتلالها عام 1925.

8