قاطرة التعليم العالي تسير بالسرعة القصوى لضمان موقع الخليج في السوق

الثلاثاء 2016/08/16
القفز فوق صفوف العراقيل المتراكمة

دبي – تتجه أغلب دول منطقة الشرق الأوسط، خصوصا دول الخليج، بشكل متسارع إلى دعم سوق التعليم العالي لغالبية السكان، رغم تنوعهم الثقافي من دولة إلى أخرى، وسماتهم الاجتماعية المختلفة.

ويمثل الشرق الأوسط منطقة انتشار جغرافي متنوع يمتد على 18 دولة، لكل منها اقتصادها، وأطرها السياسية، لكن جميعها اختارت التوجه إلى التعليم العالي، بفضل السكان الذين ينحصر أغلبهم في الشباب، بالإضافة إلى ثراء الطبقة الوسطى.

وأنشأ هذا التوجه سوقا محتملة للعديد من المؤسسات التعليمية الدولية التي بدأت تجد في الشرق الأوسط أرضا خصبة لاستثمارات بمليارات الدولارات.

وثقافيا، يحظى التعليم العالي بتقدير كبير في منطقة الشرق الأوسط. واليوم يلعب القطاع التعليمي دورا أكثر أهمية في المجتمع، بالتزامن مع تحول ديموغرافي وتحديات سياسية وتنويع اقتصادي متنامٍ. كما لعب الابتعاد عن أساليب التعلم التربوية التقليدية واعتماد أساليب تدريس أكثر تفاعلية، دورا هاما في وضع التعليم العالي على رأس أولويات الحكومات.

وذكرت دراسة نشرتها مؤخرا شركة “الماسة كابيتال ليمتد” أن الإنفاق الحالي على قطاع التعليم العالي بلغ في المتوسط 3.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – وهو معدل أعلى مما هو موجود في العديد من الدول المتقدمة – ومن المتوقع أن يستمر هذا الرقم في الارتفاع.

كما ان معدلات التسجيل في التعليم العالي متساوية مع الأرقام العالمية. وبلغت هذه المعدلات في الشرق الأوسط 31 في المئة، في حين أن المعدل العالمي استقر في حدود 30 في المئة.

وذكرت مجلة “فوربس ويمين ميدل إيست” مؤخرا أن هناك عددا كبيرا من دول المنطقة -بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة وفلسطين وليبيا وتونس والكويت- تفوقت فيها النساء على الرجال في معدلات الالتحاق بالجامعات.

من تناقضات الصراعات السياسية التي تعصف بالمنطقة أنها تساعد على ارتفاع معدل التحاق الإناث بالتعليم

وأفاد تقرير صادر عن شركة الخدمات المصرفية الاستثمارية “ألبن كابيتول” بأن هذا النمو في قطاع التعليم بشكل عام سيؤدي إلى زيادة عدد المدارس والجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي، والذي من المتوقع أن يرتفع عددها من حوالي 49 ألف مؤسسة في عام 2010 إلى أكثر من 55 ألفا في عام 2020.

والتطورات السياسية الجارية في المنطقة لها تأثير ملموس على قطاع التعليم. ومن تناقضات الصراعات السياسية التي تعصف بالمنطقة أنها باتت من بين الدوافع لارتفاع معدل التحاق الإناث بالتعليم.

وتقود التحولات الاجتماعية والمتطلبات المتغيرة للسوق الاقتصادي إلى زيادة الاهتمام بالتعليم العالي. وأفاد البنك الدولي بأن “مفتاح الازدهار اليوم هو التعليم الجيد، والقوى العاملة المنتجة المحترفة تقنيا وذات القيمة العالية المضافة والسلع والخدمات التي تقوم على كثافة المعارف”.

وتلعب مؤسسات التعليم العالي في المنطقة دورا رئيسيا في قدرة منطقة الشرق الأوسط على الاستجابة لإمكاناتها المستقبلية في السوق العالمية.

وتتمثل ميزة دول الخليج التنافسية في قدرتها على تكييف العروض التعليمية مع الحاجة الاقتصادية المحلية أو الإقليمية. ونظرا للتحولات العالمية من “الغرب إلى الشرق”، فإن ذلك يجعل الجامعات توجه دعوات إلى كل شباب المنطقة، وكذلك إلى المتقدمين من خارجها، من أولئك الذين يتطلعون إلى بناء مسيرة مهنية عالمية.

وعلى سبيل المثال من المتوقع في دولة الإمارات أن يتم توفير أكثر من 300 ألف فرصة عمل إضافية في مختلف القطاعات مثل الضيافة والنقل وتجارة التجزئة والخدمات المصرفية والتمويل والعقارات والبنية التحتية، من خلال استضافة دبي لمعرض أكسبو 2020. وأعلنت عدة جامعات في الإمارات العربية المتحدة تنظيم دورات تدريبية خاصة بها كنتيجة مباشرة، وسوف تزيد جامعات أخرى من عدد المقاعد في الدورات الحالية للاستجابة لهذا الطلب.

وتخريج طلبة ذوي خبرة حقيقية أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى المستثمرين وأرباب العمل. وفي الجامعة الأميركية في الشارقة، هناك سعي دؤوب لتطوير العروض الأكاديمية بما يتماشى مع التوجهات الإقليمية. وإلى جانب رغبة مؤسسات تعليمية في ضمان أن تستقطب جميع الطلاب، هناك خبرة في العمل من خلال فرص التبادل والتدريب، كما أنه يوجد شرط إلزامي بالمشاركة في برامج التدريب قبل التخرج.

الإمارات العربية المتحدة وفلسطين وليبيا وتونس والكويت تفوقت فيها النساء على الرجال في معدلات الالتحاق بالجامعات.

وهذا لا يساعد فقط في تزويد الطلاب بلمحة عن مهنهم المستقبلية التي يختارونها، إنما يخلق أيضا علاقة جيدة بين الجامعة وأرباب العمل، ويسمح بإنشاء خط مباشر للاستجابة للاحتياجات المتغيرة لسوق العمل المحلي.

وبات واضحا أن طلبة الشرق الأوسط يفضلون المؤسسات التي تتبع برامج تعليمية معتمدة دوليا. وكشفت الدراسة التي أجرتها مؤسسة “استراتيجي” (“بوز أند كومباني” سابقا) أن 53 في المئة من أولياء الأمور في دول مجلس التعاون الخليجي، في عام 2011، كانوا يفضلون لأبنائهم مناهج تعليمية على النمط الغربي. ومن حيث أفضلية المقررات الدراسية، لا يزال التفضيل الإقليمي للنموذج الأميركي قويا. وتعتبر كفاءة طلاب المنطقة في اللغة الإنكليزية جيدة، بسبب التعامل مع وسائل الإعلام الرقمية، إلى جانب تحديات التفريق بين اللهجات العربية، ولكن أيضا لارتفاع عدد رعايا الدول العربية الذين تلقوا تعليما في الخارج.

وفي البعض من البلدان، يتم تفضيل المنشآت التعليمية الخاصة على تلك العامة. وأشارت دراسة أجرتها منظمة “انفورما” (تولت تنظيم معرض العين للتوظيف في دولة الإمارات العربية المتحدة) إلى أنه في عام 2012 تم إجراء مسح مواطني في دولة الإمارات لأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، وكشفت النتائج أن 51.5 في المئة من المشاركين يفضلون المؤسسات المعتمدة دوليا على الجامعات المحلية.

وتظهر الأرقام أيضا أن عمليات التسجيل في القطاع الخاص في دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار، شهدت نموا بمعدل 10 في المئة، وفقا لدراسة تخطيط القوى العاملة التي أطلقتها مدينة دبي الأكاديمية العالمية. وفي السعودية، يختار الطلبة كلا النوعين (العام والخاص) من مؤسسات التعليم العالي، وفي الحقيقة تستضيف السعودية حاليا 25 جامعة عامة و27 أخرى خاصة.

ويؤدي المزج بين هذه العوامل إلى وجود اتجاه لتقييم الجامعات ذات الجودة العالية في منطقة الشرق الأوسط لتصبح من الخيارات الأكثر تفضيلا لدى طلاب المنطقة. وهذا صحيح خاصة في منطقة الخليج، وذلك بسبب الاستثمار المستمر في العديد من الجامعات البارزة على الصعيد المحلي، وتدفق المؤسسات التعليمية الدولية.

وتمثل الإمارات اليوم موطنا لـ37 جامعة دولية، في حين أن قطر بها 11 جامعة دولية، والبحرين لديها ثلاث والسعودية تستضيف واحدة.

وأفادت الأمم المتحدة بأن أعمار نصف العدد الإجمالي للسكان في المنطقة تقل عن 25 عاما، وهي إحصائية لم يسبق لها مثيل. واستنادا إلى القدرة المستقبلية اللازمة لاستيعاب الحجم الهائل من الشباب في المنطقة، يمكن أن نعتبر أن المؤسسات الدولية سوف تستمر في مراقبة دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، على اعتبار أنها تشكل أرضا خصبة للتوسع في المستقبل.

17