قاعات الندوات خاوية ومختصون يتهمون السوشيال ميديا

انصراف الجمهور عن الندوات الأدبية، يرجع لعدم وجود المثير والحماسي، ولجفاف الأجواء في مثل هذه الندوات النقاشية.
الجمعة 2019/09/13
ظاهرة انصراف الجمهور القاهري عن حضور الندوات مؤشر خطير على تردي الحالة الثقافية

تعقد هنا وهناك ندوات فكرية وأدبية وثقافية كثيرة، وهي ظاهرة استمرت في التواجد منذ إنشاء الصالونات الأدبية، لكن الصالونات تراجعت واختفى أغلبها، كما أن هذه الندوات تراجعت بدورها وباتت خالية من الجمهور، ما يطرح التساؤل حول أسباب ذلك، فيما أصبع الاتهام موجها إلى السوشيال ميديا. فهل هي السبب حقا؟

في ما مضى كانت الأوساط الثقافية تتألق بالعديد من الصالونات والندوات الأدبية، وكان جمهور القراء يتسارعون إليها للقاء كتابهم المفضلين والاستماع إلى مداخلات النقاد عن الكتب التي تناقشها الندوات فتغص بهم القاعات، لكن اليوم ورغم سهولة الاتصال التي تتيح الإعلان عن الندوات رأينا الجمهور فاقدا لحماس الحضور، فباتت القاعات خاوية، فما الذي حدث؟

الكاتب المصري منير عتيبة، وهو المشرف على مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية يقول “المتابع للندوات الأدبية خلال عقود يلاحظ أولا أن هذه الندوات متنوعة الأغراض. منها ما هو مهتم بالشعر فقط أو بالسرد فقط أو بهما معا. ومتعددة الأشكال أيضا. بعضها يعتمد شكل المنصة والجمهور بدرجات متفاوتة لمدى مشاركة هذا الجمهور“.

ترتيب الأولويات

يرى منير عتيبة أنه على منظمي الندوات الثقافية حسن اختيار الأعمال والكتاب والنقاد المشاركين وعمل ما يستطيعون من دعاية قدر جهدهم. ثم لا يشغلون بالهم بالعدد والجمهور. فهذه ندوات نخبة متخصصة. كانت وستظل كذلك. ومحاولات جذب جمهور بالخروج عن مجال الندوة الأساسي لا يقدم قيمة معرفية حقيقية وإن جعل صور الندوة أكثر ازدحاما. في حين يرى الدكتور ماهر عبدالمحسن أستاذ علم الجمال بجامعة القاهرة أن ظاهرة انصراف الجمهور عن حضور الندوات مؤشر خطر لتردي الحالة الثقافية، خاصة في ظل إقبال نفس الجمهور على فعاليات أخرى مثل مباريات كرة القدم، وأغاني المهرجانات، ويرجع ذلك لأسباب عديدة، نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، تأتي على رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، كمنافس قوي للندوات، وهذه المنافسة غير متكافئة، فهي أكثر سهولة ومباشرة، وأسرع في تلبية احتياجات الجمهور الراغب في التعاطي مع مصادر الفنون والآداب. حيث يمكنك تحقيق نفس الأهداف الثقافية والمعرفية، وأنت جالس في بيتك، من خلال الموبايل، ودون حاجة إلى تخصيص وقت أو بذل جهد أو إنفاق مال من أجل الانتقال إلى مقار الندوات، التي قد تكون في أماكن بعيدة أو في قلب زحام وسط البلد.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القائمين على هذه الندوات، كما يرى عبدالمحسن، هم في الغالب ممن ينتمون عمريا، إلى الأجيال الأقدم، وهو ما ينعكس على اختيار الموضوعات المزمع مناقشتها، وأسماء الضيوف الذين هم، في الغالب، ممن ينتسبون إلى نفس الأجيال القديمة، ولما كان الشباب هم الشريحة الأقدر على الحضور، فقد كانت النتيجة الطبيعية خواء هذه الندوات من الجمهور، عدا المثقفين أنفسهم القائمين على هذه الندوات، تنظيما ومشاركة، مما أدى إلى خلق فجوة بين المثقفين والجمهور.

ويقول الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول “مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الرغم من وجودها بقوة في محيطنا الاجتماعي والثقافي في السنوات الأخيرة، إلا أنها لم تستطع أن تعوض فكرة الصالونات أو الندوات الأدبية والثقافية التي يلتقي فيها الأدباء والمثقفون وجها لوجه. فقد ثبت أنها لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور الإنساني الحميم، على الرغم من أنها تمهد له”.

وقد تنبه بعض القائمين على الندوات الأدبية أو الثقافية مؤخرا إلى أن وجود نوع أدبي واحد قد لا يجذب الجمهور، فبدأوا ينوعون من أنشطة الندوات لتشمل الشعر والقصة القصيرة والموسيقى والغناء والتعليقات النقدية السريعة إلى جانب عرض الأعمال التشكيلية والرقص التعبيري، لتكون الندوة حافلة بكل أنواع الإبداع. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا في الإعلان والترويج والدعوة إلى مثل هذه الندوات والملتقيات. وقد استطاع المشرفون على مثل هذه الندوات الاستفادة من إمكانيات وتقنيات تلك الوسائط فنشروا مقاطع الفيديو التي صورت أثناء عقد الندوة أو الصور الفوتوغرافية ويقومون بإنزالها على صفحاتهم ومواقعهم فيراها من حضر وشارك أو من لم يحضر ولم يشارك. والبعض ينجح في بث اللقاء حيا على موقعه من خلال التصوير المباشر.

أما الشاعر والأكاديمي يسري العزب، فيرجع الظاهرة إلى تغيرات طرأت في العقد الأخير على حياة الناس، مما اضطرهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، وحلت الثقافة في ذيل اهتماماتهم، فنتيجة لانشغالهم بأزماتهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لذلك كان من الطبيعي أن ينشغلوا عن الثقافة وأنشطتها ومنها حضور الندوات، وقد وجد بعض الراغبين مبتغاهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك من فقدوا متعة القراءة الورقية واتجهوا إلى قراءة الكتب الـpdf كنوع من التوفير والتسهيل.

السوشيال ميديا سبب العزلة (لوحة للفنانة هيلدا حياري)
السوشيال ميديا سبب العزلة (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

 ويتهم العزب الفيسبوك بإحداث فجوة بين القراء والمكتبات العامة، أو الندوات العامة، وذكر تجربة الندوة الأسبوعية التي يديرها أسبوعيا بدار الأدباء في وسط القاهرة، فلا يحضرها إلا الأدباء الذين تناقش أعمالهم مصطحبين البعض من أقاربهم وأصدقائهم، أما الجمهور العادي فيفضل المشاركة الافتراضية من خلال تصفح الفيسبوك، الذي يتيح له الكتابة والتعليق على أي شيء دونما رقيب أو مراجع، وهو يطالب المؤسسات الثقافية التي تقيم الندوات بالبحث عن عوامل جذب تشد القراء والمهتمين بالأدب والثقافة فتستعيدهم لتملأ الأماكن الشاغرة في القاعات.

السوشيال ميديا

يرى القاص المصري محسن يونس أن انصراف الجمهور العادي، بل وانصراف الكتاب كذلك عن الندوات أمر طبيعي جدا، فهو بمثابة الرد العملي على التردي العام، والثقافة جزء من هذا العام المتردي، فالجمهور يدرك بحدسه أننا نعيش زمن الزيف، والاهتمام المفرط بالرديء، وإقامة مهرجانات الإشادة الكاذبة، كل ذلك صار سمة غالبة لما يحدث جهارا دونما خجل، لقد صار أمر الكتابة سهلا، فلا مراجعة، ولا تصفية من جانب الجهات المنوط بها النشر مثلا، وعموما هي لا تهتم بما ينبغي أن يتم بعد طباعة الكتاب، كقياس الاتجاه القرائي لدى جمهور القراء، أو الأسباب التي جعلت كتابا ما يوزع جيدا.

ويضيف محسن يونس أن انصراف الجمهور عن الندوات الأدبية، يرجع لعدم وجود المثير والحماسي، ولجفاف الأجواء في مثل هذه الندوات النقاشية، إضافة إلى عدم الحصول على الكتاب محل النقاش لارتفاع سعره أو لضعف الدعاية له، وأضف إلى ذلك زهق الناس ومللهم من طبيعة هذه الندوات وتكرار صيرورتها على مثال واحد لا يتغير، أما عن وسائل التواصل فلا يمكن لها أن تحل المشكلة، لأنها جزء من المشكلة، فقد انصرف الكثيرون إليها وأصبحت هي الباب الذي يفتحونه على العالم. ويرى يونس أن الحل لن يأتي إلا من خلال مؤسسات وأفراد يهتمون بوضع الناس داخل العملية الإبداعية وتلقيها عبر وسيطهم، ووضع الحافز الذي يحقق تجاوبهم، وجمع آرائهم، وإبراز الحيوي والمهم منها.

وأخيرا يقوم القاص المصري حسين عبدالرحيم بتحميل المسؤولية كاملة لوسائل السوشيال ميديا، فقد صارت واجهة أو فاترينة تعرض كل صنوف الثقافة بداية من عنوان الكتاب حتى وصوله إلى الجمهور بمتابعاته وقراءته ونقده، وحتى الاحتفاء بالعنوان وناشره من قبل وبعد، وهذا سلاح ذو حدين كما يقال فهو من جهة يسمح بانتشار الكتاب وكذلك المؤلف لكن بعيدا عن أي تقييم ونقد وفحص حقيقي لكونه يدخل في إطار ماهية هذه الوسائل وطابعها، وأن كمّا كبيرا من روادها يبغي المتابعة السريعة وليس التثقيف ولا الوقوف على متن الإبداع المكتوب.

السبب الثاني، في رأي عبدالرحيم، هو أنه كانت هناك بعد ثورة يناير في مصر آمال كبيرة في توسيع قاعدة التلقي والقراءة والفحص من قبل الجمهور الحقيقي، وكانت هذه الآمال قد ارتبطت بطفرة كبيرة مرئية ومسموعة تمثلت في ظهور دور نشر ومكتبات عديدة، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وتقلصت الحريات بشكل عام ووقع كبح حريات المبدع بشكل خاص، فتقلصت مساحات وكم وكيف المعروض من مؤلفات في دور نشر كثيرة ملأت القاهرة والمحافظات.

14