قاعدة اليمن.. وحش منفلت أحرق "الحديقة الخلفية" للتنظيم

الجمعة 2013/11/15
تجربة أبين القصيرة أسقطت آخر أوهام القاعدة بشأن تأسيس "دولة"

صنعاء- فرع تنظيم القاعدة في اليمن الذي يشكو يتما قياديا تحوّل إلى وحش كاسر منفلت من عقاله وارتد على حاضنته ومصدر إمداده بالمقاتلين الأمر الذي ضاعف عزلته ونفور الناس منه، تحقيقا لـ«نبوءة» سابقة من زعيم التنظيم أسامة بن لادن.

مثّلت اليمن في «أدبيات» الجيل المؤسس من تنظيم القاعدة «أرض المدد» الذي لا ينضب، والحديقة الخلفية التي يجب أن تظل آمنة. وقد حرص مؤسس التنظيم أسامة بن لادن في آخر رسائله إلى فرع القاعدة في اليمن على أن لا يتم المساس بذلك المبدأ الذي ظل ساريا منذ نشأة التنظيم على جبال أفغانستان في سنوات الحرب مع الروس.

رسالة بن لادن الأخيرة التي تسربت إلى وسائل الإعلام بعد مقتله والتي خاطب فيها قائد فرعه في اليمن ناصر الوحيشي، بدت أكثر حزما في ظل إخلال الجيل الجديد من التنظيم الذي ظهر بصورة أكثر انفلاتا ووحشية في التعامل مع مجتمع كان يوفر له الملاذ الآمن ويمده بالمال والرجال في ظل هدنة غير معلنة كانت قائمة بين نظام علي عبدالله صالح وخلايا التنظيم التي لم تكن توجه سلاحها حتى ذلك الحين نحو رجال الجيش اليمني وقادة القبائل الذين يختلفون مع فكر القاعدة.

وقد مثّلت رسالة بن لادن، الذي ينحدر والده من أصول يمنية، جرس الإنذار الأخير لحماية الحديقة الخلفية والملاذ الآمن للتنظيم من انتكاسة لوجستية كبرى مع بروز جيل القاعدة الجديد الذي لم يعد يستطيع استمالة أي جزء من الشارع اليمني.


«الدولة» المسخ في أبين


بينما تتهم بعض القوى السياسية في اليمن القاعدة بأنها مجرّد أداة في يد الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، يعتقد بعض المراقبين أن الرئيس صالح استفاد فقط من اندفاع قادة التنظيم الذين فتح لهم النظام السابق أكثر من طريق نحو انتصارات زائفة ولحظية لم يتردّدوا في سلوكها ليخرجوا في نهاية المطاف بخسائر جسيمة في بنية التنظيم كما حدث في محافظة أبين التي مثّل احتلالها من قبل القاعدة وإعلانها «ولاية إسلامية» طوق نجاة للرئيس صالح أمدّه بالكثير من الوقت والأوراق التي جعلته يترك السلطة محصّنا ضد أي ملاحقة قضائية بل وشريكا في نصف الحكومة اليمنية.

وعلى مدى عام تقريبا حاولت قاعدة اليمن في دولتها المزعومة في محافظة أبين أن تستميل أكبر قدر من الناس من خلال تقديم «تجربتها» في الحكم كمشروع إسلامي سلفي وصفه البعض بأنه لا يعدو كونه توزيعا للغنائم التي تم نهبها على بعض السكان.

كما حاول التنظيم استمالة السكان بإلغاء رسوم الكهرباء والماء وإعفاء الصيادين ومصنع الإسمنت الوحيد في المحافظة من الضرائب باعتبارها «مكوسا»، ولم يكن ذلك أكثر من وصفة لكارثة اقتصادية محققة.

كما سعت القاعدة لـ»استعادة الأمن المفقود» ولكن باتباع طرق قاسية ووحشية وصلت إلى بتر الأيدي وتعليق الرؤوس على أعمدة الإنارة كما منعت في ذات الوقت كل وسائل الترفية باستثناء «السباحة والرماية وركوب الخيل».

وفي تطور لافت للصراع مع الدولة التي تعاني من ضعف الجهاز الأمني وانهيار مؤسساتها الاقتصادية والانشغال بالصراعات السياسية، أخذ التنظيم في اتباع سياسة جديدة تجعله أكثر بعدا وتنافرا مع قيم المجتمع القبلي المحافظ الذي كان لسنوات طويلة الحاضنة لفكر التنظيم على اعتبار أنه في رأي بعض البسطاء «تنظيم مجاهد» يحاول هزيمة وقهر الولايات المتحدة الأميركية ليتكشّف لهم باعتباره مجرّد آلة حادة ومقصلة لا ترحم لقطع رؤوس الجنود الفقراء ورجال القبائل المتهمين بـ«التخابر مع الأمن».


وحش منفلت


في ظل انقطاع الحبل السري بين فرع اليمن وقيادته في جبال أفغانستان نتيجة لتزايد الملاحقة الأميركية للصف الأول في التنظيم الدولي، واصلت قاعدة اليمن انهماكها في الشأن الداخلي وتباهى قادتها و«وسائلها الإعلامية» المبتدئة بتنفيذ عمليات استهداف الجنود الذين لا يتنقلون بسيارات مدرعة كما يفعل كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين.

وبدا التنظيم أقل انضباطا وأكثر قسوة، وتباهى الفرع اليمني بالكشف عن أسراره مرارا وتكرارا من خلال استنساخ التجربة الإعلامية للتنظيم العالمي فنشرت صور وتسجيلات ووصايا منفذي الهجمات الانتحارية بذات الطريقة التي سجل بها منفذو تفجيرات 11 سبتمبر وصاياهم الأخيرة.

وعلى الرغم من الممارسات الوحشية التي حولت القاعدة إلى الطرف الأكثر خشونة في المشهد اليمني، إلا أن التنظيم حاول أحيانا أن يظهر بوجه مغاير يمكن تسويقه والتعامل معه سياسيا بعد أن كان يبدو أصمّ عن كل ما يدور حوله من نقاش. فتم الإعلان عن «أنصار الشريعة « كجناح سياسي يمكن التفاوض معه. و قدم «الوجه الجديد» للقاعدة نفسه كشريك سياسي يتمتع بالمرونة.


إنذار بن لادن الأخير


أثبت تنظيم القاعدة عند قراءة تطوراته بدءا من حرب السوفيت في أفغانستان وحتى معاركه ضد أفراد الأمن والجيش في شوارع صنعاء، أنه يمكن أن تصنع وحشا ولكن لا يمكن أن تسيطر عليه وهو الأمر الذي أدركه متأخرا مؤسس القاعدة وهو يختبئ في بيت متواضع على الحدود الباكستانية مع أفغانستان يشاهد نشرات الأخبار ليكتب لفرعه في اليمن محذرا مما يحدث اليوم.. كان يعلم حينها أن «أرض المدد» يمكن أن تكون «المقبرة» كذلك.

فبعد فترة وجيزة من مقتل ابن لادن أماط الإعلام النقاب عن عدد من آخر مراسلات زعيم تنظيم القاعدة مع أبرز قادة فروع التنظيم في باكستان وأفغانستان واليمن.. تلك الوثائق الهامة التي سرّبتها الإدارة الأميركية تضمنت الهواجس والمخاوف التي كانت تشغل ابن لادن حيال مستقبل التنظيم في ظل حالة الانفلات وفقدان السيطرة على الكثير من عمليات وفروع التنظيم.

3