قاعدة عربية: الدين لله والوطن لرجال الدين

مدنية الدولة تمنع تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية، بل تبقيها صراعا سلميا.
السبت 2019/01/19
الحلال يتغير وفق الفتاوى

حرية الإنسان في اختيار وممارسة معتقداته، لم تعد موضوعا قابلا للنقاش في عالم اليوم، بل هي من المسلمات إلا في الدول العربية فقد اتفق “المواطنون” على تسليم رقابهم لرجال الدين الذين لم يتوانوا ولو للحظة عن إخضاعهم باسم الدين.

تونس - “مليون”.. كان عدد الفتاوى التي أصدرتها دار الإفتاء المصرية ردا على أسئلة المصريين عام 2018، وفق إحصائية جديدة.

وبحسب توضيح إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية، الذي عبر عن سعادته وفخره، فإن الوصول إلى هذا العدد من الفتاوى، يدل على مدى ثقة الناس في دار الإفتاء المصرية كمؤسسة دينية مصرية، كما يدل ذلك على أن الدار استطاعت الوصول إلى عدد كبير من الناس طالبي الفتاوى عبر وسائل عدة، فالدار قامت بتطوير الكثير من الآليات لاستقبال أسئلة طالبي الفتوى، فهناك الفتاوى الشفوية التي يحضر فيها السائل إلى مقر الدار، أو الهاتفية عن طريق الخط الساخن للدار، أو الإلكترونية عبر الموقع الرسمي للدار وبرنامج دار الإفتاء على الهواتف الذكية وأيضا عبر البث المباشر الذي تقوم به الدار على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الطرق.

من جانبه قال الكاتب المصري خالد منتصر إن الرقم “دليل شلل عقلي وكساح فكري وفقدان ثقة في النفس، فأنْ تطلب فتوى في كل تفاصيل حياتك، فهذا يدل على أنك قد قررت تجميد عقلك في الفريزر (الثلاجة)، وأن تدق باب رجل الدين في كل حركة وتصرف وسلوك، فهذا معناه أنك معوق ومقيد ومهزوز، تحس بالضياع وكأنك طفل تائه في المولد يحتاج إلى الإمساك بذيل جلباب أمه طوال اليوم”.

ولا تعتبر الحالة المصرية وحيدة، فهي انعكاس لثقافة كاملة في المجتمعات العربية التي تحتكم إلى الفتوى في كل أمورها.

فقد حوصر المجتمع السعودي، وغيره من المجتمعات العربية، بالمحرمات في منتصف القرن الماضي. وطوال أربعين عاما، أو يزيد سيطر الدعاة على الساحة، فلا شيء يعلو فوق أشرطة محاضراتهم الدينية التي كانت تباع بالملايين، والتي يصرخون فيها بالتحذير والوعيد؛ لقد حرّموا كل شيء تقريبا.

رجال الدين سياسيون بامتياز

مدنية الدولة تصنع مجتمعا يتسع للجميع
مدنية الدولة تصنع مجتمعا يتسع للجميع

“الدين لله والوطن للجميع” بغض النظر عن منشأ هذه العبارة ومن استخدمها أولا عربيا، فعلى ما يبدو كان هناك إجماع عليها في المنطقة العربية خلال القرن التاسع عشر خصوصا عند الوطنيين الرافضين للحكم العثماني حتى النصف الأول من القرن العشرين، في أجواء النضال ضد الاستعمار الأوروبي وصولا إلى فترة حكومات ما بعد الاستقلال التي وضعت أسس الدولة الوطنية.

واستمر الوضع كذلك حتى نهاية سبعينات القرن الماضي عندما بدأت المرحلة التي يسميها الإسلاميون “الصحوة الإسلامية”، بينما يطلق عليها خصومهم مرحلة “الردة الحضارية”، عندما برز جيل جديد من الإسلاميين يرفض عبارة “الدين لله والوطن للجميع”ويعتبرها دعوة إلى حبس الإسلام في المساجد.

إذ لم يبتلع الإسلاميون فكرة أن مسلمين يعيشون في دولة تتسع للجميع.

وفي موقع دار الإفتاء المصرية يقرأ “إن أراد قائل هذه العبارة “الدين لله والوطن للجميع” فصل الدين عن النظام السلوكي والاجتماعي والتشريعي للدولة وحصره في علاقة الفرد بربه فهذا معنى مذموم يرفضه الشرع، والمذهب الذي يدعو إلى ذلك باطل، لأنه ينادي بالبعد عن فعل المأمورات وعن ترك المنهيات وهذا من أكبر الكبائر، لأن فيه تفلتا من ضوابط الإسلام وقواعده (…)”.

وكمثال على ذلك، فحسين (27 عاما)، هو شاب شيعي يدرس العلوم الدينية في حوزة دينية في كربلاء، ما أغراه بأن ينظر إلى نفسه كرجل دين آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر.

وبين الواقع والخيال، يتوق المعمم الصغير إلى مجتمع لا اختلاف فيه؛ كل أفراده مؤمنون مثاليون ومتشابهون يحكمه زعيمه الديني والروحي.

الباحث المصري أحمد بان:  تيارات الإسلام السياسي تتحدث دائما عن مقاومة الاستبداد بالرغم من أنها تبشر بلون آخر من ألوان الاستبداد
الباحث المصري أحمد بان: تيارات الإسلام السياسي تتحدث دائما عن مقاومة الاستبداد بالرغم من أنها تبشر بلون آخر من ألوان الاستبداد

وكثيرون هم رجال دين، على شاكلة حسين، الذين يؤيدون علنا تعاطي السياسة في بلدانهم.‏ وكثيرون هم القادة الدينيون الذين يشغلون مناصب سياسية.‏

ولم يبق تقريبا على خارطة العالم الحالية من الدول التي تذكر في دستورها دينا للدولة سوى الدول العربية بالإضافة إلى إيران وباكستان وبنغلادش، أما بقية دول العالم فلا يوجد دين رسمي للدولة.

في هذا الشأن يرى الباحث المصري أحمد بان، أن ذلك ما هو إلا توظيف للدين من قبل الأنظمة التي هي في أغلبها أنظمة مستبدة. لكنه يرى أن هذا الاستغلال لم يكن حكرا على الأنظمة الحاكمة في العالم العربي وحده وإنما امتد إلى تيارات الإسلام السياسي التي تتحدث دائما عن مقاومة الاستبداد “بالرغم من أنها تبشر بلون آخر من ألوان الاستبداد”.

وبالنسبة إلى أحمد عصيد الكاتب والباحث المغربي، فإنه يرى أن عبارة مثل الإسلام مصدر التشريع هي عبارة وضعتها الأنظمة المستبدة للتوازنات السياسية ولاسترضاء الشعوب وللحفاظ على استقرارها.

إن الصراع على السلطة السياسية والاقتصادية من أجل السيطرة جعل كل طائفة دينية تفسر النص الديني بشكل يخدم استراتيجيتها السياسية، وتستحضر الله كطرف في الصراع، مما حوّل الاختلافات والتمايزات بين المذاهب إلى صراعات دموية ترفع شعار خدمة الله.

وقد أدى تسييس الدين وتغييبه عن الواقع ليلائم الأهواء الشخصية، من طمع في السلطة، ورضا الحاكم، وإلغاء عقول “القطيع” كي يبقى منضبطا، إلى النفور من الدين، فبدلا من أن يكون رجال الدين دعاة إلى الله، أصبحوا دعاة إلى الإلحاد مثلما أثبتت دراسة علمية تبحث في الديانات الأكثر انتشارا حول العالم.

ويرى عصيد، أن فكرة الدولة الدينية أو التي تستمد تشريعاتها من الإسلام هي فكرة فاشلة لم ولن تنجح.

وأشار إلى ذلك في تصريحات سابقة بما حدث في مصر، والذي يراه أكبر دليل على فشل الفكرة والتطبيق لها، حيث يعتقد أن الإخوان المسلمين في مصر لم يتقبلوا فكرة التعاون مع الآخر، “فبعد فوزهم في الانتخابات أقصوا كافة التيارات الفكرية والدينية الأخرى، ما أدى إلى خروج الناس عليهم في النهاية”.

ويقول بان، من جانبه، إن فشل تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي أمر واقع ربما أفلت منه تيار الإسلام السياسي في تونس إلى حدّ ما، بسبب محاولته التكيف مع واقع الدولة المدنية ومع إيقاع التحولات فيها “لكن لا يمكن رغم ذلك التحدث عن انتهاء كامل لهذا الفكر، أو التصور بالنظر إلى أنه لا يزال يتغذى على المظلومية في بقاع أخرى من العالم العربي والإسلامي”.

وفي تونس أبقى نواب مجلس الشعب على صيغة “الإسلام دين الدولة” في دستور 2014. وكانت تلك الصيغة التوافقية الوحيدة التي أرضت الإسلاميين بعد أن فشلوا في فرض الشريعة الإسلامية كمصدر أول للتشريع.

وحاول الإسلاميون في تونس ممثلين في حزب حركة النهضة خاصة تمرير الشريعة كمصدر أساسي للتشريع لكنهم فشلوا بسبب معارضة شديدة من الأحزاب والمجتمع المدني، فتراجعوا واكتفوا بصيغة الإسلام دين الدولة وليس دين الشعب.

واليوم يدور النقاش حول فكرة الدولة المدنية بسبب المأزق التاريخي الذي وصلت إليه الدولة العربية التي تحتاج إلى إعادة قيام الدولة خارج نطاق الأيديولوجيا.

الدولة المدنية.. حل

سامي براهم: الدولة المدنية مفهوم متطور
سامي براهم: الدولة المدنية مفهوم متطور

يقول علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي الراحل، “لو خيّر العرب بين دولتين علمانية ودينية… لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية..!”.

ويذهب مراقبون إلى أن الأنسب هو استعمال عبارة دولة مدنية وليس دولة علمانية، لأن التعبير الثاني “سيء السمعة”، وقد غالى رجال الدين في تعريف العلمانية على أنها النموذج المضاد للدين والتدين لينفروا الناس منها، لغاية في أنفسهم التي تطمح للسلطة والسيطرة.

وقد بدأ مصطلح الدولة المدنية يتردد مؤخرا في كل مناسبة سياسية أو دينية، أو في مظاهرة، أو في تحرك مطلبي، على ألسنة السياسيين، وعلى ألسنة المواطنين على حد السواء.

وتمنع مدنية الدولة تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية، بل تبقيها صراعا سلميا بين رؤى وأفكار وبرامج وقوى ومؤسسات وأشخاص بهدف اختيار الأفضل للدولة والمجتمع.

ويقول الباحث التونسي محمد الشتيوي في ندوة بعنوان “مفهوم الدولة المدنية” والتي تمحورت حول العلاقة القائمة بين الإسلام والدولة المدنية إن “الدولة المدنية تمثل إرادة الشعب وتلتزم بالنظام الديمقراطي والتداول السلمي عن السلطة مؤكدا أنها دولة محايدة وليست نقيضا للإسلام والدين والمواقف الايديولوجية وذلك لأن نظامها يضمن التعددية والحريات والمساواة”.

ويعتبر مفهوم “الدولة المدنية” أكثر حداثة في علم السياسة، ولاسيّما في المجتمعات العربية، حيث كثر استخدامه في العقود الثلاثة الماضية، وإن ازداد النقاش حوله خلال موجة ما سمّي بـ“الربيع العربي”، التي بدأت من تونس عام 2011 وأريد به توسيع دائرة الحرّيات وإعلاء شأن المواطنة والمساواة والمشاركة والعدالة، حيث تمثل الدولة المدنية إرادة الشعب، وعلوية القانون الذي يستمد قوته من علوية الدستور بما أنه أعلى سلطة في الدولة.

وأكد معتز القرقوري، أستاذ محاضر بكلية الحقوق بصفاقس (جنوب تونس) أن “الدولة يجب أن تكون مدنية أو لا تكون وهي تنظم الشأن الديني حتى لا يكون خاضعا لمجموعة معينة”، وفق تقديره.

وأضاف أن الدولة المدنية هي دولة المواطنة وعلوية الدستور والتعبير عن إرادة الشعب ويجب عليها ضمان الحقوق والحريات للمواطنين.

واعتبر سامي براهم، صاحب كتاب “الدين والسياسة بين تهافت العلمانيين وقصور الإسلاميين” أن الدولة المدنية مفهوم متطور، مؤكدا أنه في قوانين الدّول المدنية ومنظوماتها ما يردع ويمنع ويقي المجتمعات من مخاطر الإرهاب والجريمة.

ويرى عصيد، من جانبه، أن بناء الدولة المدنية يتوقف على وجود رغبة سياسية ووجود تربية وتأهيل للمجتمع “فما يجنيه التونسيون اليوم هو نتيجة تربية وبناء تمّ منذ المرحلة البورقيبية لسنوات طويلة بعد الاستقلال، حيث كانت هناك إرادة لدى النخبة والطبقة الحاكمة في تونس لتأهيل المجتمع وإخراجه من ظلمات الجهل إلى المدنية”.

الدولة المدنية تمثل إرادة الشعب
الدولة المدنية تمثل إرادة الشعب

 

20