قاع الحقيقة

ما يزال سجلّ الضحايا لدى مؤسسة الخدمة الصحية الوطنية يفتقر لأطباء أو أخصائيين من ذوي العيون الزرق والشعر الأشقر، بينما الغالبية العظمى ممن سقطوا وهم في الخطوط الأولى للمعركة من الملونين والأقليات والأجانب.
الثلاثاء 2020/05/12
في أوروبا أعلى معدلات الوفيات تقع بين أبناء الأقليات من الملونين والمسلمين وغيرهم

القول إن المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا، والأكثر ثراء من الناحية الاقتصادية، والتي تمارس ديمقراطية يتحكم بها الأغنياء، هي “مجتمعات متحضرة” وأنها ابتعدت عن ماضيها الهمجي، ما يزال يتطلب المزيد من التيقن.

كنت أعيش في شقة تطل على دار لرعاية المسنين في مدينة على الساحل الجنوبي لبريطانيا. وكنت أستطيع أن أرى من شباك المطبخ، أجزاء مهمة من جانبي الدار، المطل على الشارع، والباحة الخلفية، وجزءا مظللا من البهو. والعجائز كانوا يمضون أغلب أوقاتهم في غرفهم، ونادرا ما كانوا يتشاركون في جلسات ثنائية أو عامة. وفي ذلك إشارة إلى أن الاكتئاب كان هو العامل المشترك بين الجميع، سوى أن موظفات الرعاية كن، برغم ذلك، يحاولن تنظيم جلسات جماعية عندما تشرق الشمس، ربما بأي ذريعة ممكنة، من قبيل عيد ميلاد أحدهم، أحسب أنه كان يود أن ينساه.

ذات يوم وصل إلى الدار رجل أقل من أن يكون مسنا، وكان يبدو عليه مقدار من الثراء برفقة ابن أنيق أقرب ما يكون إلى موظف صندوق تحوط في بنك، أو مدير مبيعات في شركة كبرى. وأودع الابن أباه هناك. ولم تمض نصف ساعة حتى غادر الابن بسيارته الفخمة، وجلس الأب في البهو وحيدا ليجهش ببكاء عنيف، اهتز له جسمه النحيل. وكم كنت أرغب في أن أذهب لكي أتحدث إليه، أو أن أجد سبيلا لمواساته أو كسر عزلته. كنت سأبدو متطفلا. ولم تسعفني الحيلة أو المبرر. فامتنعت.

قاع الحقيقة، أبعد من أن يمكن الوصول إليه، لأن جذوره تمتد بعيدا في الثقافة العامة، وفي التاريخ نفسه، إلى درجة أن محاكمة الواقع، قد تعني محاكمة المجتمع نفسه وطبقته الزجاجية التي تتحكم بالصورة العامة

لم أتذكر هذه الدار إلا بعد جائحة كورونا. عندما أصبحت دور رعاية المسنين في أوروبا كلها هدفا ملفتا للوباء. عشرات الآلاف في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا تُركوا ليواجهوا الموت. وبعض تلك الدور أهملت حتى توفي كل من فيها من دون أن يتم إبلاغ السلطات بأن ذلك الحشد من المسنين لم يعد لديهم من يوفر لهم الرعاية، ربما ولا حتى الطعام.

ولقد كان من المدهش، في بريطانيا، أن يكون ستة من بين أوائل ضحايا الوباء هم أطباء مسلمون. وما يزال سجلّ الضحايا لدى مؤسسة الخدمة الصحية الوطنية يفتقر لأطباء أو أخصائيين من ذوي العيون الزرق والشعر الأشقر، بينما الغالبية العظمى ممن سقطوا وهم في الخطوط الأولى للمعركة من الملونين والأقليات والأجانب. هؤلاء هم مقدمة الجيش. وهم أول الذين يتلقون القصف المدفعي للوباء، حتى من قبل أن تتوفر معدات الحماية الشخصية لكل واحد منهم. وبعضهم كان يرتدي أكياس نايلون مخصصة لجمع القمامة لكي يغطي بها رأسه أو يحجب باقي جسده.

الجيش البريطاني، كان يقاتل بكتائب الأجانب دائما في غزواته. وكانت الفرقة الهندية، على سبيل المثال، هي التي تقدمت الصفوف لغزو العراق أثناء الحرب العالمية الأولى. واستوطن الكثير منهم فيه ولم يعودوا إلى الهند، ربما لأن الجيش الذي لم يعد بوسعه إعادتهم إلى الهند بعد استقلالها، لم يرغب أيضا بأن يأتي بهم إلى بريطانيا التي بنت عظمتها على أكتافهم. وهناك في الواقع الكثير من أنماط هذا الجيش من المرتزقة أو أشباه المرتزقة الذين يحملون جوازات سفر بريطانية، ولكن من النوع الذي لا يسمح لهم بالإقامة في البلد الذي خدموه.

لذلك، لا شيء يبرر الاستغراب أن يكون الأجانب هم الطليعة في مؤسسة الخدمة الصحية البريطانية. سوى أن الأمر لم يتوقف على جنود وضباط الصفوف الأولى في المعركة. الظاهرة الأبرز الآن هي أن معظم الضحايا الآخرين هم أيضا من الملونين والأقليات. إلى درجة باتت تثير الشك في أن تكون الرعاية التي تقدم لهم أقل كفاءة من الرعاية التي يحصل عليها آخرون.

أكثر من 70 شخصية عامة دعت إلى أجراء تحقيق مستقل وكامل في السبب الذي يجعل أعلى معدلات الوفيات تقع بين أبناء الأقليات من الملونين والمسلمين وغيرهم. ووقّعوا نداء يطالب رئيس الوزراء البريطاني بالمزيد من الشفافية.

نائب رئيس الأطباء في إنجلترا، البروفيسور جوناثان فان تام، وعد على أي حال، بأن يتم التعامل مع الأمر بجدية وقال “نحن عازمون على الوصول إلى قاع الحقيقة بطريقة علمية مناسبة”.

وقاع الحقيقة، أبعد من أن يمكن الوصول إليه، لأن جذوره تمتد بعيدا في الثقافة العامة، وفي التاريخ نفسه، إلى درجة أن محاكمة الواقع، قد تعني محاكمة المجتمع نفسه وطبقته الزجاجية التي تتحكم بالصورة العامة، والتي تقرر ما يجب أن يظهر أو أن يظل مخفيا منها.

مؤرخ الاقتصاد روبرت فوجل الحائز على جائزة نوبل، يقول في كتابه “الفقر وقتل الساحرات” الذي صدر في العام 2005، “إن إنتاج الغذاء لم يكن يوفر من السعرات الحرارية ما يكفي لإعاشة جمیع السكان العاملین في أوروبا خلال عصري النهضة والعصور الوسطى. وهو ما قد يفسر السبب وراء الأعداد الكبیرة من المتسوّلین الذين كانوا لا يقدرون على القیام بأي أعمال. ويبدو أنه وتحت وطأة الحاجة للغذاء من أجل البقاء على قید الحیاة، فقد لجأ بعض الناس لأعمال شديدة التطرف؛ إذ ظلت عادة قتل العجائز في أوروبا خلال العصر الجلیدي الأصغر (منذ منتصف القرن السادس عشر وحتى العام 1800) عادة شائعة، وذلك عندما تتعرض المحاصیل للهلاك ويصبح السمك أقل وفرة”.

ويستنتج أبهيجيت بانرجي وإستر دوفلو، مؤلفا كتاب “اقتصاد الفقراء”، أنه “عندما تصبح الموارد محدودة، فإن من المنطقي من الناحیة الاقتصادية أن تتم التضحية ببعض الأشخاص بما يتیح للباقین أن يحصلوا على كفايتهم من الغذاء”.

ويستطيع المرء أن ينظر إلى المشكلة من زاوية الأعباء التي تتحملها صناديق التقاعد في أوروبا الآن. فهي في ألمانيا وحدها تستهلك 4 في المئة من إجمالي الناتج القومي.

عندما أصبحت دور رعاية المسنين في أوروبا كلها هدفا ملفتا للوباء. عشرات الآلاف في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا تُركوا ليواجهوا الموت. وبعض تلك الدور أهملت حتى توفي كل من فيها

أوروبا الغنية، ظاهريا على الأقل، ما تزال تمارس عادة “قتل الساحرات”. فالمسنون والمصابون بأمراض مسبقة باتوا أول من يتعين التخلص منهم. ويحتاج هذا المنحى التاريخي إلى ثقافة معينة لكي تضيف إليهم الأقليات.

فريق من الأطباء والأكاديميين الغربيين نشر في مارس الماضي، مجموعة من المبادئ التوجيهية في دورية “نيو إنجلاند” الطبية، بشأن كيفية ترشيد الموارد أثناء تفاقم وباء كورونا.

وحذرت “المبادئ” من تطبيق مبدأ الأسبقية في العلاج لمن يأتي أولا. وشددت على أهمية “إعطاء الأولوية للحالات الحرجة بين المرضى الأصغر سنا والذين يعانون من أمراض مزمنة أقل”. المبادئ التوجيهية حرصت أيضا على “إعطاء الأولوية في الحصول على المعدات الطبية والعلاج للأشخاص الذين يؤدون أدوارا محورية في مكافحة الوباء، مثل من يعمل بالخطوط الأمامية، وغيرهم من الموظفين في المهن الضرورية لتسيير الدولة، باعتبار أن وظائفهم تتطلب تدريبا شاقا ومن الصعب العثور على من يقوم مقامهم”.

هذه المبادئ التوجيهية لم تستثن أبناء الأقليات من العلاج صراحة. الواقع هو الذي تكفل بذلك. أما الملاحظة الخاصة بـ”الموظفين في المهن الضرورية لتسيير الدولة”، فقد أضيفت بعد أن دخل بوريس جونسون إلى المستشفى لكي يتلقى العلاج، بكل الاستثناءات التي تستحقها وظيفة “تتطلب تدريبا شاقا” لكي يكون المرء قرقوزا فاشلا.

عدت إلى دار رعاية المسنين في تلك المدينة الساحلية. كل الذين كانوا “يعيشون” اكتئابهم فيه، ماتوا. وحدها القناعة المخادعة بأن المجتمعات الأوروبية أصبحت متحضرة وقطعت مع تاريخها الهمجي، هي التي بقيت حية.

8