قاع المجتمع المصري يتجسد في "يوم وليلة"

فيلم "يوم وليلة" يقدم سينما إنسانية تغوص في تفاصيل الشخصيات وتكشف ظلم المجتمع.
الجمعة 2020/05/01
شخصية مظلومة تتحول إلى ظالمة

تحاول الفنانة المصرية حنان مطاوع أن تضع قدما في خانة الممثلين أصحاب القدرات الخاصة في تجسيد الشخصيات المعقدة، تلك الشخصيات الدرامية التي تستقر في وجدان الجماهير، ولا تغيب عن أذهانهم لاحتوائها أبعادا اجتماعية ونفسية مركبة.

القاهرة – انتقلت الفنانة المصرية حنان مطاوع بسلاسة بين جوانب الخير والشر في شخصية “عايدة” بمسلسل “لمس أكتاف”، ولحقته بدور “إيريني” في فيلم “يوم وليلة”، الذي عُرض مؤخرا بدور العرض السينمائي قبل اجتياح فايروس كورونا المُستجد الأرجاء، وتتحوّل فيه من شخصية مظلومة إلى أخرى ظالمة.

وقالت مطاوع في حوار مع “العرب”، إنها تلقت عروضا للمشاركة في أعمال درامية وسينمائية تتّسم شخصياتها بقدر من التعقيد، غير أن خيوطها لم تكن متماسكة مثلما هو الحال لشخصية إيريني التي تعاني العديد من الأزمات الناتجة عن بعض التجارب الفاشلة ما يؤثر على اضطراب شخصيتها لتُصاب بعقد نفسية خلقت منها شخصية جديدة غير التي كانت عليها.

تحت خط الفقر

تدور أحداث فيلم “يوم وليلة” حول أحد أمناء الشرطة، من المنخرطين في البحث عن بعض القضايا الاجتماعية، وخاصة القضايا التي تتعلّق بأزمات الفقراء في منطقة “السيدة زينب” الشعبية. ويغوص الفيلم في طبيعة الشخصيات بتلك المنطقة والتغيّرات التي طرأت عليها، وهو من نوعية الأفلام التي تجري أحداثه في يوم واحد وسط الاحتفاء بالمولد الذي يستمد اسمه من المنطقة المكانية ذاتها.

الفيلم بطولة خالد النبوي، وحنان مطاوع، وأحمد الفيشاوي، ودرة، وخالد سرحان، ومحمد عادل، وحمزة العيلي، ومحمد جمعة وشادي أسعد، ومن تأليف يحيى فكري وإخراج أيمن مكرم.

وأوضحت حنان مطاوع أن الفيلم إنساني بالأساس، لكنه يطرح مشكلات مجتمعية تأثر بها المواطنون الذين يعانون العديد من الصعوبات في حياتهم اليومية، ويُقدّم نماذج لمصريين يعيشون أسفل السلم الاجتماعي ويُمكن تصنيفهم على أنهم تحت خط الفقر، ويحتوي العديد من المغامرات الشيّقة وعددا من القصص التي ينجذب المُتفرّج إليها.

فيلم "يوم وليلة" يسلط الضوء على بعض القوانين في الكنيسة التي تمنع المرأة من الطلاق من رجل لا تريد العيش معه

وأشارت إلى أن شخصية إيريني، تأتي ضمن الأمثلة المُضطربة التي يُقدّمها الفيلم، وهي فتاة تعرّضت لظروف قاسية بالعمل وداخل حياتها الأسرية أيضا، تُؤثّر في شخصيتها للدرجة التي تجعلها ترتكب نفس الأفعال التي تعرّضت لها، وتتحوّل من شخصية مظلومة إلى أخرى ظالمة.

وأضافت لـ”العرب” أن جوهر الشخصية المُركّبة يكمن في ارتكاب الشخص الطيب أو السويّ أخطاء ومُمارسات غير مقبولة نتيجة تعرّضه إلى ضغوط تدفعه للانتقام من دون أن يدري. ويبدو أنه مضطر لفعل هذا الخطأ، وبالتالي فإنه يتعرّض إلى تقييم ظاهري من المجتمع ليظهر في صورة الشخص الشرير.

وتابعت “الفيلم يريد التأكيد على أنه لا يُمكن الحكم على هؤلاء ظاهريا، ولا بدّ أن ننظر إلى الشخصيات التي مثل إيريني نظرة إنسانية، وهذا ما يتناوله العمل عبر تسليط الضوء على الشخصيات التي تنتقم من الآخرين تعويضا عمّا تعرّضوا له من ظلم مسبق”.

تسببت المعاناة التي تواجه إيريني، خلال أحداث الفيلم، في تغير تدريجي بشخصيتها، فمع الوقت نكتشف أن هذه الموظفة التي تعمل بأحد الأماكن الحكومية تقبل الرشوة وتوصي الساعي أو عامل المكتب إبلاغ المواطنين بدفع مبلغ مالي نظير إنهاء مصالحهم وإلاّ توقّفت هذه المصالح لأسباب مُختلفة. غير أن هذا الساعي الذي يجسّد شخصيته الفنان محمد عادل، رفض الانصياع لهذه المطالب فكانت النتيجة سجنه بتهمة الاعتداء على موظف أثناء تأدية عمله.

وتُبيّن أحداث الفيلم أن هذا التصرّف ناتج عن قلة حيلتها أمام والدتها المريضة والتي تُعاني الإهمال بأحد المستشفيات الحكومية، قبل أن تُقرّر إيريني نقلها إلى مستشفى استثماري لسوء حالها. لكنها تتوقّف أمام المبلغ الكبير الذي لم تنجح في تكوينه حتى من خلال “الرشوة”، ما يدفعها للجوء إلى شقيقها المدرس ميشيل، والذي فاته قطار الزواج، ويتّسم بالبخل الشديد. ولكن مع إلحاح شقيقته يضطر لدفع المبلغ المطلوب.

شخصية بوجهين

حنان مطاوع تمكنت عبر دورها في الفيلم من إبراز العقد النفسية التي تأصلت بداخلها لتجعل من إيريني شخصية مُنفّرة
حنان مطاوع تمكنت عبر دورها في الفيلم من إبراز العقد النفسية التي تأصلت بداخلها لتجعل من إيريني شخصية مُنفّرة

أكدت حنان مطاوع لـ”العرب” أن الشخصية التي جسّدتها في الفيلم لها وجهان بين العمل والمنزل، فهي لديها مسؤولية كبيرة في تحمّل ظروف أسرتها. لكنها أيضا تُعتبر شخصية مُهتزّة، ومقهورة، ومُرتبكة، وبداخلها الكثير من المشاعر المُتناقضة، ولذلك لمست من خلالها العديد من معاني القهر في واقعنا.

وتمكّنت مطاوع من خلال الدور من إبراز العقد النفسية التي تأصلت بداخلها لتجعل من إيريني شخصية مُنفّرة، وذلك في المشهد الذي تُفصح فيه عن ضيقها بسبب محاولاتها منذ ما يقرب من خمس سنوات الانفصال عن زوجها رغم حصولها على وعد من القسيس بإتمام الانفصال دون جدوى.

لنصبح أمام مشكلة حياتية أخرى تعانيها بعد أن أضحت غير قادرة على الارتباط بزميلها في العمل والذي أبدى إعجابه بها ورغبته في الارتباط بها، ما جعل القسوة في تصرفاتها تبدو أمرا طبيعيا، وانعكس ذلك على عدم اهتمامها بالمشكلات التي يُعانيها أشقاؤها، وبدا أن المشكلات الاجتماعية التي تعرّضت لها أثّرت على شخصيتها بعد أن أضحت في حالة لا مبالاة بما يحدث حولها.

أشارت حنان مطاوع إلى أن إيريني لا تُعاني من مشكلات الحياة فقط، ولكن من بعض القوانين في الكنيسة التي تمنعها من الطلاق من رجل لا تريد العيش معه، ممّا يجعلها تظل على ذمته رغم احتياجها للحب والزواج مرة أخرى من زميلها. والعمل لا يُسلّط الضوء على هذا الخط فقط. ولكن هناك خط آخر بين شقيقها وصديقته المسلمة والمشكلات التي تحدث جراء هذه العلاقة.

وقالت في حوارها، إنها واجهت العديد من الصعوبات أثناء تأدية الشخصية، لأنها اضطرت إلى تصوير جميع مشاهدها أثناء فترة

الحمل، وأنها ارتدت فستانا طويلا ظهرت به طوال أحداث الفيلم، وأن الرغبة في إنهاء التصوير استعدادا لطرحه في قاعات السينما تسبّبت في تكثيف تصوير مشاهدها من دون راحة.

ولا يُعدّ الفيلم من نوعية الأفلام التجارية، فقد يحظى بمشاركة واسعة بالمهرجانات بعد عرضه بمهرجاني مالمو والدار البيضاء، والأخير حازت خلاله حنان مطاوع على تكريم خاص لدورها في الفيلم.

لكن الفنانة المصرية رفضت فكرة تصنيفات الأعمال الفنية، واعتبرت أن الفن لا بد أن يصل إلى الجمهور على اختلاف ألوانه النخبوية أو الشعبية، وأن تركيز فيلم “يوم وليلة” على المشكلات الحياتية للمواطنين والتي يغلب عليها الطابع الشعبي يجعله قابلا لأن يمسّ المجتمع، وبالتالي لا يمكن تصنيفه باعتباره نخبويا.

وبالتوازي مع حضورها السينمائي الأخير قدّمت حنان مطاوع تجربة درامية عُرضت بعدد من الفضائيات عبر مسلسل “بنت القبائل”، والذي تجسد فيه دور الفتاة رحيل وهي زعيمة قبلية، تتّسم أيضا بقدر من التعقيد في شخصيتها التي تنتقل فيها بين الضعف والثأر، والرومانسية والقسوة.

16