قافلة التغيير في الإعلام المصري تفك الحظر عن وجوه بارزة

عودة الكثير من الأسماء المصرية التي اختفت عن المشهد تعتبر مطلوبة في ظل المعاناة التي تعيشها منظومة الإعلام وعلى رأسها غياب الجماهيرية.
الخميس 2020/07/09
عودة مطلوبة في ظل معاناة منظومة الإعلام

يترقب الجمهور المصري عودة وجوه إعلامية بارزة تم تغييبها سابقا، وتترافق عودتها مع تغييرات عديدة في تركيبة الهيئات المنوط بها إدارة المشهد، وإعادة توزيع الأدوار بين الإعلام الحكومي والخاص.

القاهرة- أعادت قنوات فضائية مصرية النظر في سياسة تغييب الوجوه الإعلامية البارزة التي غردت خارج السرب، وقررت الاستعانة بها مجددا، بالتوازي مع تغييرات في المحتوى والانفتاح على الملفات السياسية في هذه المرحلة الحرجة من التطورات الإقليمية.

وترافق رحيل العديد من هذه الشخصيات مع تقلص الحريات الإعلامية، وانخفاض نسب المشاهدة لمستويات قياسية، حيث كان الوضع السياسي في حينه مرتبكا ويحتاج الخطاب الإعلامي إلى الضبط بسبب طبيعة المرحلة وتحدياتها.

ويترقب الجمهور المصري عودة: مجدي الجلاد وخيري رمضان وإبراهيم عيسى وكريمة عوض وسالي عبدالسلام ومروان يونس، لتقديم برنامج حواري يحمل اسم “حديث القاهرة”، على فضائية “القاهرة والناس” وينضم إليهم في بعض الحلقات، السيناريست مدحت العدل والناقد الرياضي خالد بيومي، بحيث يكون البرنامج شاملا، بالتركيز على القضايا الاجتماعية والسياسية والرياضية والنسائية.

ومن المقرر أن يتوقف برنامج “المصري أفندي”، الذي يقدمه الإعلامي محمد علي خير لينضم إلى “حديث القاهرة”، وهو من القلائل الذين اعتادوا توجيه النقد إلى الحكومة، في قراراتها وسياساتها، ويحظى بجماهيرية واسعة، ما يعني أن هناك نية لأن يكون ضمن خطط البرنامج الجديد السير على نفس نهج “محمد خير”، والتحدث بلسان قريب إلى طموحات الشارع.

ويعود كل من الإعلامي أسامة كمال ومحمد الباز ومحمود سعد إلى الظهور بشكل دائم مرة أخرى، بعد تغييبهم لشهور، فالأول سوف يقدم برنامج “90 دقيقة” على فضائية المحور، والثاني سيشارك في تقديم “آخر النهار” على قناة النهار.

أما الثالث فسيكون برنامجه “باب الخلق” مستقلا، بحيث لا يرتبط ظهوره حسب ظروف المحطة، كما يعود الإعلامي معتز الدمرداش لتقديم برنامج بصبغة سياسية اجتماعية على قناة “الأهلي” المملوكة للنادي الأهلي، بعد قرار تحويلها إلى فضائية عامة دون انخراطها في الرياضة فقط.

محمد الباز سيعود إلى الظهور بشكل دائم مرة أخرى
محمد الباز سيعود إلى الظهور بشكل دائم مرة أخرى

ويقول خبراء إعلام، إن الكثير من الأسماء التي اختفت عن المشهد لم تكن هناك مبررات مقنعة لتغييبها، لكن عودتها مطلوبة في ظل المعاناة التي تعيشها منظومة الإعلام، من غياب التنوع والتعددية والحاجة إلى المزيد من الخبرات.

وترتبط التطورات المرتقبة في السياسة الإعلامية بالتغييرات التي جرت في تركيبة الهيئات المنوطة بها إدارة المشهد، وهي: المجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، بحيث يقتنع الجمهور بأن ضخ دماء جديدة على مستوى قيادات المنظومة انعكس إيجابيا على المحتوى، ويتهيّأ المشاهد لانتظار الأفضل قبل أن يتسلل إليه الشعور بالإحباط في توقيت حرج، تحتاج فيه الدولة إلى جهاز إعلامي قوي يؤثر في الشارع.

وفي الظروف العادية، كان يمكن استقبال نبأ عودة إعلاميين بارزين غابوا لشهور أو سنين على أنه أمر طبيعي لظروف المهنة، لكن الأسماء التي تقرر ظهورها كانت قد غابت لأسباب ترتبط بسعي دوائر حكومية لتأميم الإعلام، في حين أن هذه الوجوه أصرت على مواقفها ورفضت التماهي، فلماذا عادوا الآن؟

يصعب فصل السماح بظهور شخصيات إعلامية يمكن وصفها بـ”المتمردة” عن حاجة المشهد إلى ضخ دماء تستطيع استقطاب شرائح جديدة من الجمهور الذي هجر الشاشات المحلية، وذهب لمطالعة محطات خارجية، بعضها معادية، لسيطرة الخطاب الرسمي على الإعلام، ما أدى إلى عجز الحكومة عن توصيل رسائلها السياسية.

وأدركت الحكومة أهمية وجود أصوات مختلفة، لأن فكرة التأميم لم تجد نفعا، فهي وإن كانت تخدم توجهاتها، فإنها أضعفت قوة الإعلام في التأثير، ولم تعد هناك موانع لعودة وجوه قديمة أكثر أمانا من غيرها، ولدى هؤلاء حس سياسي يجعلهم يدركون متطلبات المرحلة دون توجيه أو تدخل مباشر في السياسة التحريرية.

يبدو أن فك الحظر المفروض على بعض الوجوه الإعلامية، لم يكن بعيدا عن اقتناع الجهات التي تتشارك في إدارة المشهد، بحتمية التغيير ولو بصيغة قديمة، أيّ أن هناك تأييدا من دوائر رسمية لهذه الخطوة، في إطار السعي إلى المزيد من الانفتاح والسماح بهامش معقول من الحريات الإعلامية.

وبحكم أن الدولة تواجه تحديات عدة لن تكون شروط العودة تعجيزية أو تتعارض مع السياسة التحريرية لبرامج الوجوه القديمة، طالما كان ذلك بخطوات محسوبة ولا تؤثر على الاستقرار الذي تعيشه البلاد أو تنعكس سلبا على تركيز الحكومة في مجابهة المخاطر التي تستهدف الأمن القومي أو تثير المنغصات.

واجهت فضائيات مصرية عديدة معضلات كثيرة على رأسها غياب الجماهيرية، عندما استعانت بوجوه شابة بديلة عن الإعلاميين المستبعدين، والتحدث بلسان الحكومة لتأمين أنفسهم من الإقصاء، فضلا عن قلة الخبرة، وفقدان القدرة على التأثير.

ما يلفت الانتباه أن كل الوجوه العائدة من الماضي سوف تظهر على فضائيات خاصة مملوكة لرجال أعمال، ما يعني أن هناك نية لدى القائمين على إدارة المشهد للفصل بين الخطاب الإعلامي الرسمي والخاص، بحيث يكون الأول متناغما مع الحكومة ويتبنى صوتها وتوصيل رسائلها مباشرة وبعيدا عن النقد، ويتولى الثاني مهمة تحقيق التوازن بأن يكون مستقلا نسبيا، ليجد الجمهور صوتين مختلفين يعيدان إليه الثقة.

ظهور شخصيات إعلامية "متمردة" على الشاشة ترتبط بحاجة الإعلام إلى ضخ دماء تستطيع استقطاب الجمهور

ترددت فكرة السماح بعودة هؤلاء من قبل، لكن لم تكن بعض الدوائر المهيمنة على المشهد ترغب في استحضارهم قبل استقرار الأوضاع بشكل كامل، باعتبارهم إرثا من نظم حكم سابقة، وبعضهم اعتادوا مجاراة غضب الشارع.

يرى متابعون، أن تحقيق التوازن في المشهد يُفترض أن يبدأ برفع سقف الحريات، بحيث يجد المشاهد صوتين مختلفين في فضائية رسمية، لأنه ليس منطقيا عندما يحتاج الناس إلى معرفة الحقيقة أن يذهبوا إلى قناة خاصة، وإذا أرادوا الاقتراب من وجهة نظر الدولة يطالعوا فضائية حكومية.

ويعتقد خبراء أن أي تنوع مهما كانت صيغته سوف يفيد المشهد الإعلامي، على فضائية حكومية أو خاصة، فالمهم أن تكون هناك خبرات تنطلق من مدارس مهنية، هي التي تخاطب الجمهور، وتقوم بتوصيل الرسائل، وبغض النظر عن طريقة عودة كبار المذيعين، فإنها خطوة قد يكون لها تأثير في مجال الإصلاح العام.

أزمة القائمين على إدارة المنظومة الإعلامية أنها ظلت مقتنعة بأن الصوت الواحد ضرورة لاستقرار الأوضاع السياسية والأمنية، رغم أن تجارب الاستعانة بإعلاميين لهم توجهات مغايرة لم يتسبب في تأليب الشارع على الحكومة، بل يكفي أن المواطن يجد من يتحدث بلسانه وينقل معاناته وينفس عن غضبه.

18