قافلة السلام تقودها كل الأديان الإبراهيمية وتحط رحالها في الرباط

قافلة السلام التي تجمع الأديان السماوية، تعقد ملتقاها في الرباط بعد أن تشكلت في أبوظبي على إثر إعلان مراكش التاريخي، تؤكد أن الحوار والتعايش بين الديانات الإبراهيمية حقيقة تثبتها قيم ومبادئ اتفقت عليها جميع الرسائل السماوية. هذه المبادرة الجبارة يعود الفضل فيها إلى نوايا وجهود أصحاب الفكرة وجميع المؤتمرين المشاركين في الملتقى.
الخميس 2017/10/26
نحو وجهة واحدة اسمها الإنسان

الرباط – “لا نرى مبررا هضم أي حق من حقوق الناس في المملكة كما لا نرضى مثل ذلك للناس أجمعين في كل مكان، ونستلهم من شريعتنا السمحاء فلسفة التعايش القرآني السعيد بوئام وسلام”، بهذه الكلمة التي قالها العاهل المغربي، الملك محمد السادس في إعلان مراكش التاريخي، افتتح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، أحمد توفيق، فعاليات المرحلة الثانية من استراتيجية “قافلة السلام الأميركية” ضمن ملتقى عقد في الرباط الثلاثاء برعاية الملك محمد السادس، وبالتعاون مع “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” برئاسة الشيخ عبدالله بن بيه.

يذكر أن قافلة السلام انبثقت من إعلان مراكش التاريخي، وكانت انطلاقتها الأولى شهر مايو الماضي في أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد اجتمع فيها حكماء الأديان من العائلة الإبراهيمية للتباحث في الحلول الناجعة لمواجهة مهدّدات التعايش السلمي العالمي، وآمنوا جميعا بضرورة إنشاء حلف فضول عالمي يضم الديانات المختلفة ويسعى إلى إرساء التعاون بين الأديان صفا واحدا لنشر ثقافة السلام والمحبة بين الشعوب وتعزيز القيم الإيمانية والإنسانية المشتركة.

الملتقى حضره ممثلو الأديان السماوية في أكثر من عشرين ولاية أميركية، ضم أيضا علماء ومفكرين وشخصيات رسمية ودبلوماسية، يتقدمهم محمد مطر الكعبي أمين عام منتدى تعزيز السلم، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف إلى جانب وزير الأوقاف المغربي، والكاردينال ثيودور إدغار مكاريك وكذلك وليام فندلي، رئيس منظمة أديان من أجل السلام والحاخام روبي بروس لاستيك، كبير حاخامات الطائفة اليهودية في واشنطن، ومحمد ماجد إمام مركز آدم في واشنطن ولفيف كبير من الأئمة والقساوسة والحاخامات.

أجواء الملتقى ترسخ القناعة بإمكانية تحقيق التحالف بين الديانات لإنقاذ سفينة البشرية من الغرق في بحور الحروب والدمار

وجاء في كلمة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” أن هذا الملتقى يؤكد حرص عقلاء المسلمين على مد جسور السلام والوئام بين أبناء مختلف الأديان من أجل عمارة الأرض بالخير والجمال وحماية حقوق الإنسان حسب “إعلان مراكش التاريخي”، ذلك أن المتأمل في الأزمات التي تهدد الإنسانية، يزداد قناعة أكثر من أي وقت مضى، بضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان وحتميته واستعجاليته.. وهو التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرد التسامح والاحترام بل على الالتزام بالحقوق والحريات التي لا بد أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد، غير أن الأمر لا يكفي فيه مجرد التنصيص على قواعد التعامل بل يقتضي قبل كل شيء التحلي بالسلوك الحضاري، الذي يقصي كل أنواع الإكراه والتعصب والاستعلاء.

وقال الشيخ بن بيه إن إعلان مراكش يدعو مختلف الطوائف الدينية التي يجمعها نسيج وطني واحد إلى معالجة صدمات الذاكرة الناشئة من التركيز على وقائع انتقائية ونسيان قرون من العيش المشترك على أرض واحدة وإعادة بناء الماضي بإحياء تراث العيش المشترك ومد جسور الثقة بعيدا عن الجور والإقصاء، ودعا رئيس “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” الشيخ بن بية، ممثلي مختلف الملل والديانات والطوائف إلى التصدي لكل أشكال ازدراء الأديان وإهانة المقدسات وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية.

وأضاف أن هذا اللقاء، وكما كان اللقاء الأول في مدينة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة، فضاء للمحبة والتسامح، وبحث وإحياء لروح التعايش البهيج بين الديانات وحث على مبادئ التسامح والتعارف.

أجواء الملتقى، وكما أكد الشيخ بن بية، ترسخ القناعة بإمكانية تحقيق التحالف بين الديانات لإنقاذ سفينة البشرية من الغرق في بحور الحروب والدمار على حد تعبيره. الشيخ بن بية، تمنى على المؤتمرين التذاكر حول تفعيل إعلان مراكش الذي يتضمن الدعوة إلى التعايش بين الديانات والثقافات، ويؤسس لمرحلة جديدة من الفهم العميق للاستفادة من تراث الماضي لبناء تعايش في الحاضر والمستقبل، ويبين واجب رجال الدين في البحث في نصوصهم الدينية وتاريخهم وتراثهم ليجدوا أساسا وينبوعا للتسامح والتعايش، وتفعيل المشتركات.

إعلان مراكش، يعلي أول مشترك إنساني وهو كرامة الإنسان، ذلك لأن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرمهم الله بنفخة من روحه كما جاء في الآية القرآنية “ولقد كرمنا بني آدم”.

وتكريم الإنسان اقتضى منحه حرية الاختيار: “لا إكراه في الدين”، ويتجلى ذلك بوضوح في الآية القائلة “لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.

ملتقى الرباط يسعى إلى تعميق الحوار بين حكماء الأديان للخروج بنتائج تحيي قيم الإنسانية وتميت النزعات الصدامية والصراعات

ولفت الشيخ بن بية، إلى أن ما يقوم به المؤتمرون في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، أنهم يقدمون الرواية والرؤية، رواية الإسلام في دعوته للسلام والتسامح، اعتمادا على نصوص أكيدة وعلى ممارسات تاريخية رشيدة، وعلى التأويل الصحيح، على عكس الرواية المحرّفة على يد الغلاة الخارجين عن الضبط الديني والضبط العقلي، والذين جعلوا الدين دعوة إلى العنف ومشعلا للحروب ومصدرا للكراهية والبغضاء، وطاقة تدمير وتفجير بدل أن يكون طاقة إيجابية في حياة الناس، طاقة سلام تحييهم ولا تقتلهم. ولذلك فالرجوع إلى النصوص، والتأويل المناسب والمقارب، هو الذي سيسمح بالرد على مروّجي الكراهية والإسلامفوبيا، وعلى الإرهابيين على حد سواء.

المتأمل في الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية يلحظ بوضوح لا لبس فيه، أنها تنطوي على نصوص كثيرة تدعو إلى التعايش، مما يجعل من تعاليمها الأساسية حول السلام والتعايش وحول عالمية الكرامة الإنسانية، واحترام الاختلافات الدينية، بمثابة المضادات القوية للتطرف الديني وللعنف.

إعلان مراكش يمثّل خطوة وانطلاقة عملية في التسامح، وهو ما جعل المؤتمرين يتطلعون إلى ترسيخ نموذج مبادرة “قافلة السلام” ليصبح آلية عملية ناجعة للتعاون والتعايش، وتقليدا ينبغي العمل على تعميمه والاستفادة منه.

القس بوب روبرت، أثنى على دور الشيخ عبدالله بن بيه، الذي استلهم الحضور من أفكاره مهمة قافلة السلام، وتمنى على الجميع العمل معا لإنقاذ الإنسان من الفتن والكراهية والأحقاد التي انتشرت في العقود الأخيرة، مشيـرا إلى أن اللقـاء المقبـل في واشنطن، وذلك إظهارا وتأكيدا لتضامن الديانات السماوية، وتوسيعا لـدائـرة هذه القـافلة كي تتحول إلى صيغة تعاون ومجال مشتـرك للتفكير والعمل من أجل السلام والوئام ويمثل نوعا من “حلف الفضول”، ينمو من أجل خير الإنسانية.

أما روبي لاستيك، كبير حاخامات واشنطن فقـد جـاء في كلمته أن الإنسـان المعـاصر وصـل مرحلة قاسية وبشعة من الأحقـاد والكراهية والتعصب، ولا بد من التعاون الخلاق بين جميع الأديان ورفض جميع سياسات النبذ والإقصاء والفتن باسم الدين والدنيا.

ملتقى الرباط يسعى إلى تعميق الحوار بين حكماء الأديان للخروج بنتائج مثمرة تحيي قيم الإنسانية، وتجتث النزعات الصدامية والصراعات، وتمهد لانطلاق قافلة السلام بعد ذلك من الرباط إلى واشنطن حيث يتوقع أن يجري الإعلان عن “حلف فضول” عالمي بين الديانات المختلفة، وسط حشد رسمي وديني وفكري وثقافي على مستوى العالم.

13