قافلة سلام متعددة الأديان في أبوظبي.. حلف إنساني ضد الغلو

التوتر الذي تحدثه الأعمال الإرهابية لم يحل دون وجود أصوات أو مبادرات رصينة مازالت تؤمن بأن الرهان على المشترك الإنساني كفيل بإزالة كل ما شاب التراث الديني من فهم مغال. الرهان على وجود مناطق مشتركة بين الأديان كفيل إن تم تفعيله بأن يخفف التوتر ويشيع ثقافة التعايش، كل ذلك كان المنطلق في تنظيم ملتقى “بناء الثقة والتعاون بين الأديان” في أبوظبي، مثلما كان أيضا الدافع لإصدار إعلان مراكش التاريخي، وبين الفعاليتين صلات تواصل تم التأكيد عليها في لقاء أبوظبي.
الخميس 2017/05/04
كنيسة القديس بولس في أبوظبي التجسيد العملي لإمكان التعايش

أبوظبي - انطلقت في أبوظبي الثلاثاء أعمال ملتقى “بناء الثقة والتعاون بين الأديان” الذي ينظمه منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في إطار الزيارة الأولى لأول قافلة سلام متعددة الأديان تحت عنوان “القافلة الأميركية للسلام: نشر رسالة السلام من خلال بناء الثقة والتعاون بين الأديان”.

ويأتي الملتقى الذي يستمر حتى 4 مايو الجاري تفعيلا لإعلان مراكش التاريخي، وليؤكد مرة أخرى ريادة أبوظبي في صناعة النموذج ومحوريتها في رحلة دروب السلام.

وألقى الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم كلمة في الجلسة الأولى للملتقى بحضور محمد مطر الكعبي الأمين العام لمنتدى تعزيز السلم، والشيخ حمزة يوسف نائب رئيس منتدى تعزيز السلم، وعدد من رجال الدين من مختلف الأديان السماوية وما يزيد على ثلاثين شخصية دينية من عشر ولايات أميركية كبرى.

وتأتي زيارة القافلة الأميركية للسلام للإمارات استلهاما للنهج الذي اختطته القيادة الرشيدة في ترسيخ ثقافة التسامح والسلام، وتعزيز الأخوة والوئام، حيث تتيح هذه الزيارة الفرصة للمشاركين للاطلاع على تجربة الدولة في تنمية قيم التسامح والعيش المشترك ووضع الأطر القانونية الكفيلة بحمايتها، مثل قانون مكافحة التمييز والكراهية.

وتدخل هذه الزيارة في سياق أنشطة منتدى تعزيز السلم الذي أخذ على عاتقه منذ تأسيسه دعم كل ما من شأنه ترسيخ قيم الحوار والتلاقي والتفاهم، وضمن مقاربته العلمية والفكرية لبناء الثقة بين الأديان الإبراهيمية من أجل السلام، وصناعة جبهة سلمية عالمية ضد الكراهية والإسلاموفوبيا، وصياغة تحالف إنساني ضد العنف والغلو.

وتعقد القافلة التي تستمر لثلاثة أيام مجموعة جلسات نقاش حول المحاور التالية: التصورات المتبادلة بين أتباع الديانات المختلفة وأثرها في السلم، تحديد التحديات التي تواجه العيش المشترك وكذلك أهم الفرص التي تعززه وتقويه، محورية مفاهيم السلام في الخطاب الديني في المساجد والكنائس والدين ودوره في الفضاء العمومي. كما تتخلل هذه الورشات زيارات لأهم المعالم السياحية في مدينة أبوظبي وخارجها.

وقال الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في كلمته الترحيبية إن “التلاقي على أرض التسامح والسلام والوئام في أبوظبي يهيء الفضاء المريح، الذي يسمح بطرح الأفكار النيرة والمبادرات النافعة للخروج من أزمة البشرية الراهنة”.

وأضاف أن هذا اللقاء يأتي عقب زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية، تلبية لدعوة لجنة الكونغرس، المنظمة لفعاليات صلاة الشكر الوطني، “حيث لمس خلالها وكذلك خلال اللقاءات الهامة والنوعية التي أجراها مع قيادات الشأن العام الديني والفكري والسياسي، روحَ البحث عن التعايش السعيد بين الديانات، والحرصَ على مبادئ التسامح والتعارف.. ما أكد القناعة أن الوقت قد حان ومنذ زمن طويل لضرورة القيام بعمل يتصف بالديمومة والإخلاص بغرض تفعيل المشتركات الكثيرة، التي أدَّى تجاهلها وإذكاء الخصوصيات بدلها إلى الكثير من الحروب والدمار، وابتعاد البشرية عن قيم الخير والمحبة والتراحم، التي أرساها الأنبياء، سلام الله عليهم أجمعين”.

واعتبر أن هذه المبادرة تمثّل أملا في هذا الوقت بإتاحتها الفرصة للتعايش والتعارف، وعقد أواصر الأخوة ليعود المشاركون من الأئمة والقساوسة والحاخامات بهذه الروح إلى مجتمعاتهم الخاصة وليروجوا لها، مؤكِّدا أن “لدينا مشتركات كثيرة لبناء السلام والمحبة علينا التذكير بها وتقديمها للناس”.

ودعا إلى “ترسيخ نموذج مبادرة قافلة السلام” ليصبح آلية عملية ناجعة للتعاون والتعايش وجعلها أكثر عملية ونجاعة، وتقليدا ينبغي العمل على تعميمه والاستفادة منه.

وفي حديثه عن الإطار المرجعي لهذا الاستقبال، أشار رئيس المنتدى إلى ضرورة استلهام إعلان مراكش الذي أصدره المنتدى في يناير 2016 بمدينة مراكش بالمملكة المغربية، في ختام مؤتمر “حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”.

وأكد أن مبادئ إعلان مراكش تستبطن الدعوة للتعايش بين الديانات والثقافات، وهو يؤسس لمرحلة جديدة من الفهم العميق؛ بغرض الاستفادة من تراث الماضي في بناء تعايش الحاضر والمستقبل.

ذلك أن إعلان مراكش لم يكن إعلانا عاديا، وإنما هو فهم دقيق للنص الديني وتجليات التراث في التسامح والوئام والتعايش، ويبين الإعلان واجب رجال الدين في البحث في نصوصهم الدينية وتاريخهم وتراثهم ليجدوا أساسا وينبوعا للتسامح والتعايش.

وأضاف إن كانت البروتستانتية تقول إن “التسامح هدية البروتستانتية للعالم”، فنحن نعتقد أن الديانات المنتمية للعائلة الإبراهيمية جميعها تحمل في نصوصها الكثير من الأسس التي تدعو إلى التعايش والتي لا تخطئها العين، وأن تعاليمها الأساسية حول السلام والتعايش وحول عالمية الكرامة الإنسانية، واحترام الاختلافات الدينية هي مضادات قوية للتطرف الديني العنيف، مؤكدا أن “الرجوع إلى النصوص والتأويل المناسب والمقارب هو الذي سيسمح لنا بالرد على مروجي الكراهية والإسلاموفوبيا وعلى الإرهابيين على حد السواء”، وضرب لذلك أمثلة من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

ودعا الشيخ بن بيه المشاركين إلى وضع خطة إستراتيجية لمواصلة رحلتهم في البحث عن السلام ولتوسيع دائرة القافلة “لتتحوَّل إلى حلف جديد للوئام والسلام بين الأديان” يستلهم جوهر الدين الصحيح في الديانات الإبراهيمية لتحقيق التعايش بين الشعوب، وعمارة الأرض بقيم الخير والجمال، ونبذ الغلو والتطرف، وتبريد القلوب والعقول، ومسح تداعيات الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية، وكل أشكال التنابذ الديني والعرقي.

مؤكدا “أن اليوم الذي ننبذ فيه جميعنا التصورات النمطية ومشاعر الكره لتجمعنا مشاعر الأخوة الإنسانية وحب الخير والصداقة، سيكون بحق يوما مشرقا في تاريخ الإنسانية”.

وأضاف رئيس المنتدى أن الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية عندما تتصالح وتتصافح سوف يعزز ذلك روح السلام في العالم، ويسهِّل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات.

وحرص الشيخ بن بيه على التأكيد على أن لقاء هذه الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية لا يعني إقصاء ولا تكتُّلا ضد الديانات والمذاهب الأخرى، وإنما يعني تعزيز المشتركات في دائرة العلاقات الإنسانية التي تتواصل فيها دائرة الإنساني مع دوائر الديانات والفلسفات الكونية التي تعلي من شأن الحياة وحقوق الإنسان.

ومن جانبه رحب محمد مطر الكعبي أمين عام منتدى تعزيز السلم في المجتمعات، في كلمته بالقافلة الأميركية للسلام على أرض الإمارات، أرض المحبة والسلام والتسامح.

وقال “يعمل في الإمارات مقيمون ينتمون إلى نحو مئتي جنسية من مختلف الإثنيات والأعراق في العالم، ويسهمون في بناء النهضة الحديثة للدولة، ويتعايشون باحترام ووئام مع كل أطياف المجتمع الإماراتي وهذا هو النهج الذي أسّسه القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على قيم الحب والتسامح والوسطية والاعتدال.

ولهذا تكفّل الشيخ زايد بترميم كنيسة المهد في بيت لحم معتبرا أن المعابد ينبغي أن تحترم بغض النظر عن طبيعة قاصديها”.

وتطرق الكعبي إلى بنية ثقافة التسامح الراسخة على كل المستويات في الإمارات منذ نشأتها. مشيرا إلى عمق التاريخ الإنساني والروحي لهذه البلاد، حيث تم اكتشاف كنيسة أثرية في جزيرة صير بني ياس؛ وتوجيهات القيادة الرشيدة بإعلاء هذه القيمة التاريخية والعناية بالآثار الدينية بشكل عام، ما يلقي المزيد من الضوء على هوية هذا الشعب العربي الأصيل، شعب الإمارات.

وقال عبدالله بوصوف أمين عام مجلس الجالية المغربية في الخارج، في كلمته التي ألقاها نيابة عن أحمد التوفيق وزير الأوقاف في المملكة المغربية إن المشاركة في فعالية أبوظبي في إطار تفعيل وثيقة إعلان مراكش، تزيد المرء استئناسا سواء باللقاء مع الآخر أو بتلاقح الأفكار، فهذا هو ما يجعلنا نرتقي بإنسانيتنا قبل معرفتنا ببعضنا البعض، مشددا على أهمية تواصل الحوار مع الآخر، محذرا في الوقت عينه من الوقوع بازدواجية الخطاب، أي أن نكون مع الآخر بخطاب مختلف عمَّا يدور بدواخلنا أو في ما بيننا.

ومن جانبه قال الحاخام روبي بروس لاستيك كبير حاخامات الطائفة اليهودية في واشنطن، إن صوت الدين الصحيح كرر بأن أصل الإنسان واحد وأن الجميع أخوة بالإنسانية، ما يعني أن الجميع مدعوون لأن يسلكوا دروب السلام. وهذا تلاحظه جميع الأديان الإبراهيمية.

وقال القس بوب جين روبرتس كبير القساوسة في دالاس إنه لا بد لنا من الاتحاد لمواجهة التطرف والإرهاب، معتبرا أن المشكلة أننا لسنا متحدين، إذ يتعين على الأديان الإبراهيمية أن تجتهد لتحقيق هذا الاتحاد. فهذا هو الهدف المشترك الذي يُفترض أن نعمل جميعاً لتحقيقه.

ونوه روبرتس بجهود الشيخ عبدالله بن بيه، سواء في وثيقة إعلان مراكش أو في جهود منتدى تعزيز السلم.

يذكر أن إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي صدر في يناير من العام 2016، بعد اجتماع أكثر من 300 شخصية من علماء المسلمين وممثلي الدول الإسلامية والطوائف الدينية والأديان عبر العالم، ودعا إلى المساواة بين جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.

13