قال الإعلامي: هذا الفيلم مشبوه

الجمعة 2014/01/31

حضرت مؤخرا ندوة حول السينما الفلسطينية عقدت في دبي شارك فيها المخرج رشيد مشهراوي بالإضافة إلى ثلاث مخرجات أسمع بأسمائهن للمرة الأولى، اثنتان منهن لا تتكلمان العربية، وكان رشيد أقل المشاركين تكلفا حيث لم يتحدث عن نفسه. تحدث عن الآخرين، وهو منهم، الذين أسسوا حساسية جديدة في العين السينمائية الفلسطينية.. لم ترد على لسانه كلمة أنا ولو ومرة واحدة، في حين امتلأ حديث الأخريات بها.

رشيد مشهراوي ابن مخيم الشاطئ في غزة، الذي خرج من الأزقة إلى أكبر المهرجانات العالمية، حقق خصوصيته بصدقه، فكان فيلمه الأول “حتى إشعار آخر” في عام 1993 فاتحة جديدة في السينما الفلسطينية التي اختزلت بمصطلحين أو ثلاثة تتعلق بالشهادة أو البطولة أو الخيانة.

ساهم رشيد وقبله بقليل ميشيل خليفي في تحطيم تلك المعادلة الجهنمية، لقد قدما الفلسطيني كإنسان من ذاكرة وألم وحلم وفرح وخوف وانكسار.. وهذه الأخيرة لم تعجب قياديا فلسطينيا حضر عرضا خاصا نظمته في عام 1994 لفيلم “حتى إشعار آخر” بحضور المنتج، آنذاك، هاني أبو أسعد، الذي سيصبح فيما بعد واحدا من ألمع مخرجي السينما الفلسطينية.

أذكر ملامح الامتعاض على ذلك المسؤول، الإعلامي والثقافي عن أحد أكبر الفصائل في دمشق، وكيف انتفض مع نهاية الفيلم ورمقني بشدّة وقال لي هذا فيلم مشبوه!

عقدت الدهشة لساني، فالرجل يده طائلة لدى النظام، والعرض غير حاصل على أي ترخيص أو إذن أمني، والفيلم أبسط من أن يحمَّل أي رسالة “تآمرية” يتحدث عن معاناة أسرة في أحد مخيمات غزة من الحصار وحظر التجول والملل!

قلت للمسؤول: ولكن ما اعتراضك أيها الرفيق على هذا الفيلم؟!

قال، بعد أن سحب بغضب سحبة من غليونه: عندما قامت دورية الاحتلال باعتقال شباب العائلة الفلسطينية ركبوا في السيارة منكسي الرؤوس خائفين.. كان يجب أن يظهر لنا المخرج نظرة تحدّ للمعتقلين وهم يساقون إلى الاعتقال!!

مضى المسؤول ممتعضا صحبة مرافقيه، ومكث الباقون يناقشون الفيلم وتفاصيله.. ولا أخفي أنني بقيت أياما وأنا أتوقع استدعاء من جهة أمنية؛ للأمانة لم يحصل.. وقد علمت السبب فيما بعد وهي صلة قربى للمنتج مع مسؤول آخر من مسؤولي جبهة ذلك المسؤول الغاضب.

بكل بساطة الكلمات السابقة حطمت السينما الفلسطينية الجديدة، التي ظهرت منذ مطلع الثمانينات على يد ميشيل خليفي وبعده رشيد مشهراوي ومي مصري وغيرهم، أصنام القضية وأوثانها ومقدساتها ومحرماتها وذهنيتها الاختزالية التخوينية.

السينما قادت الوعي الفلسطيني الجديد وكانت على قدر المسؤولية.. نقلت القضية إلى مستويات جديدة وعبرت عن الفلسطيني الحقيقي بلا ادّعاء.

ولكن إذا تأملنا الأفق الفلسطيني منذ أواسط التسعينات، هل ثمة شيء غير السينما يعبّر عن الفلسطينيين؟! سؤال صعب ولكنه حقيقي.. فالفعالية السياسية بعد اتفاقات أوسلو تراجعت والمكاسب انعدمت، وحالة الركود قادت إلى انتفاضة ثانية سرعان ما تسلحت وقمعت بعنف كبير، وقوّضت إثر ذلك الكثير من الأحلام، وحوصر الزعيم في المقاطعة، وظهرت لوثة الفساد، ثمّ وحش الانقسام.

وأتساءل هنا.. لو لم يكن هناك مخرجون، كرشيد مشهراوي وهاني أبو أسعد ومي مصري وعزة الحسن وغيرهم، وغيرهم.. ما كان حال القضية الفلسطينية.. هل من أحد يمكن أن يتذكرها؟!

17