قال الحلاق: للإمبراطور أذنا حمار وقال المثقف: مولاي

الثلاثاء 2013/08/20
غطاء فكري للطغاة العرب منسوج بيد بعض المثقفين

يقف المثقفون العرب على هامش التطورات المتسارعة والمعقدة التي تشهدها المنطقة العربية، البعض جهر برأيه المناوئ للحكومات القمعية الفاسدة، والغالبية فضلت الصمت المتواطئ مع القاتل، وخصوصا عندما وصل الأمر إلى سوريا، تحت ذرائع شتى، لعل أهمها موضوع الممانعة والمقاومة والمشاريع الصهيو- أميركية والمد الأصولي وما إلى ذلك من شعارات كبرى تبرر التغاضي عن المذبحة اليومية التي تشهدها سوريا.

ربما كانت سوريا هي المعضلة التي فاجأت المثقفين العرب، فالذرائع التي سيقت عند محاولة فهم ما جرى في تونس ومصر كانت تتعلق بالموقف المتخاذل لهذين النظامين في مسألة الصراع العربي الصهيوني، وأن الربيع العربي هو ربيع المقاومة والممانعة.. ولكن عندما وصل الأمر إلى "عاصمة المقاومة والممانعة" أصبح مؤامرة كونية تستهدف حزب الله المقاوم والممانع في نهاية المطاف بمعزل عن مئة ألف قتيل سوري ذبحوا بدم بارد وبصواريخ وأسلحة إستراتيجية.


عزلة المثقف


سبب هذا الارتباك في رأيي هو سطحية المثقفين العرب، وانهزاميتهم، والشمولية التي تحكم أفكارهم. فالشمولية تقسم العالم إلى معسكرين، الأول لمالكي الحقيقة والآخر للمتآمرين، والسبب في ذلك أن نسبة يعتد بها من المثقفين العرب كانت تتبنى المقولات الماركسية الشمولية التي تلتقي مع الفاشية في نزعتها التبسيطية، وهي النظرة نفسها التي يتبناها اليوم سلفيو العصر الحديث الذين يقسمون العالم إلى خير وشر.

مارس المثقفون العرب، والمقصود هنا، الغالبية الساحقة، عملية تجهيل مستمرة منذ نكبة فلسطين وحتى اليوم.. لم ينظروا إلى الأمور كما هي، ولا إلى الواقع بحقائقه النافرة، كانوا دائما يتحدثون عن عالم افتراضي مواز لا يشعر به الناس العاديون، ولا يعرفونه.. برروا للديكتاتوريات ديكتاتوريتها بحجج الإعداد للمعركة، وساهموا في منع التنمية مبررين الفساد بالجهد الحربي.


ثقافة الطائفة


المثقفون فعلوا الأفاعيل، وقدموا غطاء فكريا أيديولوجيا لكل طغاة ومجرمي العصر. والآن، كيف ننتظر منهم أن يقفوا مع الشعب في ثورته التي أعلنها بلحمه ودمه.. هذه القاعدة لها استثناء يثبتها.

والاستثناء هو هذه القلة القليلة من المثقفين التنويريين الحقيقيين الذين انحازوا إلى الثورة منذ اللحظة الأولى ولم ينتظروا رجحان الكفة، وأطلقوا على الأشياء أسماءها الحقيقية، وقالوا ما قاله الحلاق في القصة العربية المأثورة: للإمبراطور أذنان كأذني الحمار.

ولعل الأدهى من كل ذلك، انحياز المثقفين، الذين كانوا يصدعون الرؤوس بالتحذير من الخطر الأصولي ومن الرجعية، إلى العشيرة والطائفة والمنطقة، حتى وإن كانت هذه العشيرة أو الطائفة مجموعة من القتلة والمجرمين واللصوص الذين لا يمكن تبرير أفعالهم تحت أي ظرف من الظروف.. لقد اتضح أن معارضة مثقفي الطائفة هي معارضة لشيوخ ومعتقدات الطائفة الأخرى وليس لطبقة الشيوخ ورجال الدين بشكل عام أو للفكر الديني بحد ذاته.. وبذلك تبين أن هؤلاء كانوا طائفيين واستمروا في طائفيتهم ولاجديد يمكن أن ينتظر منهم.

السؤال المطروح اليوم هو: متى سينظر المثقفون في سوريا والعالم العربي إلى الواقع كواقع مشخص، وليس ظلا باهتا غير محدد الملامح.. هل الأسئلة التي انطلقت منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت حقيقية؟ وهل بقاؤها دون أجوبة أمر طبيعي؟ هل سيعاد الاعتبار للمنهج التجريبي في تحليل الوقائع؟ وهل سنضيف علم الآثار إلى التاريخ؟ وهل سنعيد النظر في مرجعياتنا التاريخية ونضعها تحــت مجهر التحقيق والنقد الصــارم.. خصوصا أن الكثير من المواقف المعاصرة تبين أنها مبنية على أسس تاريخية مغلوطــة جملة وتفصيــلاً.

لقــد تبــين أن الدعوات إلى تجاوز تلك الحقــبة التاريخية والمقصــود هنــا حقبة صدر الإســلام، لم تفد بل على العكــس زادت من عملية التجهيل وفاقمت من حالة الاستقطــاب.


هوية مضطربة


المثقف والمفكر من الناحية النظرية هو الذي يقود السياسة والمجتمع، ولكن الواقع أثبت أن الأمور معكوسة، فالمثقف لايزال يلهث وراء الواقائع دون أن يدركها، والسبب في ذلك أن رؤيته قاصرة وأساسه الفكري بني على خطأ. السؤال في رأيي يبدأ من الهوية.. هل الهوية العروبية التي ساهمت في صنعها مجموعة متنافرة من العوامل آخرها الفكر القومي البعثي، هي هوية حقيقية؟ أم أن ما نعيشه اليوم هو نتاج لهذا المفهوم المضطرب؟ هل يمكن تحويل الخصوصيات المذهبية إلى عامل تآلف، في وقت حولتها الهوية البعثية العروبية إلى عامل تنافر، طبعاً، على العكس من الشعارات المطروحة؟

لاشك في أن تحديد الهوية- الذي يعني كيف يعرِّف الإنسان نفسه- هو الذي سيجيب عن الكثير من الأسئلة المعلقة والمؤلمة التي يجري التغاضي عنها أو القفز عن حقيقتها الصادمة. عندما يستحيل التعايش بين أتباع ديانتين أو مذهبين نتيجة شلالات الدم، ماذا علينا أن نفعل؟ تجارب الشعوب كثيرة على هذا الصعيد. هناك أمم كثيرة وشعوب ودول نشأت من رحم مأساة أو مذبحة، بمعزل عن الهوية القومية أو التاريخ الماضوي المشترك. ما الذي يفرق بين البوسنيين والصرب سوى المذابح؟ وما الذي يفرق بين الصرب والكروات سوى المذهبين الكاثوليكي والأرثودوكسي؟ ما الذي يجعل الإيرلنديين دولتين؟

هل نحن مستعدون لمناقشة الأمر بهذا العمق؟ أظن أن المثقفين بعيدون جداً عن ذلك تحت حجج وذرائع عفى عليها الزمن.. ومن أجل هذا ستدفع الشعوب أثماناً باهظة خلال السنوات المقبلة.

15