قاموس الـ"هنا" والـ"هناك"

الاثنين 2015/07/06

حين يكون المرء في وطنه تكون المسافة بين الـ”هنا” والـ”هناك” واضحة. ما من تداخل أو اشتباك أو تقاطع بينهما. لن تحل الواحدة محل الأخرى ولن يقع سوء فهم في المعنى.

الـ”هنا” واحد، أما الـ”هناك” فمتعدد، ثم إن الـ”هنا” غالبا ما يكون متاحا وأليفا ومنفتحا على العاطفة، فيما يكون الـ”هناك” غالبا ممتنعا وموحشا ومغلقا على ذاته.

الـ”هناك” لن يكون هنا إلاّ في حالة واحدة، وهي حالة جربتها؛ أن يكون المرء بعيدا عن وطنه ويقيم في مكان آخر، مكان لا تسمح له اللغة في أن يسميه هناك. فعلى سبيل المثال حين يقول لاجئ مثلي “أنا هنا”، فهو بالتأكيد يقصد السويد، ولكن يصعب عليه أن ينظر إلى العراق باعتباره هناك.

فهو يحمل العراق معه. يغمض عينيه عليه، ويدسه بين أحلامه ويشقى لشقائه، ويكتب من أجله، ويتردد في التشهير بأخطائه، ويرجوه أن يستعيد عافيته حقلا من ورد الجوري، ولا يمضي قدما في كابوسه. وفي المقابل أحد مثلي لديه قدمان لا تقع خطواتهما على الأرض لا بدّ أن يعترف أن العراق صار هو الـ”هناك”. التاريخ قد يخطئ ولكن الجغرافيا لا تخون.

ما يجب عليّ الاعتراف به أنني أقيم في الـ”هناك” الذي صار “هنا” بعد أن غادرته لأكون جزءا من ذلك الـ”هناك”. قد يبدو الأمر يسيرا، غير أنه أصعب مما يظنه شخص لم يجربه. هناك الكثير من الأدباء والفنانين العرب ممن اختار اللجوء إلى الغرب والإقامة فيه، وهو لا يزال يعتقد أنه مقيم في الـ”هناك” باعتباره “هنا”.

وهو ما يدفعه إلى أن يقيم في قوقعة، هواؤها المستورد من الوطن يفسد مع مضي الوقت. لن يكون ممكنا أن يقيم المرء في مكانين، إلاّ على مستوى مجازي أي من خلال الفن، ولن يتحقق ذلك إلاّ إذا تمكن المرء من قياس المسافة بين المكانين. سيكون من الصعب أن نؤلف قاموسا عن الـ”هنا” والـ”هناك” إلاّ إذا خبرنا التجربة، وهي تجربة جحيمية حقا.

كاتب من العراق

16