قانون أوروبي يزلزل الواقع الحالي للنشر على الإنترنت

حماية صارمة للحقوق الفكرية تهدد نشاط المستخدمين وعوائد فيسبوك ويوتيوب وغوغل.
الأحد 2019/04/21
مخاوف كبيرة تختزلها لافتات "انقذوا الإنترنت"

دخل واقع نشر الموسيقى ومحتوى الفيديو والكتابات المحمية بحقوق ملكية فكرية على الإنترنت في أوروبا، عهدا جديدا بالمصادقة النهائية على إصلاحات توجه ضربة شديدة لشركات الإنترنت العملاقة ونشاط المستخدمين.

قد لا يصبح بإمكان المستخدمين تحميل مقطع من أغنية أو من فيلم أو حتى خبر من وكالة أنباء على مواقع مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر دون موافقة من يملك حقوق الملكية الفكرية. وقد يحجب المنشور تلقائيا من قبل مرشحات التحميل التلقائية.

ويُقصد بمرشحات التحميل البرامج التي تستخدم الذكاء الاصطناعي للتعرف على المحتويات المحمية بحقوق النشر خلال محاولة تحميلها على الإنترنت واستبعاد تحميلها تلقائيا.

كما ستحد القواعد الجديدة من قدرة شبكات الإنترنت العملاقة مثل غوغل على استخدام عناوين الأخبار أو القصص الإخبارية دون الحصول على إذن من المؤسسة الإعلامية صاحبة الخبر أو حتى دفع مقابل لاستخدام ذلك المحتوى.

يمكن أن نتخيل نسبة المنشورات التي تنشر يوميا والتي يمكن أن يطولها الحذف التلقائي، وعواقب ذلك على عوائد منصات الإنترنت العملاقة لأنه يقلص حركة المرور فيها ويقوض عوائدها من الإعلانات بشكل كبير.

وستكون لذلك تداعيات كبيرة على نشاط الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي وجميع النشاطات على الإنترنت، وقد تكون له عواقب اقتصادية كبيرة.

قبضة صارمة

وتتضمن الإصلاحات إجبار شركات الإنترنت على دفع مزيد من الأموال لوسائل الإعلام لقاء الوصول إلى محتواها الإخباري وإعادة إنتاجه بطرق أخرى، بعد أن ضغطت وسائل إعلام على رأسها وكالة الصحافة الفرنسية من أجل تلك الإصلاحات.

فالير دانيال برياز: نص الإصلاح الجديد متوازن ويفتح فرصا متعددة للقطاعات الإبداعية الأوروبية ويعزز حرية تعبير المستخدمين
فالير دانيال برياز: نص الإصلاح الجديد متوازن ويفتح فرصا متعددة للقطاعات الإبداعية الأوروبية ويعزز حرية تعبير المستخدمين

وأشارت الإصلاحات الجديدة إلى أن شركات مثل فيسبوك وغوغل تكسب مليارات عبر الترويج لقصص صحافية فيما يعاني ناشروها الأصليون من ضيق الموارد.

وأقرت دول الاتحاد الأوروبي في اجتماع وزاري في لوكسمبورغ هذا الأسبوع بشكل نهائي الإصلاح المثير للجدل بعد مصادقة البرلمان الأوروبي عليه في نهاية الشهر الماضي.

وكانت نتيجة التصويت متوقعة بعد المفاوضات الشاقة التي أجريت في ظل حملات الضغط القوية من جانب داعميه ومعارضيه على السواء.

ونال الإصلاح تأييد 19 بلدا من أصل 28 دولة وعارضته 6 بلدان هي إيطاليا وفنلندا والسويد ولوكسمبورغ وبولندا وهولندا، فيما امتنعت 3 بلدان هي بلجيكا وإستونيا وسلوفينيا عن التصويت، وهو ما يعني تنفيذ القواعد الجديدة في جميع بلدان التكتل الأوروبي.

وأشاد الوزير الروماني فالير دانيال برياز الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد بنص الإصلاح الذي اعتبره “متوازنا ويفتح فرصا متعددة للقطاعات الإبداعية الأوروبية وللمستخدمين الذين ستتعزز حرية تعبيرهم عبر الإنترنت”.

وفور نشرها في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، سيكون أمام البلدان الأعضاء مهلة 24 شهرا لإدخال القواعد الجديدة إلى تشريعاتها الوطنية.

ورحب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر بانتهاء الرحلة الطويلة لوضع هذا التشريع منذ سبتمبر 2016 حين بدأت الهيئة التنفيذية الأوروبية بتقديم هذا الإصلاح، الذي ستكون له تبعات مالية كبيرة.

وأكد في بيان أن “أوروبا ستصبح لديها قواعد واضحة تضمن مداخيل عادلة لمبتكري المحتوى وحقوقا كبيرة للمستخدمين”.

مخاوف جدية

وتتركز احتجاجات المعارضين أنصار الحريات الإلكترونية على البند 13 الذي يعزز حقوق المبتكرين وأصحاب الحقوق كالمؤلفين والفنانين في مواجهة المواقع التي تنشر إبداعاتهم مثل فيسبوك ويوتيوب لأنه يفتح الباب أمام تشديد الرقابة واستخدام فلاتر لمراقبة التحميل التلقائي.

وتخشى النائبة الأوروبية جوليا ريدا وهي من أبرز المعارضين لهذا التعديل من اتساع ممارسة الضغوط في العامين المقبلين للتضييق على تطبيقات محلية ما يضر بحقوق المستخدمين الأساسية.

وطالبت المجتمع المدني بمواصلة الضغوط على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

كما يثور الجدل بشأن البند 11 الذي يوصي باستحداث “قانون مواز” لحقوق المؤلف مخصص لناشري الصحف. ومن شأنه السماح لوسائل الإعلام مثل وكالة الصحافة الفرنسية بالحصول على مقابل مالي لإعادة نشر إنتاجها عبر الإنترنت من قبل شبكات مثل غوغل أو فيسبوك.

وقد نددت مجموعة الضغط “سي.سي.آي.أي يوروب” المرتبطة بقطاع الصناعة الرقمية في المفوضية الأوروبية، بنص التعديلات الجديدة ووصفته بأنه “غير متوازن ولا يفي بمتطلبات إنشاء إطار حديث لحقوق النشر”.

وقالت العضو في المجموعة مود ساكيه في بيان “نخشى أن يضر هذا الإصلاح بالابتكار الإلكتروني ويحد من الحريات عبر الإنترنت في أوروبا. نحض الدول الأعضاء على إجراء تقييم معمق ومحاولة تقليل تبعات النص خلال تطبيقه”.

الفنانون والكتاب من أشد مناصري القواعد الجديدة التي أطلقتها 260 مؤسسة لإنتاج المحتوى
الفنانون والكتاب من أشد مناصري القواعد الجديدة التي أطلقتها 260 مؤسسة لإنتاج المحتوى

ويخشى المعارضون من أن يؤدي ذلك إلى ما يسمى ترشيح أو تنقية عمليات تحميل المحتوى على الإنترنت باستخدام تطبيقات آلية، وهو ما يمكن أن يحجب محتوى قانونيا أيضا.

وحاولت الحكومة الألمانية تهدئة المخاوف من القيود التي سيفرضها إصلاح قانون حقوق النشر الجديد بالقول إنه “يتعين أن يكون الهدف هو جعل مرشحات التحميل غير ضرورية إلى حد كبير”.

وأوضحت الممثلة عن الحكومة الألمانية أن إصلاح القانون ضروري على نحو ملح، مضيفة أن الحكومة الألمانية تتوقع أن يتم الاتفاق على تطبيق موحد للقانون لأن التطبيق المجزأ “لن يكون متفقا مع مبادئ السوق الداخلية الرقمية“.

المعركة مستمرة

وبما أن رحلة دخول تلك التعديلات حيز التنفيذ لا تزال طويلة وقد تستغرق عامين على الأقل فإن الجهات المعرضة لهذه القواعد وشركات التكنولوجيا لن تلقي السلاح وستواصل ضغوطها لعرقلة تنفيذها.

وتقف إلى جانبها الكثير من منظمات الحقوق المدنية التي تخشى من أن تضر تلك القواعد بحرية وصول المستخدمين إلى المعلومات، إضافة إلى الأضرار التي تلحقها بالشركات الرقمية الصغيرة والناشئة.

ويمتد الانقسام بشأن التشريع الجديد من البرلمان الأوروبي إلى الحكومة والشركات وجماعات الضغط وصولا إلى قطاعات واسعة من المواطنين الأوروبيين. وقد شهدت الأسابيع الماضية حملات مكثفة وبدرجة غير مسبوقة. وجاءت أبرز تلك الحملات من شركات الإنترنت العملاقة ونشطاء حرية الإنترنت في مقابل شركات الإعلام وإنتاج المحتوى الفني والموسيقي والبرامج المصورة.

وكان مشروع قانون إصلاح حقوق الملكية الفكرية قد أطلق في عام 2016 واعتبر ضروريا بسبب تقادم القانون وعدم تحديثه منذ عام 2001، أي قبل ولادة موقعي يوتيوب وفيسبوك.

أنصار متحمسون

جوليا ريدا: نخشى اتساع الضغوط في العامين المقبلين للإضرار بحقوق المستخدمين بمواصلة الضغوط على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي
جوليا ريدا: نخشى اتساع الضغوط في العامين المقبلين للإضرار بحقوق المستخدمين بمواصلة الضغوط على البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي

ودعم الفنانون وشركات الإعلام مشروع الإصلاحات، التي تستجيب لمطالبهم بالحصول على عائدات أفضل من منصات الإنترنت مثل غوغل ويوتيوب وفيسبوك التي تسمح للمستخدمين بنشر المحتوى الخاص بها دون إعطائها أي حقوق تذكر.

وكانت 260 مؤسسة تضم دور نشر وصحفا ووكالات أنباء ومحطات إذاعية وشركات إنتاج ومؤسسات إعلامية، قد وقعت على مبادرة من أجل إصلاح قواعد حماية حقوق الملكية الفردية في الاتحاد الأوروبي.

ونشرت تلك المؤسسات نداء بعد لقاء في برلين تطالب فيه بمشاركة عادلة في نشاط الإنترنت وعوائده من أجل ضمان توفير شبكة إنترنت ثرية ومتنوعة ويكون للمعلومات والثقافة فيها مكان ثابت.

في المقابل واجهت الإصلاحات معارضة شديدة من شركات الانترنت العملاقة ومن بينها غوغل المالكة لموقع يوتيوب، والتي تحقق أرباحا طائلة من الإعلانات التي تجنيها من المحتوى الذي تنشره وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

كما واجهت الإصلاحات معارضة مؤيدي حرية الإنترنت الذين يخشون من أن تتسبب الإصلاحات في وضع قيود غير مسبوقة على حرية الشبكة، والإضرار بقنوات حصول المستخدمين على المحتوى والبيانات.

ويخشى المنتقدون من عدم تمكن المنصات من تطبيق اللوائح إلا باستخدام تقنية “مرشحات التحميل” التي تتيح إمكانية التحقق خلال التحميل مما إذا كانت الصور أو الفيديوهات أو المقاطع الموسيقية محمية بحقوق النشر.

وتم تنظيم عشرات الاحتجاجات في دول أوروبية مثل ألمانيا والنمسا وبولندا والبرتغال تحت شعارات ولافتات كتب عليها “انقذوا الإنترنت” و”لا تكسروا الإنترنت”.

ويؤكد المتظاهرون وشركات الإنترنت وجماعات الضغط المعارضة لهذا الإصلاح القانوني أنه سيلحق أضرارا كبيرة بحرية المعلومات والناشرين الصغار على الإنترنت ويؤدي إلى فرض رقابة على الإنترنت.

وحذر الاتحاد الألماني للشركات الناشئة من مخاطر هذا الإصلاح على الاقتصاد الرقمي إذا فرض على الشركات الناشئة استخدام “مرشحات التحميل” لرصد المحتوى تلقائيا من أجل تفادي انتهاك القانون. وأكد أن ذلك سيؤدي إلى تحملها تكاليف مرتفعة لأنها لا تستطيع تطوير تلك التقنية الباهظة بنفسها.

ويبدو من المستبعد أن يجد التشريع الجديد طريقا سلسا إلى التنفيذ لأنه يؤثر على مئات المشورات يوميا ويمكن أن يقلب حياة مئات ملايين الأشخاص، ولذلك من المرجح لأن يتعرض لتعديلات واسعة خاصة في ظل رفضه من قبل 6 بلدان أوروبية وتحفظ 3 بلدان أخرى.

17