قانون إعلام سوري جديد للتشويش على الإذاعات "المعادية"

تساؤلات كثيرة تدور حول جدوى قانون التعديلات على الإعلام السوري دون التطرق لوعود سابقة بشأن إصلاحات حقيقية أبرزها إلغاء عقوبة السجن بحق الصحافيين.
السبت 2020/12/05
عودة الصحف حتى إشعار آخر

يتم الحديث منذ سنوات عن إصدار قانون إعلام جديد في سوريا لإصلاح أوضاع القطاع وتوسيع هامش الحريات، وأخيرا أعلن وزير الإعلام السوري عماد سارة عن اقتراب صدور هذا القانون لكن لأهداف أخرى تتعلق بالرد على الإعلام المعارض دون إصلاحات حقيقية.

دمشق- أعلن وزير الإعلام السوري عماد سارة، عن اقتراب إصدار قانون الإعلام الجديد في سوريا بهدف فتح المجال لإحداث قنوات إذاعية خاصة للتشويش على “القنوات المعادية” التي تبث من شمال سوريا، بينما لم يتطرق إلى الوعود السابقة بإصلاح المنظومة الإعلامية وتوسيع هامش الحريات في مجال العمل الصحافي.

وقال سارة خلال مناقشة مجلس الشعب السوري لأداء وزارة الإعلام والقضايا المتصلة بعملها، أنه “تم رصد 17 قناة إذاعية معادية في الحسكة والعشرات منها في إدلب تبث الأفكار الوهابية والإخوانية”.

وأشار إلى أن الوزارة من خلال قانون الإعلام الجديد ستقوم بإحداث قنوات خاصة يتم وضعها على تردد هذه القنوات نفسه للتشويش عليها وهذا يحتاج إلى تعاون مع المتقدمين لإنشاء قنوات إذاعية خاصة.

وتفاجأت أوساط صحافية بعدم تطرق وزير الإعلام لوعوده السابقة بشأن تعديلات قانون الإعلام وأبرزها إلغاء عقوبة السجن بحق الصحافيين، فقد صرح مرارا طيلة الأشهر الماضية بقرب إصدار التعديلات النهائية والأخيرة لقانون الإعلام، وأهمها “مشكلة سجن الصحافي”، موضحا “كانت من أهم النقاط التي تمت مناقشتها، وكنا مصرين على أن الصحافي يجب ألا يعاقب بالسجن، فمن يقدم رأيا يجب ألا يعاقب بالسجن، وإنما من الممكن، إذا كان قد أخطأ في تقديم المعلومة أن يعاقب ماديا. والهدف من الغرامة المادية ليس معاقبة الإعلامي، وإنما ردع بعض الإعلاميين الآخرين عن اللجوء إلى المعلومات المغلوطة، أو استخدام هذه المعلومات الخاطئة لأسباب شخصية”.

عماد سارة: هناك دراسة لإعادة الصحف الورقية ولو صحيفة واحدة
عماد سارة: هناك دراسة لإعادة الصحف الورقية ولو صحيفة واحدة

ورغم الهالة الإعلامية الكبيرة التي أحاطت ببعض الصحافيين والناشطين الإعلاميين السوريين على مدار السنوات الماضية، لم يوفر ذلك لهم حرية العمل وإبداء الرأي. فقد حاول الصحافيون الاستفادة من الشعبية التي اكتسبوها على مواقع التواصل، إضافة إلى الدعم، على أنهم مقربون من مسؤولين في السلطة، ولديهم القدرة على الوصول إلى كل المناطق، وخاصة التي تشهد عمليات عسكرية، إلا أن السلطات رفضت الدور الجديد للصحافيين “بسبب تجاوزهم الحد، واتجاه عملهم إلى تجييش الناس بموضوع الخدمات وانقطاعها، إلى جانب بروز صوت نقدي لهم مرتفع داخل البلاد”.

وتعرض صحافيون وناشطون إعلاميون في الفترة الماضية، لاعتقالات في مناطق سورية مختلفة. واستخدم قانون “الجرائم المعلوماتية” الذي صدر ضمن قانون الإعلام الإلكتروني رقم 26 لعام 2011، لتنظيم التواصل مع العموم عبر الشبكات وضوابط الإعلام والنشر، الذي يتم عبر المواقع الإلكترونية، قبل أن تصدر آخر التشريعات بخصوص جرائم المعلوماتية، في المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012.

وأدرجت معظم الاتهامات الموجهة لبعض الصحافيين أو الإعلاميين تحت بند “قدح وذم شخصيات عامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، أو “التعدي على خصوصياتهم بنشر معلومات، حتى لو كانت صحيحة”.

وما بين عامي 2011 و2016 كانت ذروة التغطيات الإعلامية في سوريا، وأتاحت الحكومة السورية لصحافيين وشبكات ومواقع محلية العمل في المناطق التي يسيطر عليها النظام، وفي ساحات العمليات العسكرية.

وإلى جانبها ظهرت المئات من الصفحات الإخبارية عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملت مسميات بالمناطق التي تغطي الأخبار منها، ورغم تركيزها على الوضع الخدمي والمعيشي، لم تخرج عن الحد المسموح به في سوريا، دون التعرض للمواضيع السياسية.

وشهد قطاع الإعلام في سوريا منذ عام 2011 عدة تغييرات بدأت بالمرسوم رقم 108 لعام 2011، والذي تضمن تأسيس أول مجلس وطني للإعلام في سوريا.

رغم الهالة الإعلامية الكبيرة التي أحاطت ببعض الصحافيين والناشطين الإعلاميين السوريين على مدار السنوات الماضية، لم يوفر ذلك لهم حرية العمل وإبداء الرأي

وبحسب ما أفاد صحافيون فإن تشكيل المجلس كان بهدف إجراء إصلاحات في مجال الإعلام، وتطويره في سوريا وإيصال صورة للعالم بوجود إعلام حرّ في سوريا، يشرف عليه خبراء من القطاع الخاص والعام، لكنه لم يكتب له النجاح والاستمرار فقد أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوما، في أغسطس 2016، ألغى بموجبه المجلس بسبب عدم تكامل المهام بين عمله وعمل وزارة الإعلام.

وتشير تصريحات وزير الإعلام السوري الخميس، إلى أن الحكومة تتجه إلى فتح المجال لإطلاق قنوات إذاعية وتلفزيونية خاصة لتكثيف الخطاب الإعلامي الموجه للداخل السوري في ظل الأزمات الخانقة التي يعاني منها المواطنون، وقطع الطريق على وسائل الإعلام المعارضة خصوصا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والتي يصل مداها إلى المناطق المجاورة.

وأشار سارة إلى أنه سوف يدشن خلال أيام محطة بث في قلعة الحصن في حمص لتقوية البث والثغرات في الانقطاع على الطرق السريعة، مؤكدا أن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تنتج حاليا العديد من الأعمال الدرامية تكرس بطولات الجيش العربي السوري.

وتناول مجلس الشعب مسألة توقف الصحف الورقية في سوريا، واعتبر وزير الإعلام أن قرار إيقاف الصحف ورقيا صعب فليس من السهل أن يتم إيقافها، مضيفا “أوقفناها لأسباب صحية لأنه قيل لنا من وزارة الصحة إن الورق ناقل للفايروس وبالتالي لا نريد أن نتحمل مسؤولية وفاة أي شخص لاستخدامه ورق الصحف”.

وأضاف أن هناك دراسة لإعادة الصحف الورقية ولو صحيفة واحدة لكن الموضوع متعلق بالموجة الثانية لفايروس كورونا، وقال “علينا التريث قليلا لنتبين حقيقة وضع فايروس كورونا في سوريا”.

الإعلامية لونا الشبل جرى تعيينها بقرار من الرئيس السوري مستشارة خاصة في الرئاسة إضافة إلى مهامها السابقة
الإعلامية لونا الشبل جرى تعيينها بقرار من الرئيس السوري مستشارة خاصة في الرئاسة إضافة إلى مهامها السابقة

وكانت وزارة الإعلام السورية قد قررت تعليق إصدار الصحف الورقية في مارس الماضي، حتى إشعار آخر على أن تستمر بالصدور إلكترونيا، وشمل القرار جميع الصحف الورقية حكومية وخاصة.

وتقتصر الصحف الحكومية في سوريا على اثنتين مركزيتين، إضافة إلى صحيفة “البعث” شبه الحكومية، وهي التي يصدرها حزب البعث العربي الاشتراكي. وصحيفة “الوطن” الخاصة، وهي الوحيدة التي حصلت على ترخيص منذ عام 2000 كصحيفة سياسية يومية، وهناك جرائد محلية في المحافظات.

ويأتي الحديث عن إصدار قانون الإعلام الجديد بعد حملة تغييرات إدارية واسعة طالت الإعلام السوري، واعتبرت هذه التغييرات الأوسع في الإعلام منذ سنوات، والتي تجري دفعة واحدة.

وشملت التغييرات “المكتب الإعلامي والسياسي في رئاسة الجمهورية العربية السورية”، الذي كانت تتولى إدارته الإعلامية لونا الشبل، حيث جرى تعيينها بقرار من الرئيس السوري مستشارة خاصة في الرئاسة، “إضافة إلى مهامها السابقة”، بالتوازي مع صدور قرار بتعيين الصحافي أسامة شحود مديرا للمكتب الصحافي في القصر الجمهوري.

وأوضح شحود أن إدارته للمكتب الإعلامي ستكون بإشراف الشبل، إلى جانب بثينة شعبان التي لا تزال تشغل منصب المستشارة الإعلامية حاليا. وحسب القرار، فإن الشبل “التي أُدرج اسمها على قوائم العقوبات الأميركية مؤخرا”، انتقلت من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون إلى رئاسة الجمهورية. ولم تشمل التغييرات الجديدة في سوريا حقيبة الإعلام التي لا يزال الوزير عماد سارة محتفظا بها.

معظم الاتهامات الموجهة لصحافيين أو إعلاميين تحت بند "قدح وذم شخصيات عامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي"

وطالت التغييرات 15 منصبا في الإعلام الرسمي السوري، بقرار من رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس، بناء على اقتراح وزير الإعلام.

وشملت التعديلات نقل الموظف في القصر الجمهوري أمجد عيسى ليصبح مديرا عاما لـ”مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع” التي تصدر عنها صحيفتا “الثورة” و”تشرين” الحكوميتان وبقية صحف المحافظات. كما جرى تعيين ماهر عزام، مديرا عاما لـ”مؤسسة الإنتاج التلفزيوني والإذاعي”، التي تهتم بإنتاج المسلسلات بشكل أساسي.

وتدور الكثير من التساؤلات حول جدوى هذه التعديلات على أداء وإدارة الإعلام الرسمي، الذي وصفه الرئيس الأسد في مقابلة قبل سنوات بـ”المترهل”، وأكد على ضرورة تنظيفه من الفساد. وتساءل البعض من أهل المهنة، حول انعكاس هذه التغييرات في المناصب على تطور خطاب الإعلام الرسمي السوري، الذي أطلق قبل عام ونصف العام حملة “ساعدونا لنصير أحسن”، ولكنها لم تؤد إلى نتائج تذكر وبقيت حبيسة في رفوف الأرشيف، من دون وجود خطة واضحة وحقيقية أو إرادة وعمل مخلص، لإنقاذ الإعلام الرسمي السوري.

18