قانون "ازدراء الأديان" لا يحمي التعايش الأهلي

الخميس 2017/10/26
ازدراء الأديان لا علاقة له بالأديان

القاهرة – منذ أيام قليلة نظرت محكمة مصرية في قضية سالم عبدالجليل، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، ورجل الدين عبدالله رشدي لاتهامهما بازدراء الأديان. وكان نجيب جبرائيل أقام دعوتين ضد كل من الشيخ سالم عبدالجليل لظهوره على إحدى الفضائيات ووصف العقيدة المسيحية بأنها عقيدة فاسدة، وأيّده في ذلك رجل الدين عبدالله رشدي، وطلب المدعي بمحاكمتهما بتهمة ازدراء الدين المسيحي وتهديد الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وإثارة الفتنة الطائفية.

ازدراء الأديان قانون تتبنّاه دول عربية كثيرة، ويطبّق بموجبه العقوبة على كل من يظهر نوعا من الكراهية أو التحقير أو السخرية من ديانة أو مذهب أو طقوس أو رموز عبادية تأخذ صفة الاحترام والتقديس لدى أتباعها.

وتلتقي كل الديانات الإبراهيمية في تأييدها لقوانين تعاقب بتهمة ازدراء الأديان، لكن سن مثل هذه القوانين من شأنه أن يخلق إرباكات وتنازعات بين منظومات أخلاقية وحقوقية تصل إلى حد التضارب والتصادم، ذلك أن أفرادا قد وجهت لهم تهمة ازدراء الديانات في بلدانهم، خصوصا تلك التي تتبنّى في دساتيرها دينا رسميا للدولة، قد منحوا حق اللجوء في بلدان أخرى صونا لحرية الرأي والمعتقد.

مراقبون وحقوقيون يرون بأن قانون ازدراء الأديان قد أسيئ استخدامه وأصبح وسيلةً لقمع الآراء والأفكار. ففي مصر مثلا، وفي المادة 98 من قانون العقوبات المصري تحدّد عقوبة السجن مدة تراوح بين 6 أشهر و5 أعوام وغرامة تراوح بين ما يعادل 70 و140 دولاراً لكل “من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية”، وفي هذا الصدد يقول الباحث خالد منتصر، إن تهمة ازدراء الأديان أصبحت سيفا مسلطًا على رقاب المبدعين، وحادثة اغتيال المفكر فرج فودة، أصبحت رأس الذئب الطائر والكل تعلم منها فاستنكف الكثير من المبدعين مما أثر سلبا على حقول معرفية وإبداعية كثيرة.

شخصيات حقوقية وثقافية في العالم العربي دعت إلى تعديل قوانين تجريم ازدراء الأديان صيانة لحرية التعبير عن الرأي أو العقيدة أو الفكر مثل توجيه النقد أو الملاحظات إلى عقائد وشرائع تقوم بممارسات مهينة للكرامة الإنسانية، ذلك أن الحق في النقد لا يتعارض مع احترام الأديان والمقدسات في شيء.

كل الديانات تلتقي في تأييدها لقـوانيــن ازدراء الأديـان، لكـن سن القوانين يخلق تنازعات بين منظومات أخلاقية وحقوقية

وكذلك لا بد من منع تنزيه شخصية وإكسابها صفة الحصانة لمجرد أنها محسوبة على مؤسسة دينية، ويتم تطبيق قانون ازدراء الأديان عند التوجه بالنقد إلى هـذه الشخصية، فيتم اعتبار النقـد تهمة يعـاقب عليها القـانون، وهنا تكمن المشكلة في إشكالية قانون ازدراء الأديان الذي أصبح قامعا للآراء باسم الحفاظ على التعايش والسلم الاجتماعي.

وضمن تركيبته المطاطية، يتيح نص قانون ازدراء الأديان لأي شخص أن يستهدف أي صاحب رأي حر ببلاغات ودعاوى كيدية، متهما إياه بازدراء أو تحقير أو إهانة الدين، فهو لا يضع مفاهيم واضحة للمصطلحات التي يذكرها، مثل “ازدراء وتحقير الدين” أو “الإضرار بالوحدة الوطنية”، الأمر الذي قد يتيح إمكـانية تفسيرها بمـا تقتضيه المصلحة.

وفي بيان لـ“المبادرة المصرية للحقوق والحريات”، نشر في يونيو 2014، تحدث عن تصاعد وتيرة المحاكمات بتهمة ازدراء الأديان، إذ بلغت نحو 48 حالة ملاحقة ما بين عامي 2011 و2013. تحدث البيان عن “وجود حالة من التربص بحرية الرأي والتعبير من قبل أفراد ومؤسسات تريد فرض وصايتها على المواطنين”.

وفي الوقت الذي تلعب فيه قوانين تجريم ازدراء الأديان عربياً دور عصا السلطة ضد أصحاب الآراء التي لا تناسبها، نجدها في الدول الديمقراطية والحكومات المدنية، تعمل على صون المشاعر الدينية من الشعور بالإهانة، وحماية حريتَيْ العقيدة والتعبُد، والحفاظ على السلام المجتمعي.

الديمقراطيات المتطورة تجرّم بشكل مباشر وصريح الإساءة للأديان، وتعاقب بالحبس كل من يرتكب فعل التصريح بخطاب فيه تحريض على كراهية شخص أو أكثر بسبب لونه أو دينه أو عرقه أو انتمائه الإثني، ولكنها تفعل ذلك من منطلق مراعاة مشاعر أهل كل دين وحمايتهم من التحريض على الكراهية أو ممارسة العنصرية، وليس استجابة واسترضاء لسلطات دينية قمعية تمارس ما يشبه الحكم الموازي في المجتمع كما هو الحال في دول عـربية وإسـلامية كثيرة.

قيم التسامح والقبول بالمختلف داخل النسيج الاجتماعي، تنتعش وتزدهر في ظل الدولة المدنية والنظم العلمانية، لكنها تنحسر وتتراجع أمام تقدم القوى الظلامية التي تحكم باسم الدين وتنصب نفسها وكيلا حصريا يتحدث باسم المشيئة الإلهية.

هذا الأمر يلحظه القارئ الجيّد لتاريخ الدولة في العالمين العربي والإسلامي وكيف أن في مراحل ازدهارها عرفت التنوع والتسامح والقبول بالآخر، فشخص مثل أبي نواس في العصر العباسي قد قيل عن سلوكه الكثير، ومع هذا عاش مكرّما وليس مهانا، وكذلك أبوالعلاء المعري الذي اتهم بالإلحاد ولكنه اعتبر من أهم فلاسفة المرحلة، والمثال ينطبق أيضا على المتنبي الذي اتهم بادعاء النبوة، لكن كل هؤلاء عاشوا في ظل حيوية الدولة عندما كانت تسمح بالترجمة وتتقبل الآخر، أما عندما تسلطت السلطة الدينية فقد تم إعدام ابن المقفع وقتل السهروردي وإهانة الطبري عن طريق ضربه بكتبه على رأسه، لأن الثوابت يحددها رجال الدين تبعا لأمزجتهم ومصالحهم.

13