قانون ازدراء الأديان يطمس محاولات النقد والتنوير

الكاتب المصري خالد منتصر يقاضى بتهمة ازدراء الدين الإسلامي بسبب انتقاده لآراء الشعراوي "السلفية".
الثلاثاء 2019/11/19
بداية التطرف فكرة وشعار

خفت مجددا، في مصر، الحديث عن تجديد الخطاب الديني، مع التراجع النسبي في الأعمال الإرهابية. وكان هذا الأمر متوقعا وفق عدد من الخبراء والمفكرين، الذين وصفوا مثل ذلك الخطاب بـ”المناسباتي” و”المهدئ” الذي يعلو صوته عندما يشتد القصف الإرهابي ثم يخفت مع تراجعه رغم الحاجة الملحة إليه من جهة محاربة الإرهاب المتمثل في تنظيمات مثل داعش والقاعدة ومن جهة حماية المفكرين والمجتمعات وإرساء ثقافة تنوير هي الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأمم، فالتطرف ليس فقط في داعش بل هو أيضا أفكار سلفية متشددة تحارب الفكر والبحث، وتساعدها في ذلك قوانين مضادة على غرار قانون ازدراء الأديان.

القاهرة - يكشف بلاغ قضائي اتهم الكاتب المصري خالد منتصر بازدراء الدين الإسلامي، على خلفية انتقاده للشيخ محمد متولي الشعراوي ورفض آرائه وأفكاره المناهضة للعلم، عن أن مدى طريق تجديد الخطاب الديني لا يزال طويلا ومعقدا.

ويرصد المفكّرون تناقضا بين الخطاب الرسمي المؤيد لتجديد الخطاب الديني وبين القوانين التي تقوي الجانب المضاد، على غرار قانون ازدراء الأديان، ويعتبرون أن مثل هذه القوانين تدعم حالة التنمّر السلفي على حساب فتح المجال أمام المفكرين لممارسة دورهم والمشاركة في تدقيق وغربلة الخطاب الديني.

لكن، حتى يتحقق ذلك هناك خطوات أخرى يجب القيام بها، وتتعلق أساسا بموقف الدولة في حد ذاته. واعتبر الباحثون أن الخطاب الرسمي غامض في ما يخص العلمانية، حيث تلجأ الدولة في بعض الأحيان إلى الارتكان للخطاب الديني.

ليست المرة الأولى التي يواجه فيها خالد منتصر نفسه اتهاما بازدراء الدين الإسلامي، فقد سبق توجيه نفس الاتهام عدّة مرات، وكلما دخل في مواجهة فكرية مع الإسلاميين واجه بلاغات تحريضية ضده تتهمه بالإساءة إلى الدين.

ومقدم البلاغ هو أيمن محفوظ، الذي سبق أن قدم بلاغات قضائية ضد قيادات في جماعة الإخوان المسلمين بدعوى زعزعة الاستقرار، ما يزيح الستار عن السلفيين الذين استفادوا في السنوات الأخيرة من تركيز الضوء على الإخوان على حسابهم، رغم أن خطرهم لا يقل عن خطر الإخوان، حيث يتغلغل السلفيون في عمق المجتمع المصري.

تقديس الشعراوي

استند بلاغ الاتهام بازدراء الدين إلى تغريدات لخالد منتصر ذكر فيها أن كثيرا من الناس “تُقدس الشيخ الشعراوي وكأنه صنم، رغم أن الكثير من آراء الرجل تعادي العلم والوطن، والتحضر”.

اعتبر مُقدم البلاغ الداعية الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911ـ 1998) رمزا من رموز الإسلام وقال إن وصفه بـ”الصنم” يحمل إساءة له وازدراء للدين الإسلامي.

وردّ خالد منتصر على هذه التهمة في تصريح لـ “العرب” بقوله إنه يعرف مُنذ بدأ مشروعه الفكري المخاطر المنتظرة، ويعي تماما أن هناك سلفية تغلف العقول وتخرج إلى العلن كلما لاحت لها فرصة لممارسة إرهابها تجاه حرية الفكر والرأي الآخر. وتلجأ إلى الاغتيال المادي والمعنوي ضد أنصار الفكر التنويري المضاد لها.

تهم ازدراء الأديان وما يصاحبها من عنف وصل حد الاغتيالات وتفرقة الأزواج، وليس بالأمر الجديد في المجتمع المصري ومؤيدي السلفيين في بعض المجتمعات العربية، لكن الجديد، وفق خالد منتصر، هو أن الفكر السلفي وصل إلى قطاعات كانت على مدى سنوات طويلة مستبعدة من خطر التأثر الشديد بالفكر السلفي الرجعي مثل أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والصحافيين والمحامين.

ولفت منتصر إلى أنه واجه حملة شرسة من بعض الأطباء بسبب تعليقه على مقطع فيديو سابق للداعية يقول فيه إن أقصى مدة للحمل هي أربع سنوات، وكان من الغريب أن هؤلاء الأطباء نحّوا العلم الذي درسوه في الجامعات جانبا وآمنوا بكلام رجل بعيد عن العلم لأنه صار رمزا للدين.

خالد منتصر: معركة المثقفين الحقيقية فكرية وليست سياسية
خالد منتصر: معركة المثقفين الحقيقية فكرية وليست سياسية

وأشار إلى أن حالة غضب هيستيرية أصابت جمهور الشعراوي عندما كتب تغريدة تقول “إن الإسلام بُني على خمس ليس من بينها الشعراوي”، ثُم ساق فتاوى الداعية التي حرمت فوائد البنوك، وحظرت زراعة الأعضاء أو التبرع بها، ورفضت تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وكرهت العمل في السياحة، باعتبارها فتاوى رجعية تعبر عن عقل منغلق، ولا تتناسب مع المدنية الحديثة.

يتلقى منتصر عشرات الآلاف من رسائل التكفير والتهديد كل يوم على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه أكد أنه على استعداد لدفع ثمن كلماته التي يعتبرها ضرورية في ظل حالة الانغلاق المتزامنة مع صعود التيارات الدينية في العالم العربي.

وتابع قائلا “إنها قضيتي الأولى. منذ بدأت الكتابة وأنا أتحمّل كافة الإهانات والتهديدات ولا أردّ عليها”.

ولفت إلى أن معركة المثقفين الحقيقية هي معركة فكرية وليست سياسية، وكل الذين يطالبون بالديمقراطية من المثقفين يجهلون أن طريق النهضة الأول هو علمنة المجتمع، وفصل الدين عن السياسة تماما، لأن أي انتخابات ديمقراطية حرة في ظل تغلغل الجهل والفقر ستصب في صالح المتاجرين بالدين.

هيمنة السلفية

يؤيد مفكرون وباحثون ما ذهب إليه منتصر، حيث قال حسن حماد، أستاذ الفلسفة بجامعة الزقازيق، شمال القاهرة، لـ”العرب”، إن السلفية المهيمنة على المجتمع المصري لا تغضب حال انتقاد أحد الصحابة مثلما تغضب تجاه أي هجوم على الشعراوي الذي ما زال يحكم الكثير من قيم المجتمع من قبره.

وأكد أن هناك أساتذة جامعات يعتبرون الشعراوي إماما عظيما ورمزا دينيا، رغم خصامه التام مع العلم، ما يؤكد مدى التدهور الذي بلغه نمط التفكير في المجتمع.

وفي تصوره، فإن وجود قوانين تسمح بالحسبة الدينية، ووجود مادة في الدستور المصري تنص صراحة على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع تصبّ في البوتقة ذاتها التي ينطلق منها خطاب الجماعات الإسلامية، وكل هذا كفيل بإرهاب أي مثقف يسعى إلى نقد الخطاب الديني السائد.

كما أوضح المحامي فهمي بهجت، لـ”العرب”، أن المادة رقم 98 من قانون العقوبات المصري تعاقب كل مَن أساء إلى أي من الرموز الدينية، وعلى هذا الأساس فإن اعتبار الشعراوي أو أي داعية ديني رمزا دينيا من عدمه مسألة تترك لتقدير القاضي.

في ذات السياق أشار أشرف منصور، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، إلى أن لجوء البعض إلى الرد على الفكر بالدعاوى القضائية يؤسس لمحاكم تفتيش جديدة.

وقال إن الفكر لا يتم الرد عليه إلا بالفكر، لأنه حتى مع تبرئة المفكر المتهم أو حفظ الدعوى ضده، يخسر معنويا إذ تنال الضجة المثارة من سُمعته الدينية، ما يجعله عرضة للقتل على أيدي إسلاميين جهلاء يتصورون أنهم ينفذون أمرا دينيا بقتل أحد أعداء الدين.

وتعتبر قضية خالد منتصر امتدادا لقضايا أخرى شهدتها مصر على مرّ التاريخ حيث واجه مفكرون وكتاب وأدباء مصريون تهمة ازدراء الأديان. ولن تكون القضية الأخيرة مع تواصل حالة الازدواجية التي تميل كفتها لصالح الفكر المتشدد.

اقرأ أيضا: الشعراوي ومحفوظ القداسة من الدين إلى الأدب

12