قانون استعادة الجنسية والانتقام من الناجين

الجمعة 2015/11/13

رستْ سفينة التسويات اللبنانية الوهمية في مرفأ التوافق على قانون استعادة الجنسية، وتمرير الجلسة التشريعية تحت عنوان تشريع الضرورة.

ربما يجدر في هذا السياق قراءة معنى الجنسية اللبنانية ووظيفتها عند حامليها. كان اللبنانيون إبان الحرب الأهلية يعمدون إلى شراء جنسيات دول أفريقية وغيرها، كما أشار المؤرخ أحمد بيضون في تعليقات نشرها على صفحته على موقع فيسبوك مؤخرا. لم يعد خافيا على أحد سعي الكثير من اللبنانيين إلى شراء جنسية سورية بغية اللجوء إلى البلدان التي أعلنت عن قبولها استقبال اللاجئين السوريين.

يستقتل اللبنانيون في محاولتهم الحصول على جنسيات دول أوروبية. تشكل الجنسية الأميركية الحلم الأكبر الذي ما إن يحصل عليه اللبناني حتى يبادر إلى تصميم نظرة استشراقية حول البلد، وإطلاق التنظيرات حول ما يجب عليه القيام به ليكون بلدا. لعل النكات التي يتداولها اللبنانيون حول واقع نظرة حملة الجنسيات إلى لبنان عندما يأتون إليه في زيارة عابرة، تفصح بوضوح عن المكنون النفسي والاجتماعي المتعلق بفكرة الجنسية الأجنبية عند اللبناني.

من ناحية أولى يظهر المجنّس الزائر للبنان بوصفه العالم الذي صار لبنان ضيقا عليه، والذي يحاول المستقبلون غالبا التهيئة لقدومه باستعادة التراث وكل ما هو تقليدي. من ناحية ثانية يكشف عن دونية رهيبة عند اللبناني تجاه الآخر الذي بات ممثلا للعالم، والذي غالبا ما تكون أبرز الآثار الباقية من لبنانيته أنه يحب الكبة النية، التي ربما يدخل تناولها في بعض البلاد تحت طائلة الخضوع للمساءلة القانونية.

هذه الدونية تنتقل بقوة إلى المجال الداخلي، فيتداولها اللبنانيون الذين لا يزالون يقيمون في لبنان بوصفها تعبيرا كامل الأركان عن جوهر وطبيعة العلاقة التي تجمع بينهم.

الجنسية اللبنانية تمثل بالنسبة إلى اللبناني نوعا من الجحيم الذي لا يحتمل، وهو يبدي استعدادا دائما لمبادلته بأي جحيم آخر إذا كان أخف وطأة ولو بنسبة ضئيلة. من هنا نفهم أن التوافق القائم على منح الناجين من سطوة هذا الجحيم الحق في العودة إليه يكشف عن خفة لا تحتمل، وخصوصا أنه يتزامن مع مشهد الفرار اليومي اليائس لشباب لبنانيين من لبنان إلى أي مجهول يقبل بهم.

ربما تكون الرغبة الكامنة وراء هذا التشريع الذي استقبلته جل الأطراف اللبنانية بارتياح بالغ، هي رغبة في التنكيل بالناجين، ومحاسبتهم على نجاتهم ولو لم يستجيبوا للدعوات الكريمة باستعادة علاقاتهم مع هذا الجحيم النهائي التكوين.

نعلم أن سردا كثيرا سيصاحب الإعلان عن تمرير هذا القانون، ومعه سيعاد إنتاج الأسطورة اللبنانية التي سحبت منها متحفيتها المنجزة صلاحيتها للاستعمال، وأحالتها إلى مجال التخييل المحض، والذي كشفت سياقات تكراره أنه غير خلاق.

الخطير في كل اللعبة هو ذلك السعي الحثيث لسلب اللبنانيين الناجين قصصهم وسردهم، وسيرهم، وسرقتها وصبها في سياق الفلكلور التعايشي التوافقي اللبناني.

يتوزع اللبنانيون الفارون من جحيم البلاد على كل أقطار العالم، وهم قد بنوا حضورهم، وقصص نجاحاتهم، وفشلهم، وحيواتهم، انطلاقا من منظومات قانونية وقيمية لا ترتبط بأي صلة بكل ما أرسته الأهوال اللبنانية المتراكمة، والمتحولة إلى أحوال بأي شكل من الأشكال.

لبنان بالنسبة إلى كل هؤلاء يحيا في ذاكرة حنين ملتبسة، وغامضة، وشخصية، وتحتاج لغياب أي اصطدام مباشر مع لبنان اللحظة الحالية حتى يمكن الاحتفاظ بها، وحتى يكون البكاء على الأطلال ممكنا.

لبنان في لحظته المقفلة هذه لا يسمح حتى للبكاء على الأطلال بأن ينجز، لأنه حتى الأطلال لم تعد قابلة للانتساب لمن غادروها، فهي أطلال تخضع كل الوقت لتأويلات شتى، تجعلها جزءا من سياق الاحتراب الدائم الذي لم ينته حتى نقول إنه بدأ من جديد.

الفكرة أن الوهم اللبناني يقرأ لبنان بوصفه ظلا يتطاول على امتداد خارطة العالم كله، ولكن حال الظلال أنها لا تنمو في ظلام النفايات والفساد والمحاصصة، بل تحتاج إلى شموس لم تعد سماوات البلاد الملوثة قادرة على استقبالها.

كاتب لبناني

9