قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين: الطريق نحو المواطنة

مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر يواجه عدة صعوبات ناجمة عن الاختلافات في صيغ توافقية للتعديلات بين الطوائف المسيحية، حيث مازالت إشكاليات الطلاق والزواج الثاني في المجتمع القبطي تمثل نقاطا خلافية وعقبات أمام سن القانون، إلا أن في إقراره خطوة لترسيخ مبدأ المواطنة والمساواة بين المسيحيين والمسلمين لوجود قوانين تنظم حياتهم الشخصية.
الخميس 2017/02/09
المواطنة قبل الانتماء الديني

القاهرة – تصاعد الجدل داخل أوساط المجتمع القبطي في مصر حول صيغ قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين مع بدء الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) مناقشة مشروع القانون. وكان المستشار مجدي العجاتي، وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب المصري، قد أرسل خطابا للطوائف المسيحية، طالبهم فيه بضرورة التوافق على قانون موحد، تمهيدا لمناقشته في مجلس الوزراء، ثم إرساله للبرلمان خلال دور الانعقاد الحالي، لإقراره على غرار ما حدث في قانون بناء الكنائس.

يذكر أن الدستور المصري يمنح خصوصية للأحوال الشخصية للمسيحيين حيث تحدد الكنائس المصرية صيغ القانون الخاص بالطائفة القبطية، وينص الدستور المصري على أن “شرائع المسيحيين هي المبدأ الرئيسي في تشريعات الأحوال الشخصية”، وانطلاقا من الدستور، فإن الدولة لن تفرض قانونا في هذا الشأن، بل تترك للطوائف المسيحية حق صياغة بنود هذا القانون والاتفاق عليه، وبذلك تمنح الدولة الأقباط فرصة تاريخية للمواطنة، بإقرار قانون موحد.

مصادر كنسية كشفت لـ”العرب”، عن اتفاق اللجنة القانونية المشتركة للكنائس على صيغة القانون الموحد، باحتوائه رؤية عامة تشمل نقاط الاتفاق، مع وضع أبواب خاصة لكل طائفة على حدة، تتضمن لوائحها الشخصية.

لفت متابعون لقضايا الأحوال الشخصية في مصر إلى أن التوصل إلى قانون موحد لجميع الطوائف المسيحية يعاني من صعوبات في ظل تعدد الاختلافات بين الكنائس القبطية، ما قد يفرز أزمات بين الكنائس وداخل الطائفة الواحدة، خاصة إذا لا يتضمن مشروع القانون الجديد حلولا لإشكاليات الكثير من المسيحيين الذين يسعون للطلاق والزواج الثاني.

تعود إشكالية قانون الأحوال الشخصية للأقباط إلى عام 2008، على خلفية التعديلات التي أجراها البابا الراحل شنودة الثالث على لائحة الأحوال الشخصية المعروفة بـاللائحة 38، واقتصرت تلك التعديلات، على تحديد مسببات الطلاق في الزنا أو تغيير الملة، ما انعكس سلبا على فئة من المجتمع القبطي حيث باتت الكنيسة في صراع مع المتضررين أسريا ومن لا تشملهم شروط الانفصال.

ونالت تعديلات الكنيسة، في عهد البابا تواضروس على لائحة الأحوال الشخصية بتوسيع أسباب الطلاق، الاستحسان من الطائفة المسيحية لمنح المتضررين والعالقين على أبواب المجالس الإكليريكية من طالبي الطلاق الأمل في نيل مطالبهم.

وذكرت مصادر كنسية، أن مسودة مشروع القانون الجديد، تتكون من 137 مادة، تتناول كافة جوانب الأحوال الشخصية للأقباط، بدءا بالقواعد المنظمة للخطبة، وأركان الزواج وشروطه، وموانع عقد الزواج، وإجراءات العقد، وحالات بطلانه، وحقوق الزوجين وواجباتهما، وأحكام النفقة، مرورا بالحضانة وثبوت النسب وانحلال الزواج، وانتهاء بباب يخص لجان تسوية المنازعات الأسرية.

إصدار قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين، يمثل خطوة مهمة في اتجاه ترسيخ مبدأ المواطنة والمساواة

غير أن بنود القانون أثارت اختلافات بين الطوائف المسيحية، ففي الوقت الذي تصر فيه الكنيسة الأرثوذكسية على أن تكون الخطبة والزواج لأبناء الطائفة والملة الواحدة (كما ورد في المادة الـ13 من المشروع)، فإن الطائفة الإنجيلية تطالب بإتاحة الزواج المختلط وحرية الزواج بين الطوائف المختلفة.

كما يواجه المشروع تعثرا بسبب تباين الطوائف المسيحية الثلاث بشأن الطلاق، حيث لا تقر الكنيسة الكاثوليكية مبدأ الطلاق، وتعترف فقط بمصطلح “الانفصال الجسدي”، ومن ثم فإن موقف الأرثوذكس ينحصر فقط حول الزواج والمواريث، دون الطلاق.

ويعد رفض الكنيسة الإنجيلية الطلاق بسبب ما يسمى بالزنا “الحُكمي” من دواعي الخلافات بين الطوائف ويشمل الزنا الحكمي، من المنظور الكنسي الأرثوذكسي، أن يتخلى أحد الزوجين عن المسيحية ليتجه إلى الإلحاد، أو أن يعتنق دينا آخر، أو مذهبا غير معترف به من كنائس مصر، كما يتوسع الزنا الحكمي ليشمل المكالمات والرسائل الهاتفية، والتحريض على الدعارة، وتبادل الزوجات.

يقر النص القانوني بضرورة تشكيل لجان لتسوية المنازعات الأسرية المسيحية، على غرار المسلمين، كخطوة لحل الخلافات بين الزوجين قبل الطلاق، لكنه في المقابل يعزز من سلطة الكنيسة في قضايا الأسرة المسيحية، حيث اشترط مشروع القانون عدم قبول أي دعوى في المحاكم قبل العودة للمجلس الإكليريكي الخاص بكل كنيسة، وهو ما يخالف مبدأ الحق في التقاضي، كما يرأس هذه اللجان رجل دين، وهو ما يمثل عودة للمحاكم الملكية القديمة.

وأكد نبيل نجيب سلامة، المتحدث باسم الهيئة القبطية الإنجيلية، لـ”العرب”، التوجه نحو اتفاق الطوائف المسيحية على صياغة قانون موحد وتقديمه إلى مجلس النواب لإقراره، وسيحتوي القانون على بنود تراعي الاختلافات بين الطوائف الثلاث في مصر، في ما يتعلق بقضايا الزواج الثاني والطلاق.

ورأى خبراء أن يحتوي القانون الجديد كل ما يتعلق بمحتوى الأحوال الشخصية بين جميع الطوائف المسيحية، ثم وضع المواد الخلافية الخاصة بقواعد التطليق لكل طائفة في باب مستقل، يهدد فكرة القانون الموحد..

وأشارت كريمة كمال الباحثة في الشؤون القبطية، في تصريحات لـ”العرب” إلى أن القانون يكرس سطوة الكنيسة على حياة المسيحيين واختياراتهم في الحياة، وأن هناك رغبة من كل طائفة في التسلط والنفوذ على حساب الطائفة الأخرى، وسيدفع المواطن المسيحي تكلفة هذا الصراع المكتوم. ولفتت إلى أن هناك الآلاف من الحالات المنفصلة غير القادرة على الحصول على الطلاق من المحاكم منذ العشرات من السنين.

ورأت نادية حليم الباحثة السياسية، أنه بالرغم من الاختلافات والتباينات التي تواجه إصدار قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين، إلا أنه يمثل خطوة مهمة في اتجاه ترسيخ مبدأ المواطنة، والمساواة بين المسيحيين والمسلمين في وجود قوانين تنظم حياتهم الشخصية.

13