قانون "الأخبار الكاذبة" مسلط على منتقدي الجيش السوداني

القانون لا يوضّح تعريف التضليل ويسهّل سوء استخدامه.
الأربعاء 2020/11/25
وضع الصحافة لم يتغير كثيرا

يواجه صحافيون سودانيون تهديدات بمقاضاتهم بموجب قانون مكافحة نشر الأخبار الكاذبة ضد الجيش في حال نشر تقارير منتقدة، خصوصا بعد التعديل الأخير على القانون الذي شدد العقوبات دون أن يحدّد طبيعة الأخبار الكاذبة أو كيفية تشويه سمعة الجيش، فقد بقيت المصطلحات فضفاضة ما يمكّن بسهولة استغلالها لإسكات الصحافيين.

الخرطوم -  كانت الصحافية والكاتبة السودانية دورا غامبو تقضي إجازة في مصر عندما اتصل بها صديق لتحذيرها من انتقاد الجيش السوداني على الإنترنت، في نفس اليوم الذي أعلن فيه الجيش على فيسبوك أنه عين مفوضًا خاصًا لمقاضاة أي شخص يهين أو يشوه سمعة الجيش على الإنترنت.

وقالت كامبو، وهي مراسلة سابقة لـ”بي.بي.سي عربي” “نصحني صديقي في مايو الماضي، بأن أكون حريصة لأنه سمع من شخص في جهاز المخابرات أن الجيش كان يستهدفني أنا وصحافيين آخرين بهذا البيان”، بحسب شهادتها للجنة الصحافيين الدوليين.

وقالت اللجنة الدولية وفقًا لمقابلات أجرتها مع صحافيين وناشطين، أن إعلان الجيش تزامن مع سلسلة من التهديدات بمحاكمة الصحافيين بموجب قانون الجرائم الإلكترونية في السودان، الذي يعتبر من بقايا عهد الرئيس السابق عمر البشير، ويجرم نشر المعلومات الكاذبة على الإنترنت.

وشدد المجلس الانتقالي في السودان العقوبات في القانون خلال مايو الماضي، ويرى المسؤولون العسكريون وأطراف في المجلس أن “الأخبار المزيفة” تهدف إلى تشويه صورتهم، بينما يقول صحافيون ونشطاء سودانيون إنهم يخشون أن يستخدم الجيش هذه التهمة كسلاح لإسكات الانتقادات بدلاً من محاربة التضليل الإعلامي.

وقال محمد نيالا، عضو شبكة الصحافيين السودانيين، إن ثمانية صحافيين أفادوا بتلقي تهديدات عبر الهاتف من أشخاص يزعمون أنهم ضباط عسكريون منذ مايو.

والصحافيون الثمانية قالوا إن مضمون التهديدات يتعلق بحذف مقالات على الإنترنت ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد الجيش، وإلا سيتعرضون للأذى أو المقاضاة.

ويخشى الصحافيون الحديث علانية عن هذه التهديدات، ولا يفصحون عنها إلا لأصدقائهم المقربين.

المسؤولون العسكريون يخضعون للمحاسبة في حال قيامهم بتهديد الصحافيين، لكن المشكلة تكمن في إثبات التهديد

وشُددت أحكام السجن للعديد من الجرائم في تعديلات قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في يوليو الماضي، وتم رفع الحد الأقصى لعقوبة السجن بموجب المادة 23، والتي يقول المحللون إنها تتضمن حظرًا مبهمًا على “نشر أخبار كاذبة” لتهديد السلامة العامة، إلى أربع سنوات بدلاً من سنة واحدة.

وأصدر الجيش السوداني بيانا، قال فيه إنه عيّن مفوضا خاصا لرفع دعاوى قضائية ضد الأفراد الذين “يسيئون” إلى القوات المسلحة، بمن فيهم النشطاء والصحافيون الذين يكتبون على الإنترنت، داخل وخارج السودان.

وذكر المتحدث باسم الجيش قانون جرائم المعلوماتية المقلق، وهو قانون فضفاض جدا صدر عام 2007، واستخدمه النظام السابق لاستهداف المنتقدين على الإنترنت. ويُجرّم القانون مفاهيم غامضة مثل “نشر الأخبار الكاذبة” ونشر “محتوى مخل بالحياء أو مناف للآداب”.

ولم تصحح التعديلات الأخيرة الأحكام الإشكالية في القانون، لكنها بدلا من ذلك زادت أحكام السجن.

وهدد الجيش أيضا باستخدام قانون الصحافة والمطبوعات، وأحكام “الجرائم الموجّهة ضد الدولة” في القانون الجنائي لعام 1991.

وتقول وزارة العدل السودانية إنها اقترحت التعديلات على الحكومة وأنها لا تقوض حرية التعبير. ويمكن لأي شخص أن ينتقد الأجهزة الأمنية طالما أنها لا تنشر معلومات مضللة عن قصد، لكن في حال نشر أخبار كاذبة أو شائعات عن الجيش بنية الإضرار بالمؤسسة، فعندئذ ستكون هناك مشكلة وتداعيات قانونية.

وأشارت لجنة حماية الصحافيين، في تقرير سابق، إلى أن الصحافيتين عايدة عبدالقادر ولنا سبيل واجهتا تحقيقًا رسميًا في مايو بعد أن وثَّقتا حصيلة مقلقة لوفيات فايروس كورونا في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، مما دفع الحاكم العسكري للإقليم مالك خوجالي إلى التهديد باتخاذ إجراء قانوني ضد “أي شخص ينشر معلومات كاذبة”.

وتعرضت الصحافيتان لملاحقات ومضايقات واستدعاءات لمدة ثلاثة أيام من قبل الاستخبارات العسكرية ووالي شمال دارفور بعد نشرهما تقريرا بعدد الوفيات والنقص الحاد الذي يواجه المستشفيات في الولاية.

وسبيل وعبدالقادر من بين الصحافيين الذين أبلغوا شبكة الصحافيين السودانيين بأن مسؤولي استخبارات عسكرية مجهولين يهددونهم بإجراءات قانونية في مايو.

وتقول الحكومة السودانية إن المسؤولين العسكريين سيخضعون للمحاسبة في حال تم إثبات قيامهم بتهديد الصحافيين.

وأفاد محمد فقي -صحافي سابق وعضو في المجلس الانتقالي- بأن ضباط الجيش قد يواجهون اتهامات إذا كانت هناك أدلة موثوقة على أنهم يهددون المراسلين.

وأضاف “نحن بحاجة إلى أسماء لتأكيد الحقائق. من يتصل بهؤلاء الصحافيين؟ نحن بحاجة لأن نعرف من أجل اتخاذ تدابير لحمايتهم”.

ويعتبر مراقبون أن تعزيز الحماية في قانون الجرائم الإلكترونية سيساعد أيضًا على حماية الصحافيين وحرية التعبير.

وقال محمد عثمان، الباحث الذي يراقب شؤون السودان لصالح هيومن رايتس ووتش، إن القانون يحتاج إلى تعريفات لمصطلحات مثل الحفاظ على النظام العام والأخلاق.

وأضاف عثمان أن “القانون لا يوضح كيف يتم تحديد النية أو التعرف عليها ويمكن بسهولة إساءة استخدامها من قبل الشرطة وقوات الدعم السريع”.

وتابع “قوات الدعم السريع لم تقم بإجراءات علنية مثل الجيش. لقد ظلت هادئة جدا. نفس الشيء مع الشرطة، لكن من الواضح أن هناك قانونًا يمكنهم استخدامه في أي لحظة”.

ويخشى الصحافي ناصف صالح، مؤسس ومدير منصة “مونت كارو”، أن تستخدم قوات الدعم السريع القانون ضده.

ويتهمه أنصار قوات الدعم السريع بنشر أخبار كاذبة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لـ”مونت كارو”. لكنه قال إنه لم يتلق أي تهديد من ضباط قوات الدعم السريع، فالتهديدات تأتي دائمًا من شخصيات مدنية.

في الوقت الحالي، يعيش صالح خارج البلاد ورفض الكشف عن موقعه خوفا من انتقام المعارضين. وقال إنه ينوي العودة إلى السودان، لكنه يخشى مقاضاته لنشره أنباء كاذبة.

ويؤكد صحافيون آخرون أن القوانين السودانية التقييدية لن تمنعهم من انتقاد السلطات. وتشير دورا غامبو، مراسلة بي.بي.سي السابقة، إلى أن لديها أنصارا في الشوارع وفي الحكومة. ومعظم الصحافيين مثلها لم يرهبهم تحذير الجيش.

وقالت “إنهم يريدوننا فقط أن نتراجع لأنهم يخشون حرية التعبير”، وأضافت “إنهم هم المحاصرون، وليس نحن”.

18