قانون الأقباط للأحوال الشخصية يجدد الخلافات في مصر

احتكام المسيحيين لشرائعهم الخاصة بالأسرة يغير علاقة السلطة بالمؤسسات الدينية
الاثنين 2020/10/19
قانون الأقباط يهتم بكل تعاملاتهم بدءا بالزواج وصوال إلى إثبات النسب

يعبر مشروع قانون الأحوال الشخصية للأقباط عن رفضهم استمرار خضوع قوانينهم للأحكام الإسلامية، باعتبار ذلك ضد الدولة المدنية، وفق تقديرهم. ويتيح مشروع القانون هذا لغير المسلمين حق الاحتكام إلى شرائعهم في سن التشريعات المرتبطة بأحوالهم الأسرية، وهو ما يخلق خلافا مع الأزهر الذي يرفض المساس باستقلاله. وتعتقد دوائر كنسية، أن تمرير الحكومة لهذا القانون يحتاج إلى إرادة سياسية قوية.

تترقب الأوساط المجتمعية في مصر معركة محتدمة بين الحكومة وكل من الكنيسة والأزهر، بعد تقديم ممثلي الكنائس المصرية، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، فعليا مشروع قانون الأحوال الشخصية للأقباط إلى مجلس الوزراء، الخميس، تمهيدا لعرضه على مجلس النواب لمناقشته وإقراره، بعد فترة من التردد.

يرتبط الجدل المنتظر، باستناد الكنائس إلى المادة الثالثة من الدستور، التي تتيح لغير المسلمين حق الاحتكام إلى شرائعهم في سن التشريعات المرتبطة بأحوالهم الأسرية، بعيدا عن الاعتراف بما تقره الشريعة الإسلامية، باعتبارها الأساس الذي تنطلق منه التشريعات في مصر.

يجمع القانون كل تعاملات الأقباط، مثل الزواج الأول والثاني والخطبة والطلاق والنفقات وعلاقات الآباء بالأبناء وثبوت النسب وتسوية النزاعات والميراث والتبني، ويحظر قبول الدعاوى القضائية الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين قبل عرضها على الكنيسة، ولا يجوز الطعن في قرارات المجلس الإكليريكي أمام القضاء.

وقالت مصادر كنسية لـ”العرب”، إن مشكلة قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في عدم اتفاق بعض نصوصه مع الشريعة الإسلامية خاصة ما يتعلق بالمساواة في الميراث بين الذكور والإناث، وإقرار التبني الذي ما زال الأزهر يرفضه بشدة، ويعتبره خطرا على السلم المجتمعي، حيث يخلط بين الأنساب، وغير متوقع تمرير القانون بسهولة، فالمعركة سوف تكون بين التحضر والمدنية، والتراث والأصولية.

يبدو أن القانون الجديد الذي يمس عصب الأسرة المسيحية أصبح اختبارا لعلاقة الحكومة بكل من الأزهر والكنيسة، فالأخيرة تعوّل على التقارب الحاصل بين نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي والأقباط منذ وصوله إلى الحكم، والمؤسسة الدينية اعتادت تنصيب نفسها مدافعة عن الإسلام، ولا تقبل التشريعات المناهضة لتراثه.

ما يعطي للأمر أبعادا دقيقة بأن الكنيسة تقدمت بقانون يحكم حياة الأقباط وفق الشريعة المسيحية، كان مصيره التجميد، ومنذ ثمانينات القرن الماضي وهي تجاهد لتحريك الملف، وتقديمه للبرلمان للموافقة عليه.

وحصلت محامية قبطية على أحكام قضائية في مسائل أسرية بشكل فردي مؤخرا، وهو ما جدد الحديث حول قانون الأحوال الشخصية.

القانون الجديد الذي يمس عصب الأسرة المسيحية أصبح اختبارا لعلاقة الحكومة بكل من الأزهر والكنيسة

وارتبط تجميد الحكومات السابقة للقانون باحتوائه على مواد مفخخة، مثل التبني المحظور في البلاد وفق قانون الطفل الصادر عام 1996، والمساواة في الميراث، لكن الكنيسة في كل مرة تلتزم الصمت وترفض التصعيد خشية الصدام مع الحكومة والتيارات المتشددة التي ترى القانون اعتداء على الإسلام.

وما يطمئن الكنيسة هذه المرة هو أن القانون مدعوم من الرئيس السيسي، فهو من طالب الكنائس الثلاث بسرعة إعداد تشريع يحكم علاقات الأقباط وفق ما تقره دياناتهم، وحينها تصاعدت وتيرة الجدل وراج أن الحكومة تسعى إلى جعل المسيحيين فوق الدولة.

ويرى متابعون، أن إقرار القانون بهذه الصيغة يعكس وصول العلاقة بين الحكومة والكنيسة إلى مرحلة متقدمة من التناغم، لأن الأقباط يرفضون استمرار خضوع قوانينهم لأحكام إسلامية، باعتبار ذلك ضد الدولة المدنية.

وتعتقد دوائر كنسية، أن تمرير الحكومة لتشريع يحرر المسيحيين من هيمنة القوانين الإسلامية على حياتهم الخاصة يحتاج إلى إرادة سياسية قوية.

وغير معروف ما إذا كان دعم السيسي لقانون موحد يحكم الحياة الشخصية للأقباط، بمثابة صك لتمرير نصوصه كاملة بلا تعديل أم لا، فالحكومة اعتادت استخدام أوراق ضغط على الكنيسة، مثل الأحكام القضائية التي تفرمل سلطتها الدينية المطلقة، لكن التشريع الجديد يحررها من هذا الضغط، ويجعل قراراتها المرتبطة بالزواج والطلاق والميراث لا تخضع لولاية القضاء.

يصطدم سعي الكنيسة إلى التحرر المطلق من أوراق الضغط مع رفض الحكومة تحول المؤسسات الدينية لجمهوريات مستقلة بذاتها لا تخضع لقوانين الدولة، وهذه أمّ الأزمات مع الأزهر الذي يرفض المساس باستقلاله، وبالتالي غير متوقع منح استقلال كامل للكنيسة حتى لا تستخدمها مؤسسات دينية أخرى ذريعة للمطالبة بالمثل.

يخشى البعض أن يكون القانون مقدمة لإعادة إحياء أفكار قديمة جاهد الأزهر لإجهاضها، وعلى رأسها تصاعد المطالبات بالمساواة في الميراث بين الذكور والإناث، ويرى في قانون الكنيسة تحريضا موجها له ليكون أكثر مرونة في القضايا الأسرية.

من غير المتوقع تمرير القانون بسهولة
من غير المتوقع تمرير القانون بسهولة

وما زالت المؤسسة الدينية عاجزة عن تقديم قانون خاص بالأحوال الشخصية للمسلمين، وتصر على أن تكون وحدها دون غيرها منوطة بهذا الحق، فهي التي عارضت مشروعات تقدمت بها الحكومة ونواب في البرلمان دون أن تطلع عليها، ما يضعها حاليا في حرج بالغ، لتقدم الكنائس بقانون الأقباط، مقابل تراخيها عن إحراز أي تقدم في ذات الملف.

غير متوقع أن يكون الصدام بين الحكومة والكنيسة كما جرى في الماضي، لأن الحكومة تريد تكريس المدنية في أذهان الناس بعيدا عن المواءمات السابقة.

وترفض الكنيسة أن توصم بالمتخاذلة من جانب أتباعها، في حال تكرر تجميد القانون، فأغلبية المسيحيين متذمرون من تماهيها مع الحكومة، ويتم ترويضهم على فترات وتهدئتهم بالصبر مقابل إقرار هذا التشريع باعتباره جزءا في المعتقد الديني.

وقد يبتعد الأزهر عن المواجهة المباشرة مع الكنيسة بسبب الأحوال الشخصية، لكنه لن يجد صعوبة في الاستعانة بأصوات تتبنى حشد الرأي العام للوقوف في وجه القانون، وهو ما سبق حدوثه عندما قدم البابا شنودة، بابا الكنيسة القبطية الراحل، نفس القانون تقريبا، وجرى تجميده بعد تصعيد ديني متعمد.

وقال البابا شنودة في حينه، إن الاتجاه العام للدولة وعند الإخوة المسلمين ورموزهم ضد التبني والمساواة في الميراث، وأنا والكنيسة وقيادتها لا نريد أن نصطدم معهم لأننا لا نريد فرقة، وعكست هذه التصريحات التي مرت عليها قرابة ربع قرن أن الصدام قادم لا محالة، وقد تكون أطرافه متشعبة.

هل يكون قانون الأحوال الشخصية المسيحي نقطة تحوّل في علاقة الحكومة بالأزهر والكنيسة؟
هل يكون قانون الأحوال الشخصية المسيحي نقطة تحوّل في علاقة الحكومة بالأزهر والكنيسة؟

وإذا نجحت الحكومة في امتصاص الأزمة مقابل تنازلات ترضي الكنيسة من دون منغصات، قد تدخل معركة أخرى أكثر شراسة مع السلفيين الذين يسيطرون على الأرض أكثر من المؤسسة الدينية الرسمية، فهؤلاء ينظرون بسلبية إلى أيّ ميزة في الأحوال الشخصية تُمنح للأقباط.

ويرى مراقبون، أن الترويج لأفكار مغلوطة عن التبني صنعت حالة من الشك والريبة حيال قانون الأحوال الشخصية الكنسي، لأن المتطرفين نجحوا في إقناع شريحة واسعة من أنصارهم بأن إباحة التبني للمسيحيين سوف يكون مقدمة لنشر التبشير وزيادة أعداد الأقباط، ما يجعل منهم قوة مهمة في المجتمع.

ورغم نص القانون على أن التبني سيكون قاصرا على الأطفال المسيحيين، فإنه يمكن استمالة أطفال الشوارع ودور الأيتام ومجهولي النسب، وهؤلاء أعدادهم كبيرة وغير معروف دياناتهم، وهم الشريحة التي يخشى إسلاميون حصولهم على الديانة المسيحية، في ظل تصريحات قيادات كنسية بأن أطفال الشوارع لو تبناهم مسلم أو مسيحي أفضل من نومهم على الأرصفة.

بالتالي قد يكون قانون الأحوال الشخصية المسيحي نقطة تحوّل في علاقة الحكومة بالأزهر والكنيسة، فهل تسترضي الأولى الأقباط بتمرير نصوص تشريعية موجودة في شرائعهم تؤكد قدرتها على تكريس مدنية الدولة، أم تدخل معركة جديدة مع الأزهر مجالها هذه المرة الأحوال الشخصية للأقباط.

21