قانون الاتفاق النووي الإيراني يثير جدلا بين الجمهوريين وزعماء أوروبا

الثلاثاء 2015/09/15
الاتفاق النووي الإيراني يعد أفضل الخيارات أمام الغرب حسب العديد من المحللين

واشنطن - رغم مرور فترة على إعلان الوصول إلى اتفاق بين إيران والقوى الدولية (الدول الخمس دائمة العضوية زائد ألمانيا)، إلا أن الجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية لم يتوقفوا عن الحملة التي تستهدف إيقاف مواصلة إدارة الرئيس باراك أوباما لمسار الاتفاق مع إيران والذي يرتكز إلى وقف تخصيبها لمادة اليورانيوم وقبولها بخطط مراقبة أنشطتها النووية بشكل دقيق مقابل رفع الحصار الاقتصادي عنها وتركها تواصل أنشطتها “المدنية السلمية” في المجال النووي.

وبعد أن شهدت أروقة مؤسسات السلطة في أميركا صراعات عديدة حول نص مشروع القانون الذي مرره البيت الأبيض إلى الكونغرس والقاضي بتغيير السياسة الخارجية الأميركية تجاه إيران وفق بنود الاتفاق الأخيرة، خاصة رفع الحصار على الأموال الإيرانية المجمّدة في البنوك، تشارك في الفترة الأخيرة مجموعة من الزعماء الأوروبيين في حملة الديمقراطيين الأميركيين لتمرير قانون الاتفاق مع إيران، خاصة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي أصر على أن “الاتفاق مع إيران في ما يخص برنامجها النووي ينبئ بمرحلة جديدة معها على المستوى الدبلوماسي”.

وفي مقابل هذا الدفاع الذي أبداه كاميرون، يقف الجمهوريون في الولايات المتحدة بحدة أمام تنفيذ هذا الاتفاق الذي شارك الغرب في صياغته، وقد أكد ذلك النائب الجمهوري توم كوتون قائلا إن “الغرب بقيادة الولايات المتحدة سوف يعطي لإيران فرصة تاريخية لامتلاك سلاح نووي سوف تهدد به أمن العالم”. الأمر الذي أدى إلى جدل إعلامي حاد.

إقرار الاتفاق النووي مع إيران خطوة إيجابية

دافع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في يوليو الماضي بين القوى العالمية وإيران مع احتدام المناقشات في الكونغرس الأميركي بسبب المعارضة الشرسة للاتفاق بين الأعضاء الجمهوريين، ورغم ذلك فقد انتهى التصويت لصالح تمرير القانون. وقال كاميرون في تصريح له بعيد انتهاء التصويت “الآن سوف نبدأ مرحلة جديدة في علاقاتنا مع إيران. لقد توصلنا إلى اتفاق معقول وعلينا البدء بالتنفيذ”.

ديفيد كاميرون: ولد سنة 1966 درس السياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد، ثم انضم لحزب المحافظين وتدرج في العمل السياسي إلى أن أصبح رئيس وزراء بريطانيا سنة 2010

وبموجب اتفاق 14 يوليو سيتم رفع العقوبات على إيران مقابل أن تحدّ طهران لمدة عشر سنوات على الأقل من أنشطة برنامجها النووي الذي تخشى القوى الغربية وحلفاؤها أن يكون ستارا تسعى إيران من ورائه إلى إنتاج أسلحة نووية في حين أن طهران تنفي ذلك.

ودافع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرانسوا هولوند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بقوة عن الاتفاق في مقال نشرته صحيفة “الواشنطن بوست”.

وقال ديفيد كاميرون “لقد صوت الكونغرس هذا الأسبوع على ما إذا كان سيؤيد الاتفاق وقد أيده فعلا”. وأضاف “هذه لحظة مهمة، إنها فرصة مهمة في وقت يسود فيه غموض متزايد على مستوى العالم لإظهار ما يمكن للدبلوماسية أن تفعله”.

وقال كاميرون إن القوى الغربية قد أمضت مدة طويلة في النقاشات والمفاوضات والمساعي الدولية للوصول إلى اتفاق نووي مع إيران يلزمها بطبيعة نشاط معينة من الجانب النووي، الأمر الذي يعده الجميع “انتصارا” للغة المنطق والدبلوماسية وليس الحروب والالتجاء إلى القوة.

وأضاف قائلا “عامان من المفاوضات الصعبة والتفصيلية أنتجت اتفاقا يغلق كل السبل المحتملة لصنع سلاح نووي إيراني مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات المتعلقة بالنشاط النووي”.

وقد انتقدت مجموعة من الدول المحيطة بإيران هذا الاتفاق نظرا لخطورته على أمنها القومي وذلك لعدم وجود آليات جدية لمراقبة النشاط النووي الإيراني واستباق منع حصولها على القنبلة النووية، الأمر الذي دفع ديفيد كاميرون للتأكيد على أن “الاتفاق النووي مع الجانب الإيراني يتضمن آليات واضحة وعملية لمنعها من الوصول إلى القدرة النووية الحربية، وقد كانت هذه النقطة على رأس المباحثات بين القوى الغربية وإيران في كل لقاء تفاوضي”.

وقال رئيس الوزراء البريطاني في مؤتمر صحفي جمعه بقادة عدد آخر من الدول الأوروبية منهم أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي فرانسوا هولوند إن “الخطوة التي سيقدم عليها الكونغرس الأميركي في المصادقة على قانون الاتفاق النووي الإيراني هي خطوة مهمة جدا”، وأضاف “نحن واثقون من أن الاتفاق سيقدم الأساس لحل الصراع بشأن البرنامج النووي الإيراني بصفة دائمة”. وأضاف “هذا هو السبب في أننا نريد التنفيذ الكامل للاتفاق بمجرد استكمال جميع الإجراءات”.

عامان من المفاوضات الصعبة أنتجا اتفاقا يغلق كل السبل المحتملة لصنع سلاح نووي إيراني مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات

وكان زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا قد أعربوا عن ثقتهم، في وقت سابق من يوم التصويت على القانون، في الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين القوى العالمية وإيران بشأن برنامجها النووي، معلنين عن دعمهم له. ويصر أوباما على أن الاتفاق هو أفضل وسيلة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي في حين يقول منتقدوه ومن بينهم أعضاء في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي له، إن الضوابط غير ملزمة على الأمد البعيد بما فيه الكفاية، وأنها تسمح لطهران بامتلاك السلاح بمجرد انتهاء شروط الاتفاق.

وأشار ديفيد كاميرون في تصريحات صحفية إلى أن “الاتفاق النووي الإيراني الذي صادق عليه الكونغرس مؤخرا، يعد تقريبا أفضل الخيارات أمام الغرب، حيث لولا هذا الاتفاق لكنا دخلنا في حرب لإجبار إيران على التوقف عن برنامجها النووي”.

وأكد ديفيد كاميرون أن زعماء الاتحاد الأوروبي متفقون جميعا على أن الخيارات التي انتهجتها مجموعة الخمسة زائد واحد مع إيران هي خيارات "مدروسة ومبنية على تقارير علمية أوردتها الأجهزة البحثية المختصة في دولنا"، الأمر الذي ساعد السياسيين على اتخاذ القرارات عند التفاوض مع الطرف الإيراني.

الكونغرس أخطأ خطأ تاريخيا بتمرير قانون الاتفاق مع إيران

غالبية واسعة من الشعب الأميركي تعارض في الواقع هذا الاتفاق، الغالبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ صوّتت لصالحه وهذا أمر مرفوض، وسيشكل سابقة في تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة”. بهذا التصريح، بدأ السيناتور الجمهوري الأميركي وممثل ولاية أركينساو توم كوتون ردوده حول تصويت مجلس الشيوخ الأميركي على قانون يسمح لإدارة أوباما بالمرور إلى تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني الذي تمت صياغته في يوليو الماضي، مؤكدا أن “الجمهوريين يعارضون هذا القانون ولا يقبلونه لأنه خطر شديد على الأمن القومي الأميركي”.

توم كوتون: ولد سنة 1977 وهو أصغر نائب بالكونغرس الأميركي، وهو خريج معهد هارفارد اشتغل في سلك القضاء والصحافة قبل انتخابه نائبا عن ولاية أركينساو سنة 2015

وشهد الكونغرس مناقشات حادة لم ينجح خلالها الرئيس الأميركي في إقناع أي جمهوري في مجلس الشيوخ بمبادرته الدبلوماسية. وقال توم كوتون في هذا السياق “بالرغم من تجنب باراك أوباما استخدام الفيتو لتعطيل قرار المجلس بعد هذا التصويت، فسيذكر التاريخ أن 58 من 100 سناتور عارضوا أهم قرار حول السياسة الخارجية في رئاسته”.

وأفاد كوتون قائلا “في النهاية، هذا الاتفاق الناقص وفاقد الشعبية مع نظام غير موثوق يدعم الإرهاب، لن ينال موافقة الشعب الأميركي ولا مجلس الشيوخ”. وأشار كوتون إلى أن الاتفاق “سيمنح إيران القدرة على التخصيب في ما يعود القادة الإيرانيون للدعوة إلى حروب في المنطقة ويرجون دمارنا”.

وفي إطار القوانين العامة المعمول بها في الولايات المتحدة، فإن إقرار القانون الذي يجيز دخول الإدارة الأميركية في تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني لا يزال رهين إجراءات أخرى في مجل الشيوخ ومجلس النواب، وقال كوتون في هذا السياق “يبدو أن الجمهوريين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد”.

وأكد كوتون متحدثا عن معارضة الجمهوريين للاتفاق النووي “لم نأت بجديد، فمنذ بدء المفاوضات قلنا في أكثر من مناسبة، إن أوباما يسير في الطريق الخطأ” وأضاف، “العديد من زملائي يتجاهلون لهجة الكلام الإيرانية، والخطر الذي تشكله إيران على الولايات المتحدة وحلفائنا. هم أيضا متفائلون جدا بميكانيكيات التطبيق والمراقبة في هذا الاتفاق. هم بكل بساطة لا يصغون للشعب الأميركي الذي يعارض الاتفاق”.

وصرح رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر بأن الخيارات القانونية لا تزال موجودة لدى الجمهوريين بما يترك مجالا للمناورة السياسية والوصول إلى هدف إيقاف إدارة أوباما عن المرور إلى تنفيذه. وقال النائب الجمهوري توم كوتون في هذا السياق “سنستخدم جميع الأدوات في تصرفنا لوقف وإبطاء ومنع هذا الاتفاق من الدخول حيّز التنفيذ بالكامل”، دون أن يبدي مزيدا من التفاصيل، كما يتوقع إقرار إجراءات لمضاعفة المساعدات إلى إسرائيل.

وفي مجلس النواب أقر الجمهوريون نصا يعلن أن أوباما خالف قواعد الكونغرس بامتناعه عن إطلاع البرلمانيين على بروتوكول التفتيش الذي خضع لمفاوضات سرية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو المدخل الذي من خلاله يسعى الجمهوريون إلى تعطيل الاتفاق النووي. وقد أكد النائب توم كوتون الذي يمثل موقف جل النواب الجمهوريين أن رفع العقوبات المقبل مخالف للقانون، كما حذر المصارف من تعريض نفسها للملاحقة “بعد رحيل باراك أوباما” إن رفعت تجميد الأموال الإيرانية.

غالبية واسعة من الشعب الأميركي تعارض هذا الاتفاق والغالبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ صوتت لصالحه، وهذا أمر مرفوض

وأكد النائب كوتون أن الغرب “لم يحسن التفاوض مع إيران بالمرة، لأن القوى التي جلست مع إيران على طاولة واحدة لم تقم سوى بتسويات سطحية دون الولوج إلى لب القضية وهي القدرات الأولية لإيران على المستوى النووي”، مضيفا أن “الاتفاق يسمح لإيران بالحفاظ على بنى تحتية نووية واسعة مما يضعها على الطريق نحو قنبلة في حين لا تقوم بأي شيء لوقف الدعم الإقليمي العنيف للإرهاب، وفي الواقع هذا الاتفاق يسمح بذلك لأنهم سيحصلون على عشرات الملايين من الدولارات حسب هذا الاتفاق”.

تمرير الاتفاق النووي الإيراني يثير حفيظة الجمهوريين

فشل الأعضاء الجمهوريون المعارضون للرئيس الأميركي بمجلس الشيوخ في محاولتهم تعطيل الاتفاق النووي مع إيران، في تطور اعتبره باراك أوباما “انتصارا للدبلوماسية الأميركية”.

وقال الرئيس الأميركي إن “هذا التصويت يعد انتصارا للدبلوماسية وللأمن القومي للولايات المتحدة ولأمن العالم”. وأضاف “سنركز بعد الآن على العمل الأساسي الذي يتمثل في تطبيق هذا القرار والتحقق من تنفيذه لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي”. وفي تصويت إجرائي، أيد 58 سيناتورا “قرار عدم الموافقة” الذي اقترحه الجمهوريون وكان سيمنع الرئيس الأميركي من تعليق العقوبات المفروضة على إيران، مقابل 42 عارضوا النص الذي يتطلب تمريره 60 صوتا. وصوت جميع الأعضاء الديمقراطيين باستثناء أربعة لمصلحة المبادرة الدبلوماسية للرئيس أوباما الذي أصبح بإمكانه تطبيق الجانب المتعلق به من الاتفاق المبرم في 14 يوليو في فيينا بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين وفرنسا) وألمانيا من جهة وإيران من جهة أخرى.

أوباما تعرض لانتقادات حادة من قبل الجمهوريين بعد تمكنه من تمرير القانون في الكونغرس

وكان أمام الكونغرس مهلة تنتهي في 17 سبتمبر الجاري ليبدي رأيه في الاتفاق. لكن منذ بداية سبتمبر بات معروفا أن الجمهوريين لن يتمكنوا من جذب عدد كاف من الديمقراطيين لتحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة لتجاوز فيتو رئاسي. وشهد الكونغرس مناقشات حادة لم ينجح خلالها الرئيس الأميركي في إقناع أي جمهوري في مجلس الشيوخ بمبادرته الدبلوماسية. لكنه لن يضطر لاستخدام الفيتو لتعطيل قرار المجلس بعد هذا التصويت.

وقد أثار نجاح الديمقراطيين في تمرير القانون لمرحلة التنفيذ حفيظة عدد من المسؤولين الأميركيين الجمهوريين ومنهم وجوه سابقة في الإدارة الأميركية، حيث وصف نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني وهو من صقور السياسة الخارجية الأميركية الاتفاق حول برنامج إيران النووي الذي يستعد الكونغرس الأميركي للتصويت عليه بأنه “استسلام” و”ضرب من الجنون”.

وقال تشيني أمام مركز “أميركان أنتربرايز أنستيتيوت” للأبحاث في واشنطن إن الاتفاق “سيساهم في تسليح وتمويل إيران من خلال منحها السبل لحيازة ترسانة نووية”.

وأضاف تشيني نائب الرئيس السابق جورج دبليو بوش الذي كان أحد مهندسي الاجتياح الأميركي للعراق في 2003 “ليس اتفاق سلام وهو ليس كما يؤكد الرئيس أوباما البديل الوحيد للحرب، لكنه ضرب من الجنون وهو استسلام”. وتابع الاتفاق “يعطي طهران الوسائل لشن هجوم نووي على الأراضي الأميركية ويهدد أمن الحلفاء العرب في الشرق الأوسط وأمن أوروبا”. وأضاف “هناك أيضا عواقب على أمن العالم مستقبلا”. وأوضح أن “النازيين قاموا بقتل ستة ملايين يهودي خلال سبع سنوات أثناء الحرب العالمية الثانية وستتوصل ‘إيران النووية’ إلى النتيجة نفسها في يوم واحد فقط”.

وتورد وسائل إعلام أميركية عديد التقارير عن رفض تام للجمهوريين لهذا الاتفاق، الأمر الذي ينبئ بتصدير هذا الخلاف إلى الشارع بعد أن خسر الجمهوريون معركة الكونغرس.

12