قانون البطاقة الموحدة في العراق يدفع الأقليات الدينية إلى الهجرة

سجال يثار مؤخرا، حول مشروع قانون الأحوال الشخصية العراقي في ما يتعلق بإجبار القاصر على اعتناق الديانة التي يعتنقها أحد أبويه في حال عدم بلوغه سن الرشد، أي أن يكون الشخص دون سن الثامنة عشرة مسلما رغما عنه بمجرد أن يغير أحد أبويه دينه إلى الإسلام. وقد كشف هذا السجال في البرلمان العراقي مدى جموح النزعة التسلطية لدى السلطة القائمة التي تسعى للتدخل حتى في المجال الذاتي والروحي للإنسان عبر تحديد دينه دون رضاه.
الخميس 2015/11/12
قانون إجبار القصر على اعتناق الإسلام يذكي موجة هجرة الأقليات من العراق

بغداد- قال بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس روفائيل الأول ساكو إن إقرار قانون البطاقة الموحدة يقسم العراقيين ولا يوحدهم، مشيرا إلى أنه سيطرق أبواب المحاكم الدولية كي “نسمع صوتنا على الصعيد العالمي ونقدم دعوى قضائية إلى المحكمة الدولية ضد مجلس النواب العراقي”.

وأوضح ساكو في رسالة وجهها إلى رئيس مجلس النواب العراقي أن تصويت مجلس النواب العراقي على قانون البطاقة الوطنية الموحدة في الشهر الماضي سبب قلقا وجدانيًّا للمسيحيين والأقليات غير المسلمة الأخرى لإكراه الأولاد القاصرين (دون 18 عاما) على اعتناق الدين الإسلامي عند إشهار أحد الوالدين إسلامه.

وأشارإلى أنّ تصويت النواب على مثل هذا القانون يتناقض مع القرآن الكريم الذي يعلن في أكثر من آية أنه “لا إكراه في الدين” ومع العديد من أحكام الدستور العراقي كالمادة 3 التي تعتبر “العراق بلدا متعدد القوميات والأديان والمذاهب”، والمادة 37 /2 التي تنص على أن الدولة “تكفل حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني”، والمادة 42 التي تقول إن “لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة”. ولأننا جزء من الأسرة الدولية، فإن هذا القانون يتنافى مع حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

وناشد ساكو الرئيس العراقي فؤاد معصوم، بإعادة القانون إلى مجلس النواب بهدف تعديله ودعا النواب إلى أن يتحملوا مسؤوليتهم في تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية لجميع العراقيين، محذرا في الوقت نفسه من أنه في حالة تطبيقه، سوف نقدم دعوى قضائية إلى المحكمة الدولية ضد مجلس النواب.

تصويت الأغلبية النيابية على مثل هذا القانون يتناقض مع الإسلام الذي ينص على أن لا إكراه في الدين

وقد كان مجلس النواب قد صوت الشهر الماضي على مشروع قانون البطاقة الوطنية، ويتضمن فقرة تجبر القاصرين غير المسلمين على اعتناق الدين “إكراها”، الأمر الذي أثار جدلا ضد الحكومة وعدد من البرلمانيين من ذوي الديانة الإسلامية (شيعة وسنة). وقد علق بعض المراقبين على هذا الحدث بالقول أن المسألة منتظرة نظرا لطبيعة الدستور والعملية السياسية التي تحوي طابعا طائفيا بامتياز.

وتابع ساكو في رسالته قائلا “بخصوص قانون البطاقة الوطنية الموحدة، لاسيما المادة 2 من الفصل 26 منه، المتعلقة بالقاصرين الذين اعتنق أحد والديهم الدين الإسلامي، فإن المادة 18 من قانون الأحوال الشخصية المتعلق بالقاصرين، تجبرهم على اعتناق الإسلام بمجرد أن تشهر الزوجة، الأم، إسلامها، يلحق بها كل أولادها غير البالغين، ويخير زوجها بين الإسلام أو التفريق، أي الطلاق، وإن القانون نفسه يسري على الزوج، الأب، أيضاً”، عدا ذلك فـ”النص يلغي تماما شرع الديانات الأخرى وخصوصاً المسيحية، وهي ديانة سماوية، ويتعارض كذلك مع المادة 2/37 من الدستور العراقي التي تضمن تكفل الدولة بحماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني”.

وقد أكد من جهته عضو المجمع الفقهي العراقي عبدلله السعدي، أن “هذا القانون لا علاقة له بالدين الإسلامي، بل يتعارض مع تعاليم الإسلام”. وقال إن “الإسلام نصّ على أن ‘لا إكراه في الدين’ الأمر الذي يؤكد أن الدين الإسلامي يرفض رفضاً قاطعاً مبدأ الإكراه والإجبار في اختيار الدين، كما يشير النص إلى أنّ كل ما رفضه العقل مرفوض، ما يعني أن الشخص له حرية الاختيار، وفقاً لما يختاره عقله ولا يجبر على ما خالف ذلك”.

القانون يزيد من احتمالية الهجرة الجماعية للأقليات الدينية إلى الخارج في حال عدم موافقة الحكومة على تغيير أو تعديل المادة

وأضاف السعدي أن “الدين الإسلامي دين مؤاخاة وتسامح، وقد تعامل مع الديانات الأخرى بأخوّة، وكفل لهم حق العيش والتعبير والاختيار وفقاً لضوابط معينة، وقوانين تطبّق على المسلم وعلى غيره دون أيّ تمييز”، مبينا أن “الإسلام لم يتعامل مع الديانات الأخرى بشكل مختلف عن المسلمين، بل إنّ الناس سواسية في الحقوق والواجبات، وهذا أمر تؤكّده النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والروايات التاريخيّة”.

ودعا إلى “تعديل هذا القانون وإبقاء الأولاد القاصرين على دينهم وعدم تغييره في الوثائق الرسمية، إلى أن يبلغوا سن الرشد، وبحسب القانون المدني يحدد بـ18 سنة، وحينئذٍ يختارون بمحض إرادتهم وحريتهم الدين الذي يرونه مناسبا لقناعاتهم”.

وقال النائب المسيحي يونادم كنا إن المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية تفرض على الأولاد القاصرين أن يتبعوا من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين وهذه المادة مجحفة ومحبطة ومرفوضة ولا تنسجم مع مبادئ الدستور وتخرق مواده، وأوضح قائلا “لقد سعينا قبل جلسة التصويت على القانون لمعالجة المادة 26 بما يضمن للأولاد القاصرين البقاء على دينهم لغاية بلوغهم الثامنة عشرة من العمر، ثم يكون لهم الخيار بعد ذلك، أو إلغاء المادة من أساسها كونها غير دستورية”، وأضاف أن أغلب النواب “لم يبدوا أي تفهم لمطلبنا وصوتوا بالأغلبية على بقاء النص الوارد في مشروع القانون والمستل من قانون 65 لسنة 1972 العائد لزمن النظام السابق”.

ويرى كنّا أن هذا النص مجحف بحق الأديان غير الإسلامية ويسلب إرادة الإنسان في إيمانه ودينه وعقيدته، عكس ما يؤكد عليه الإسلام أن “لا إكراه في الدين”، فهذا النص يزيد من احتمالية الهجرة الجماعية للأقليات الدينية إلى الخارج في حال عدم موافقة الحكومة على تغيير أو تعديل المادة المختلف عليها، مضيفا “لذلك علقنا مشاركتنا في جلسات المجلس احتجاجا على هذا التشريع غير المنصف”.

13