قانون العدالة الأميركي "ضد رعاة الإرهاب" غير عادل

تعيش واشنطن حالة من القلق عقب دعم الكونغرس لقانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” الأميركي -جاستا- وإبطاله لحق النقض “الفيتو”، الذي استخدمه الرئيس باراك أوباما ضد مشروع القانون الذي يسمح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر بمقاضاة السعودية، في خطوة قال خبراء ومسؤولون أميركيون إنها ابتزاز وقرار مسيس لا ينفصل عن أجواء الانتخابات التي تعيش على وقعها الولايات المتحدة، فيما قلل خبراء سياسيون واقتصاديون سعوديون من تأثير وصفوه بأنه “سلاح بلا رصاص”، معتبرين أن إقراره تم لأسباب سياسية تتعلق بالانتخابات الرئاسية الأميركية القريبة وأنه يمكن بسهولة مواجهته في حال طبق على السعودية من خلال مبدأ “المعاملة بالمثل”.
السبت 2016/10/01
فاتت فرصة التدارك

واشنطن – “هذا القانون، الأول من نوعه، قد يفتح الباب أمام دعاوى قضائية كثيرة يمكن أن ترفع على الولايات المتحدة بتهمة دعم الإرهاب وارتكاب جرائم حرب في دول مثل أفغانستان والعراق وفيتنام وغيرها”، هي النتيجة التي قال خبراء ومسؤولون أميركيون إنها ستكون من تداعيات تصويت الكونغرس الأميركي على قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب”، المعروف بـ”جاستا”.

وأكّد الخبراء أن السعودية لن تكون أكبر المتضررين من هذا القرار، ولن تقف تداعيات تمرير هذا القانون عند تهديد السعوديين بسحب ودائعهم والمليارات من الدولارات من استثماراتهم في الولايات المتحدة، بل ستكون لها آثار سياسية واستراتيجية لا يستهان بها، خاصة وأن القانون يشكل سابقة خطيرة.

وأبطل مجلس النواب الأميركي (الغرفة الأولى للبرلمان) حق النقض الذي استخدمه الرئيس باراك أوباما ضد مشروع القانون الذي يسمح لعائلات ضحايا الهجمات الإرهابية بمقاضاة دول أجنبية، وبالتحديد الدول التي ينتمي إليها المهاجمون. وبذلك تصبح للمسودّة قوة القانون، ويكون بإمكان عائلات الضحايا والناجين من أحداث 11 سبتمبر مقاضاة السعودية على اعتبار أن منفذي الهجوم يحملون جنسيتها.

وينظر المسؤولون الأميركيون الرافضون لهذا القانون، والذين ذهبوا إلى وصف تصويت الكونغرس لصالحه بـ”غير المسؤول” و”الغبي”، بقلق إلى تطورات الوضع خاصة وأن المملكة العربية السعودية التي يتعاملون معها اليوم ليست نفسها التي ارتبطت بها الولايات المتحدة قبل ثمانية عقود.

وقد أثبتت السعودية في السنتين الأخيرتين ذلك، قولا وفعلا، عندما أطلقت عاصفة الحزم في اليمن، في مارس 2015؛ وعندما شنت حملة دبلوماسية ضد السويد، العام الماضي، أحدثت هزة لوضع الدولة الاسكندنافية في العالم العربي، وهددت مصالحها الاقتصادية في الخليج العربي، بعد أن انتقدت وزيرة خارجيتها مارغوت والاستروم السجل الحقوقي للمملكة السعودية بأسلوب حاد، لكنها في النهاية أجبرت على التراجع.

وفي سياق التحول في العقيدة الدفاعية فتحت قنوات تواصل مع شركاء من أوروبا وآسيا وقوى إقليمية ودولية أخرى، على رأسها روسيا، التي وقعت معها اتفاقية نووية في واحدة من المرات القلائل التي تتخذ فيها الرياض طريقا معاكسا للولايات المتحدة التي اختارت التعاون مع طهران دون أن تتفاهم مع شركائها وحلفائها الرئيسيين في الحرب على الإرهاب وفي العلاقات التجارية والاقتصادية والإستراتيجية في الشرق الأوسط.

خوان كول: تصويت الكونغرس لصالح مشروع جاستا ضد السعودية طعنة من الخلف للأميركيين

ويستحضر المسؤولون الأميركيون القلقون من تداعيات هذا القانون مواقف السعودية خلال تصاعد الانتقادات ضد حكومات الإخوان التي دعمتها واشنطن، خصوصا في مصر، حيث لم تتوان القيادة السعودية عن السير في خط معاكس للخط الأميركي الداعم للإخوان، بل إنها لم تتوان عن الضغط على قطر، العضو في مجلس التعاون الخليجي، الداعمة بدورها للإخوان.

وقد وجهت السعودية، في ذروة تلك الأزمة (مارس 2014) تحذيرا شفويّا إلى الدوحة لمراجعة سياستها التي تخل، لا فقط بالأمن القومي الخليجي، بل بالأمن القومي العربي، ككلّ، وعندما لم يؤت التنبيه الشفوي أكله قرّرت المملكة العربية السعودية، في خطوة بمشاركة مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتّحدة، سحب سفرائها لدى الدوحة.

لذلك، لم يعد الأميركيون يستهينون بقدرات السعودية التي تحتكم على ترسانة من الوسائل التي تكفل لها رد الفعل على القانون من ضمنها تجميد الاتصالات الرسمية وسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأميركي، بل والأخطر من ذلك هناك من ذهب إلى التحذير من أن الدول الخليجية، المتضررة من إيران والداعمة للسعودية، قد تحذو حذوها في ما يخص تجميد التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والاستثمار وصفقات السلاح والسماح للقوات المسلحة الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية.

الحصانة السيادية

وضعت الولايات المتحدة، التي كثر أعداؤها في العالم، نفسها في مأزق سيجعلها تحاكم على قاعدة “كما تدين تدان” وسط توقعات بأن تنتقم العديد من الدول بطريقتها الخاصة من قانون جاستا وتجبر الأميركيين على محاكمتهم في محاكمها بتهم رعاية الإرهاب في أفغانستان وسوريا والعراق وغيرها من ساحات القتال؛ فمثلا وعد جمال شاري، رئيس المشروع الوطني العراقي، بمقاضاة الحكومة الأميركية على الإرهاب في العراق في حال أصبح مشروع قانون جاستا ساري المفعول. كما أثار القانون خشية دول أخرى، فعلى سبيل المثال، قال البرلمان الهولندي إن جاستا هو “انتهاك صارخ وغير مبرر للسيادة الهولندية”.

وفي رسالة وجهها إلى أعضاء الكونغرس، قال ويليام كوهين، وزير الدفاع الأميركي في إدارة الرئيس بيل كلينتون خلال ولايته الثانية، “إذا أصبح جاستا قانونا نافذا، سوف يتم تقويض حماية الحصانة السيادية بشكل تام، والتي تعتمدها الولايات المتحدة وجميع الدول ذات السيادة لعدة قرون، وبالتالي يمكن أن تجد قواتنا، ودبلوماسيونا وجميع موظفي الحكومة الأميركية العاملين في الخارج أنفسهم خاضعين لدعاوى قضائية في بلدان أخرى، وهذا ما لا يجب أن يحدث”.

تداعيات سياسية لقانون جاستا:
*تقليص التعاون السعودي مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب.

*التعاون الأمني والاستخباري قد يصبح موضع شك إضافة إلى مجالات تعاون أخرى أبرزها المال والاقتصاد.

*تقويض حماية الحصانة السيادية التي تعتمدها الولايات المتحدة وجميع الدول ذات السيادة.

*قد تعمد بعض الدول إلى استغلال قانون جاستا وتحاكم الأميركيين بتهم رعاية الإرهاب في أفغانستان وسوريا والعراق وغيرها من ساحات الصراع في العالم.

وأضاف “مصالح أمننا القومي، وقدرتنا على محاربة الإرهاب ودورنا القيادي في العالم سوف تتعرض كلها للخطر الشديد، بالإضافة إلى أن هذا التشريع سيقوض قدرتنا على التنسيق والتشاور مع الدول الأخرى لمحاربة الإرهاب”.

وكان أوباما وكبار قادة الجيش والاستخبارات قد حذروا مرارا من أن هذا القانون لا يخدم مصالح الولايات المتحدة، ويعرض الحكومة الأميركية لقوانين مشابهة، وباستطاعة هذه الدول اللجوء إلى مبدأ المعاملة بالمثل الذي يحكم العلاقات الدبلوماسية، من أجل الرد على هذا القانون.

وتقول المادة السادسة من القانون “لن تكون هناك دولة أجنبية محصنة أمام السلطات القضائية الأميركية في أي قضية يتم فيها المطالبة بتعويضات مالية من دولة أجنبية نظير إصابات مادية تلحق بأفراد أو ممتلكات أو نتيجة لحالات وفاة تحدث داخل أميركا وتنجم عن فعل إرهابي أو عمليات تقصيرية أو أفعال تصدر من الدول الأجنبية أو من أي مسؤول أو موظف أو وكيل بتلك الدولة أثناء فترة توليه منصبه بغض النظر إذا كانت العمليات الإرهابية تمت أم لا”.

تهمة باطلة

قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن هناك أملا في أن تعمل إدارة أوباما، في الأيام القليلة المتبقية لها في البيت الأبيض، على الاستفادة من أحكام التشريع التي تسمح للمدعي العام بالتدخل مباشرة في إجراءات المحكمة المدنية، وذلك بهدف تأخيرها في حال تمكنت الحكومة الأميركية من إقناع القاضي أن واشنطن والرياض تجريان محادثات لتسوية الأوضاع خارج المحكمة.

وكتب شيت ناجل، العميل السابق في الاستخبارات الأميركية، في يومية “دايلي كولر”، منتقدا القرار بقوله “نأمل أن لا يدفع تصويت الكونغرس على تمرير قانون جاستا السعوديين إلى أن يرفعوا بدورهم شعار الموت لأميركا”، على غرار الإيرانيين، الذين يرى ناجل أنهم معنيون أيضا بهذا القرار وسيكونون في صف الخاسرين مع الولايات المتحدة.

وأضاف “تم الدفع نحو المصادقة على قانون جاستا في الكونغرس كوسيلة لجعل الحكومة السعودية ومواطنيها يدفعون ثمن إرهاب تنظيم القاعدة. وهو عكس ما تعامل به الكونغرس مع إيران، الدولة الراعية للإرهاب، بل سمح بتوقيع الاتفاق النووي معها”.

يسعى أعضاء في مجلس الشيوخ والكونغرس الآن إلى أن يظهروا أنهم صارمون في مواجهة الإرهاب في عام الانتخابات، لذلك سارعوا إلى تمرير مشروع قانون جاستا دون نقاش ودراسة متأنية لآثاره؛ ومثل الاتفاق النووي مع إيران، سوف يكون قانون جاستا خطيرا جدا ومكلفا للغاية بالنسبة إلى أميركا وبقية العالم.

سلمان الأنصاري: جاستا سلاح بلا رصاص. رغم ذلك علينا تطويع المتغيرات للمصلحة العامة

ويدعم هذا الرأي ما كتبه سلمان الأنصاري، رئيس اللوبي السعودي في أميركا، في تدوينات متتابعة على تويتر تعليقا على التصويت لصالح مشروع قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب”، وجاء فيها أن “أكبر المتضررين على الإطلاق من هذا القانون ليست السعودية بل إيران. صحيح أنها في قائمة الإرهاب وأنه بالإمكان مقاضاتها بلا جاستا ولكن هذا القانون سيمنع الرئيس من استخدام الفيتو في حال حكمت المحكمة عليها”.

وتابع الأنصاري، الذي وصف القانون بأنه “سلاح بلا رصاص”، “هنالك قضايا معلقة ضد إيران وبها أدلة دامغة وأحكام قضائية بعشرات المليارات من الدولارات. أما السعودية فليس هنالك أي دليل على تورطها في أي عمل إرهابي”، مؤكدا أنه “رغم ذلك علينا أن نحتاط من مكائد الحلفاء قبل الأعداء” وعلى السعوديين أن يتعاملوا مع هذه المستجدات وفق مبدأ “تطويع المتغيرات للمصلحة العامة لا عبر التهويل والخوف”.

ويعكس حجم الانتقادات والتحليلات التي كتبها المسؤولون والخبراء الأميركيون حجم القلق من توجهات السياسة الخارجية الأميركية، في خطوة ذكرتهم بالأجواء التي سادت قبيل توقيع الاتفاق النووي مع إيران. واعتبر شيت ناجل، العميل السابق في الاستخبارات الأميركية، أنه، وبغضّ النظر عما يقرره القضاء في هذا الشأن، يجب عدم إغفال دور محامي عائلات ضحايا 11 /9، الذين سيحصلون على ما يصل إلى 30 في المئة من المستحقات التي قد يحصل عليها عملاؤهم. و”هؤلاء المحامون عيونهم على المال ويعتقدون أنهم فتحوا مغارة علاء الدين”.

وأضاف “تلك المحاكم نفسها لم يمكنها إثبات تورط المملكة العربية السعودية في رعاية الإرهاب. ومع ذلك، مجلس الشيوخ والكونغرس معنيان بتقديم صورة لهما في عام الانتخابات، وإن كان ذلك باستهداف حليف قوي لهما، بدلا من استهداف إيران، وبذلك فإنهما يضعان الاقتصاد الأميركي والأمن القومي للبلاد في خطر”.

من الداعم الحقيقي للقاعدة

يقول مؤيدو جاستا إنه سيتم تطبيقه بشكل ضيق، ويستهدف السعوديين فقط، باعتبار أن منطلقه كان أحداث 11 سبتمبر؛ لكن من هذا المنطلق يصبح قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” فاقدا للعدالة، فلم تثبت إدانة الدولة السعودية بهذه الأحداث، فالولايات المتحدة الأميركية، وكما أشارت نيويورك تايمز، بما فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي) ولجنة التحقيق بأحداث 11 سبتمبر، أمضت سنوات وأنفقت الملايين من الدولارات على عمليات التحقيق في الهجمات، وحتى الآن لم تعثر على دليل واحد يفيد بأن مسؤولين سعوديين كانوا متورطين في تلك الهجمات. وفشلت لجنة التحقيق في العثور على أي دليل يثبت تورط الحكومة السعودية، كمؤسسة أو مسؤولين كبار، في تمويل تنظيم القاعدة بشكل فردي.

وكان 19 من عناصر تنظيم القاعدة نفذوا، في 11 سبتمبر 2001، باستخدام طائرات ركاب مدنية، هجوما ضد أهداف حيوية داخل الولايات المتحدة، أبرزها برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك؛ ما أدى إلى مقتل الآلاف من الأشخاص. وكان 15 من منفذي هذه الهجمات سعوديون.

لكن ذلك لا يعني، وفق خوان كول، المؤرخ الأميركي والمحلل المختص في قضايا الشرق الأوسط وجنوب آسيا، أن السعودية متورطة، بل بالعكس، مختلف الوقائع التاريخية تثبت أنه لا يمكن أن تكون هناك علاقة بين السعودية والقاعدة.

ويستشهد خوان كولن بأحداث حرب الخليج الثانية (1990-1991) حين اختار الملك فهد بن عبدالعزيز القوات الأميركية للتصدي لدبابات صدام حسين وإخراجها من الكويت. وقد اعترض حينها أسامة بن لادن وعناصر تنظيم القاعدة على “استقدام قوات غير مسلمة إلى شبه الجزيرة العربية” معتبرين ذلك “مخالفا للشريعة الإسلامية”. وذكّر المؤرخ الأميركي بأن السعودية قامت بسحب جواز سفر بن لادن ونفيه، فذهب إلى السودان، لكن لم تدم إقامته هناك حيث ضغطت الرياض على الخرطوم لطرده، فعاد إلى أفغانستان. وكانت الحكومة السعودية غاضبة ومتوجسة منه.

وبعد انتقال بن لادن إلى أفغانستان حصلت القاعدة على دعم كبير من إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغن لمواجهة السوفييت. ويعلق خوان كلو على ذلك بقوله “إذا نظرت محكمة محايدة في المسألة سوف تعتبر “جهاد” ريغن ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان دعما ماديا للإرهاب”. ليختم قائلا “لقد ارتكب الكونغرس الكثير من الأشياء الغبية. ولكن هذا القرار أغباها على الإطلاق. وسوف يعاني الأميركيون العاديون من هذا القانون غير الحكيم”.

لجأ بن لادن عمدا إلى حشد مرتكبي أحداث 11 /9 من السعوديين (رغم أن لديه متطوعين من الكثير من البلدان) على أمل إحداث شرخ بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لجعل كل البلدان أكثر عرضة للإرهاب. وقال إنه فشل في ذلك إلى أن قرر الكونغرس الأميركي تحقيق “وصيته”. وفي المرة القادمة التي تتوجه فيها الولايات المتحدة إلى الرياض لتقول: نحن بحاجة إلى مساعدتكم لتعقب ذلك الشخص في تنظيم القاعدة، فلن تحظى بتفاعل المملكة مع طلبها”.

7