قانون العزل السياسي في تونس بين تحصين الثورة وإثارة الفتنة

الثلاثاء 2014/04/29
قانون العزل السياسي أثار عديد التجاذبات داخل أروقة المجلس التأسيسي

تونس-طفا إلى السطح السياسي التونسي مجددا قانون العزل السياسي، الذي يمنع أعضاء سابقين في حزب التجمع الدستوري المنحل، وترشحوا عنه في انتخابات تشريعية وبلدية وشغلوا مناصب هامة في النظام السابق، من المشاركة في الانتخابات القادمة وتقلد مناصب عليا في الدولة لمدة 10 سنوات. وطالبت العديد من الأصوات بتضمين العزل في القانون الانتخابي الذي بدأ المجلس التأسيسي في التصويت عليه مادة مادة.

وقد أثار هذا المطلب لغطا كثيرا داخل أرجاء المجلس وخارجه، فذهب البعض إلى ضرورة إدراج العزل السياسي في القانون الانتخابي الجديد على اعتبار أنه يتماشى مع مطالب الثورة التي تطمح إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة من منطلق ثوري يعمل على القطع مع النموذج القديم ويحيل على أن التونسيين قد أنجزوا فعلا ثورة.

في حين يرى آخرون أن ترسيخ العزل قانونيا من شأنه أن يجر البلاد إلى فتنة هي في غنى عنها نظرا للعديد من المشاكل التي تعرفها في هذه المرحلة التي تتطلب جهود كل أبنائها.

ونعرض هنا موقفين متباينين من المسألة، الأول لعماد الدائمي أمين عام “حزب المؤتمر من أجل الجمهورية” الذي يذهب إلى أن أغلبية التونسيين تدعم قانون العزل السياسي والثاني للباجي قائد السبسي، رئيس “حركة نداء تونس” الذي وصف قانون العزل السياسي بأنه فتنة ولن ينجح.


من أجل تحصين الديمقراطية

الدايمي: قيادات من "الترويكا" تعرقل هذا القانون


ذهب عماد الدائمي إلى أن أغلبية التونسيين تدعم قانون العزل السياسي الذي تقدم به حزب المؤتمر من أجل الجمهورية منذ أبريل 2012 وحاول مرارا تمريره. واعتقد الدائمي أن القانون تآمر عليه الحلفاء قبل الخصوم وما زالوا يتآمرون ويناورون من أجل إسقاطه أو إفراغه من محتواه.

ورأى الأمين العام لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، أن قمة المفارقة هو أن نجد اليوم قيادات من “الترويكا” تعرقل هذا القانون وتتعهد بإفشاله في نفس الوقت الذي غيّرت فيه موقفها منه أحزاب وشخصيات تحالفت مع المنظومة السابقة وتشابكت مصالحها معها وما زال بعضها مرتبطا ارتباطا عضويا بها، دون شك من منطق الحسابات والشُعبوية، وصارت تنادي علنا بتحصين الثورة من “التجمعيين الخطيرين على الديمقراطية”.

واستغرب الدائمي من أن يواصل البعض مصادمة إرادة الأغلبية من أجل إرضاء الأقلية التي قامت ضدها الثورة الشعبية.وشدّد على أن نواب الحزب حريصون على ألا يتركوا مجالا لأية مناورة لمنع تمرير القانون وسيدافعون عنه دفاعا شرسا.واعتبر الدائمي أن عدم تمرير القانون هو ترك الفرصة أمام رموز النظام البائد وفسح المجال لهم لحكم البلاد ثانية.ورأى أنه من حق نواب الشعب أن يناقشوا نص القانون ويدخلوا عليه بعض التنقيحات، ولكن لن ندخل عليه الآن أية تعديلات لأننا قدمناه منذ أكثر من عام وتم تطويره ووافقنا على ذلك.

وقال عماد الدائمي، نحن لا نتحدث عن مئات الآلاف الذين كانوا يحملون بطاقات انخراط في حزب التجمع إما خوفا أو حماية للنفس والمصالح أو طمعا، ولكننا نتحدث عن بضع مئات كانت لهم مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات في العقود السابقة.وأضاف، من واجبنا التصدي لهؤلاء ومنعهم من الوصول إلى الحكم لحماية الديمقراطية.

وأشار الدائمي إلى أن الثورة عندما قامت رفعت جملة من الشعارات من بينها إسقاط التجمع وخروجه من الحياة السياسية، لأنه ساهم في الكثير من المعاناة للتونسيين في ظل دولة الاستبداد.واعتقد الدائمي أن أغلبية ساحقة من التونسيين ترفض عودة رموز النظام السابق إلى الحكم لأنه تم في السابق تجريبهم ومعرفتهم.

وأضاف أن العديد من الأطراف الآن تمارس ضغطا سياسيا من أجل إسقاط تمرير قانون العزل والإيهام بأن تمريره سيخلق أزمة سياسية وأمنية واستعمال كل الأساليب من تخويف التونسيين بالدماء والحرب الأهلية.وذهب إلى أنه ليس هناك من يرغب في عودة التجمع، فالتونسيون قاموا بثورة ضد نظام كان يحكمه التجمع ولا مجال لعودة رموزه السابقين والمسؤولين عن 23 سنة من الاستبداد. وأقر الدائمي أن في كل البلدان التي صارت فيها ثورات، فإن الطرف الذي قامت ضده ثورة يخرج آليا من الحكم، والبلدان التي لا تحصن ثورتها مهددة برجوع المستبدين كما حصل في رومانيا التي لم تقم بتحصين ثورتها، فعاد النظام القديم أكثر استبدادا. وأكد عماد أن قانون العزل السياسي، تحصين للديمقراطية وأن إبعاد رموز النظام السابق، هو أيضا تحصين للديمقراطية.


إقرار القانون سيثير الفتنة

السبسي: القانون لا يعنينا


رأى الباجي قايد السبسي أن قانون العزل السياسي في تونس والذي تسعى بعض الأطراف السياسية إلى تضمينه في القانون الانتخابي يمهد للفتنة. وأن الفصل الـ15 المتعلق بالعزل السياسي في مشروع القانون الانتخابي، أصبح مصدرا للتفرقة. وأكد على أن أغلبية القوى السياسية في البلاد تسعى إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، وبالتالي فإن هذا الفصل لن ينجح ولن يمر.

وذهب السبسي إلى أن العزل وجد لانتخابات واحدة، هي تلك المتعلقة بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي وأن وظيفة التأسيسي هي سن دستور لكل الأجيال، وكان مطلوبا قطع الطريق أمام أولئك المسؤولين الذين حام حولهم الشك، ولكن المجلس التأسيسي انقلب إلى سلطة تشريعية، وهو أمر خارج عن القانون وانتهت شرعيته بعد السنة الأولى من تلك الانتخابات.

وقال إنه فات الوقت للتفريق بين التونسيين وإقصاء المسؤولين السابقين وأن الوقت هو وقت الجميع والوحدة.وذهب السبسي إلى أنه يقف ضد العزل السياسي من ناحية مبدئية، وليس لأنه يمس من حزب حركة نداء تونس، “فنحن لا يعنينا كما يظن البعض”.

وألمح السبسي إلى أنه إذا كان هناك قانون أو إجراء يمنع التونسي من المساهمة في الحياة السياسية، فهذا يعادل تماما عملية سحب الجنسية منه. ويعتقد أنه ليس من حق أي كان أن يسحب الجنسية إلا القضاء ولهذا فإن القانون في حد ذاته غير مقبول.

وأشار السبسي إلى أن المعطى الجديد الآن هو الدستور الذي لا يسمح بالإقصاء باعتباره قانونا لا دستوريا، الآن لنا هيئة للنظر في دستورية القوانين وستلغي هذا القانون لأنه يتعارض مع الدستور.

وقال رئيس حركة نداء، إن مثل هذا القانون وقع اتخاذه في مصر لكن الهيئة الدستورية العليا ألغته اعتبارا إلى أن العقاب لا يمكن أن يكون جماعيا وأنه لابد من التنصيص على الخطأ أو الجريمة التي ارتكبها هذا أو ذاك، بالإضافة إلى هذا اعتبرت الهيئة العليا المصرية، أن المجلس التشريعي ليس من مهامه اتخاذ مثل هذا القرار، وهذا يتعلق بالفصل بين السلط التشريعية والقضائية، وقد اعتبروا أن هذا الإجراء من أنظار القضاء لأن المُشرع غير مؤهل لاتخاذ مثل هذا القانون ولكل هذه الأسباب نحن ضد هذا.

وأوضح السبسي، أنه من حيث المبدأ يرفض الإقصاء، إقصاء أي كان لا القديم ولا الجديد واعتبر من ناحية أخرى أن الأحزاب التي تتمسك بهذا القانون إنما تبحث عن إزاحة المنافسين من الحراك السياسي وهذا موقف ضُعف وليس موقفا أخلاقيا. ورفض رئيس حركة نداء تونس المعارضة، إقصاء عناصر حزب التجمع الدستوري المنحل من الحياة السياسية. وقال، “إن كل شخص له الحق في المشاركة في الحياة السياسية”. وأضاف، “لن نسمح بإقصاء الدستوريين لأنه ليس من مصلحة تونس، الدستوريون هم من ساهموا في تحرير البلاد وبناء الدولة التونسية الحديثة”.واختتم قوله، بأن “حركة نداء تونس ترحب بأي دستوري في صفوفها”.


تجاذبات التأسيسي التونسي قد تؤجل الانتخابات

قد يساهم إصرار عدد من النواب في المجلس التأسيسي التونسي على إدراج العزل السياسي في القانون الانتخابي في مزيد من الجدل والتجاذبات السياسية مما يحتم عجزا عن إجراء الانتخابات في موعدها أي قبل نهاية سنة 2014.

وبدت الخلافات تظهر للعلن من جديد إثر شروع النواب في مناقشة القانون الانتخابي والتصويت عليه مادة مادة. ويعمل نواب التأسيسي على المصادقة على كامل القانون الانتخابي بعد الانتهاء من المصادقة على جميع مواده وعلى التعديلات المقترح إدخالها عليه.

وتمثّل المصادقة على القانون الانتخابي في تونس إحدى أهم المحطات المنتظرة لتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية وإتمام مسار الانتقال الديمقراطي. ويرى مراقبون أن الخلافات بين النواب حول العزل السياسي ستكرس نوعا من الفرقة مما يتهدد العملية السياسية برمتها وجهود الخروج من المرحلة الانتقالية بأقل الأضرار.

يرى مراقبون أن الخلافات بين النواب حول العزل السياسي، ستكرس نوعا من الفرقة مما يتهدد العملية السياسية برمتها

ولعل أهم نقطة خلافية ستكون محددة لمواقف البعض وردود أفعالهم هي الخلاف حول إقرار العزل السياسي في القانون الانتخابي. وأبانت تصريحات عدد من الزعماء السياسيين عن تحول في الموقف من العزل السياسي أو ما كان يطلق عليه “قانون تحصين الثورة”.

وقد صدم موقف الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية التي أخرجت من الحكم البعض، حيث عبّر الشيخ بكل وضوح عن معارضته للقانون الذي تدعو كثير من الأحزاب إلى تمريره قبل الانتخابات لقطع الطريق أمام عودة الاستبداد. وقال الشيخ، إن حزبه سيصوت ضد قانون تحصين الثورة وأن الحركة ضد أي إقصاء مهما كان وتسعى إلى أن يكون كافة التونسيين جميعا على نفس درجة المساواة.

واعتبر الغنوشي، أن قانون العدالة الانتقالية هو الفيصل في التمييز بين الدستوريين الذين أجرموا سابقا وغيرهم، داعيا إلى تكوين حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات القادمة تضم 90 بالمئة من الأحزاب السياسية.

غير أن المنادين بالعزل السياسي لا يزالون مصرين على موقفهم، وهم تحديدا نواب كتلة “حزب المؤتمر من أجل الجمهورية” وكتلة “حركة وفاء” وعدد من النواب المستقلين.

ويطالب هؤلاء بإعادة إدراج الفصل 15 من القانون الانتخابي السابق الذي ينص على إبعاد كل من تحمل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس السابق باستثناء من لم ينتم من أعضائها إلى التجمع الدستوري الديمقراطي ومن تحمل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد الرئيس السابق ومن ناشد الرئيس السابق الترشح لمدة رئاسية جديدة لسنة 2014.

ويعتقد محللون أن الخلاف بين القوى السياسية حول العزل السياسي وإدراجه في القانون الانتخابي هو في حقيقة الأمر خلاف حول من يتزعم المشهد السياسي في المرحلة القادمة،حيث يسعى رئيس الدولة المنصف المرزوقي ومنافسه رئيس “حزب التكتل” مصطفى بن جعفر إلى استبعاد زعيم “حركة نداء تونس” الباجي قايد السبسي من السباق نحو قصر قرطاج.

12