"قانون الغاب" يحكم التعبير السياسي في الإعلام التونسي

الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري تعجز عن ضمان تكافؤ الفرص في البلاتوهات السياسية.
الاثنين 2019/11/18
وجوه متكررة

لم يكن الأمر يقتضي جهدا ولا آليات رصد ليرى التونسيون سياسيين حضروا أكثر من آخرين في البلاتوهات الإذاعية والتلفزيونية بعد الانتخابات. لقد حضر بعضهم يوميا بل مرات في اليوم الواحد حتى أن صحافيا دوّن، تندرا أو مرارة، أن أحدهم زار خمسة بلاتوهات في يوم واحد. إنه وضع محزن لا يحترم أدنى معايير التعددية السياسية التي تقوم عليها الديمقراطية.

تونس - لا يحتاج الأمر إلى جهد ولا حجج للقول إن الظهور التلفزيوني والإذاعي مصدر مهم من مصادر اكتساب الشرعية الاجتماعية ثم السياسية، ولا أدل على ذلك من ظهور الرئيس التونسي الحالي، قيس سعيد، المتكرر في الإذاعات والتلفزيونات بعد الثورة، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة بوّأته المراتب الأولى في الاستطلاعات منذ 2013.

وحاول القانون منذ 2011 تقنين مسألة الظهور في الإذاعات والتلفزيونات وجاء المرسوم 116 لشهر نوفمبر 2011 الذي يقول في فصله السادس عشر إن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) تسهر على “ضمان حرية التعبير والتعددية في الفكر والرأي خاصة في ما يتعلق بالإعلام السياسي”. ويُلزم المرسومُ الهايكا بإعداد تقارير دورية لبيان “المدة الزمنية التي استغرقتها مداخلات الشخصيات السياسية… في برامج المنشآت السمعية البصرية”.

ما الذي فعلته الهايكا إلى الآن في ذلك الصدد؟ لا شيء يُذكر إذ أن التقارير المسماة دورية هي تقارير عرضية ترصد أياما قليلة من البث، مثل التقرير الذي سبق الحملة الانتخابية وهو تقرير رصد يومين فقط من التدخلات السياسية (16 و17 يوليو)، ولا تفعل الهايكا أكثر من الرصد العرضي دون اتخاذ أي إجراء في التجاوزات التي رصدتها.

ولا يمكن للهايكا أن تتخذ أي إجراء ولو حرصت لسببين. أما الأول فهو أن الرصد العرضي الذي يثبت إخلالا على امتداد أيام معدودة يفترض أن وسائل الإعلام تنصاع للمساواة بين المتدخلين يوميا. ولا يكون ذلك إلا بإحضار السياسيين جميعهم في ذلك اليوم لتحقيق المساواة ثم معاينتها، وهو أمر مضحك ولا معنى له. ولا يمكنها تحقيق المساواة أو التكافؤ لأنها لم تضبط فترة محددة كأن تكون أسبوعا أو شهرا أو سنة للتحقق من معدل المداخلات. فلا يمكن إذن بالمنطق أن تتهم الهايكا أي مؤسسة بالإخلال بناء على برمجة يومين.

الإذاعات والتلفزيونات تعالج الشؤون العامة لا كما تقتضيه المهنة بالأخبار والربورتاجات بل بالتركيز على دعوة المسؤولين الحكوميين

وأما السبب الآخر فهو أن الهايكا لم تضبط، لا بالقانون ولا بالعرف، الفترة الزمنية المتاحة لكل فريق سياسي للحديث في الإذاعات والتلفزيونات تُحَدد في ضوئها الإخلالات. فهي لا تقول مثلا إن الوقت يُوزع مساواة بين المتدخلين السياسيين ولم تقل إن كانت المساواة تُحتسب بالنظر إلى الأحزاب أو إلى تقسيم آخر يكون قائما على التفريق بين من هم في السلطة وبين من هم في المعارضة، وإن كانت مساواة مفروضة في آن على من يبث خمس ساعات سياسة أسبوعيا ومن يبث أربعين.

خلاصة القول إن المرسوم 116 في فصله السادس عشر حبر على ورق. إنه قانون الغاب في شأن مدة التعبير السياسي خارج الفترة الانتخابية. ففي التقرير الذي أنجزته الهايكا يومي 16 و17 يوليو نكتشف أن القنوات التلفزيونية أعطت الحكومة أكثر من ثلثي الوقت (68 بالمئة) والربع فقط لما تسميه الهايكا “الأحزاب” ونحو العشر لرئاسة الجمهورية، مما يعني أن ثلاثة أرباع الوقت (76 بالمئة) استولت عليها السلطة التنفيذية.

هو إذن إطار غامض غموضا شديدا بلا رصد زمني محدد ولا معايير في توزيع الكلمة السياسية بأدوات منهجية دقيقة. فإذا نظرنا في الفئات الثلاث المستخدمة في قياس مدة الكلام، الحكومة والأحزاب ورئاسة الجمهورية، نرى أنها فئات متداخلة لا تسمح بتصنيف دقيق. فأين نضع المتكلمين من النواب وما أكثرهم؟ هل في فئة الأحزاب؟ وإن فعلنا فمن نصنف في فئة الحكومة؟ أليس أعضاء الحكومة، المتحدثون في الإذاعات والتلفزيونات، من الأحزاب؟

وهل من المعقول، إذا افترضنا أن التقسيم سليم، أن تخص التلفزيوناتُ الحكومةَ بثلاثة أرباع الوقت في البرامج الإخبارية السياسية؟ هل يعبر هذا عن التعددية السياسية في معالجة الشؤون العامة إخباريا؟ ويثير هذا الأمر في الواقع معضلة إعلامية تتمثل في أن الإذاعات والتلفزيونات تعمد أحيانا كثيرة إلى معالجة الشؤون العامة لا كما تقتضيه المهنة بالأخبار والربورتاج وغيرهما من أشكال الصياغة الإخبارية بل بالتركيز المفرط على دعوة المسؤولين الحكوميين إلى البلاتوهات للحديث معهم عما ينبغي أن يعرضه الصحافي في منتوجاته الميدانية.

ويتحول بتلك الطريقة ما كان ينبغي أن يكون إنتاجا صحافيا، تضبطه المهنة والأخلاقيات، إلى خطاب سياسي ينتجه الضيف في البلاتوه وإن كان بحضور معلقين ينتجون هم أنفسهم خطابا سياسيا وإن كان ذا بعد صحافي متلاش. ويبرز هذا الأمر أن الهايكا فشلت لا في توزيع الكلام فقط، لفرض التعددية السياسية، بل أسهمت في أن تكون معالجة الشؤون العامة معالجة سياسية لا معالجة صحافية.

لقد حان الوقت لتعديل المشهد بل قد يكون فات. لم يعد مقبولا أن تُترك الكلمة للسياسيين يحضرون البلاتوهات على هواهم أو يُحضرونهم لأسباب لا نعلمها، وإن حسنت النوايا، فالسياسة لا تُعدل بحسنها بل بأعراف وقوانين يعلمها الجميع ويتصرفون في ضوئها ويُساءلون إن هم أخلوا بها. لم يعد مقبولا مثلا أن يظهر رئيس ائتلاف الكرامة كل يوم في الإذاعات والتلفزيونات لأن التعددية تُعدم على ذلك النحو كما تُعدم بإسكات الأقليات.

Thumbnail

وجب على الهايكا، أو الهيئة التي سترثها، فعل أمرين عاجلين وضروريين. الأول أن تصدر نصا يضبط توزيع الوقت بين السياسيين، كما يمكنها العمل بالعرف. يمكنها أن تستأنس بالتجربة الفرنسية التي تضبط زمن الكلام بصرامة أو بالتجربة البلجيكية التي تترك فيها الهيئة التعديلية للناشرين وللسياسيين فرصة الاتفاق على تحديد الوقت المتاح لكل فريق.

في التجربة الفرنسية مخرج من مضيق تقسيم الطيف السياسي لأن الكلام مقسم ثلثا للسلطة التنفيذية وثلثين لبقية القوى السياسية حسب وزنها. فرئيس الجمهورية والوزير الأول والوزراء فئة متجانسة تجمعها السلطة وبقية القوى الأخرى بأحزابها البرلمانية وغير البرلمانية، مع الفاعلين السياسيين الآخرين، فئة متجانسة كذلك بوجودها خارج السلطة التنفيذية. وليس التقسيم مشكلا في تونس إذا اتفق الفاعلون السياسيون في المدة المتاحة لكل فريق.

أما الأمر الآخر العاجل والضروري فهو أن تكون عملية الرصد يومية لا تستثني أحدا، تُحصي كل ثانية من الكلام السياسي في الإذاعات والتلفزيونات، وللهايكا أن تختار دورية التقارير وإن كان محبذا أن تكون شهرية ترفعها إلى البرلمان والأحزاب دون غيرهما، لاستبعاد السلطة التنفيذية من التدخل في الشؤون الإعلامية. ولتكون العملية مجدية لا بد للهايكا من آلية قانونية تسائل بها المتجاوزين، ولا ينبغي أن تكون خطايا مالية فهي مفسدة للإعلام وللسياسة ولا إيقاف برامج إذ يمكن الإبقاء على جوهرها مع تغيير العنوان والديكور.

صحيح أن لعملية الرصد اليومية كلفة غير أنه لا أحد بخل على الهايكا التي كانت ميزانيتها في عامها الأول نحو خمسة ملايين دينار وكان عليها انتداب العدد الكافي من الراصدين من بنات معهد الصحافة وأبنائه الذين لا يجد أغلبهم فرصة عمل بعد تكوين مختص. ثم إنه لا كلفة للديمقراطية مهما ارتفعت ولا ديمقراطية بلا تعددية سياسية.

هناك رهبة لدى بعض الصحافيين من توزيع الكلمة السياسية باعتماد وقت صارم إذ يعتقد البعض خطأ أن ذلك سيمكن الهايكا من التدخل في اختيار الضيوف في حين يعتقد البعض الآخر أن الوقت الصارم سيحرمهم من استضافة سياسيين عندما تقتضي مجريات الأحداث ذلك، لبلوغهم الوقت المتاح لهم أو لأحزابهم. لن تتدخل الهايكا أبدا في اختيار الضيوف فلا معنى لذلك بل ستراقب احترام الوقت المحدد لكل فريق.

ولن يمنع الوقت الصارمُ الصحافيّ من اختيار ضيوف سياسيين عندما تقتضي مجريات الأحداث إلا إذا أفرط الصحافي في دعوة بعضهم بسبب وبلا سبب. فالمسألة تتعلق ببرمجة دقيقة وبحسن التصرف فيها. ومنطق القانون هو ذاك، أي أن أفعالنا تقع بين الإجبار على الفعل والإجبار على الترك. وهي فرصة للتقليل من تخمة إحضار بعض السياسيين على حساب التعددية وفرصة للتركيز على العمل الصحافي النبيل الذي يبجل نقل الوقائع على نقل الأقوال وحتى لا يكرر المتلقون القولة المشهورة “الوجوه نفسها في التلفزيون”.

هي خطوات لن يصلح حال التعددية الإعلامية إلاّ بها. لكن يبدو أن هذا آخر ما يشغل أهل السلطة طالما أنهم يستحوذون على أكثر من ثلاثة أرباع الوقت في التلفزيون، بصمت هيئة ماتت دستوريا يوم الأربعاء 13 نوفمبر بعد أن أبقوها في الإنعاش سنوات.

18