قانون المصالحة الاقتصادية في تونس ينذر بخريف سياسي ساخن

الأحد 2015/08/23
معارضة قانون المصالحة الاقتصادية في تونس قد تتجاوز أسوار مجلس النواب وتتحول إلى مسيرات شعبية

تونس - يتوقع خبراء ومحللون تونسيون أن يصاحب جدل كبير انطلاق السنة البرلمانية في تونس، في شهر سبتمبر القادم، بسبب قانون المصالحة الوطنية المقدم من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي من أجل المصادقة عليه. ويقول المراقبون إن هذا الجدل سيتجاوز قبة مجلس نواب الشعب ليكون الموضوع الأبرز في الشارع التونسي.

وأحدث قانون المصالحة الاقتصادية ضجة بين مختلف الكتل البرلمانية منذ وصوله إلى البرلمان، حيث توحدت المعارضة التونسية حول قرار رفض مشروع قانون المصالحة الاقتصادية وعملت على تكوين جبهة من أجل التصدي لتمريره. في الأثناء تغيب المواقف الرسمية عن الكتل ذات الأغلبية والمشاركة في الحكومة، ومن أبرز المتغيّبين كتلة حركة النهضة والاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس.

وقال النائب بالجبهة الشعبية نزار عمامي، في تصريح صحفي، إن الجبهة، مرفوقة بعدد من الأحزاب والنواب المستقلين، ستسخّر كافة جهودها من أجل دفع الباجي قائد السبسي إلى سحب هذا القانون قبل عرضه على أنظار الجلسة العامة؛ مضيفا أن هذا القانون غير دستوري في ظل وجود قانون العدالة الانتقالية وهيئة الحقيقة والكرامة التي بإمكانها تسريع النظر في الملفات المطروحة عليها عوضا عن اللجوء إلى هذا القانون.

ويقضي قانون المصالحة الاقتصادية الذي تقدم به الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بالعفو عن رجال أعمال، متهمين في قضايا فساد مالي في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ودفعهم للاستثمار من جديد لإعادة إدماجهم في الدورة الاقتصادية.

ويرى المراقبون أن وسيلة الضغط بالنسبة إلى قوى المعارضة تبقى ضعيفة باعتبار أن الأغلبية المطلقة يمثلها نواب الائتلاف الحاكم الذين وإن لم يصرحوا بعد بمساندتهم للقانون من عدمه، إلا أنهم قد يستخدمون هذا المعطى كورقة ضغط على حزب نداء تونس الذي يدفع بقوة من أجل تمرير هذا القانون.

السبسي يبحث عن حوافز عملية تنخرط فيها جميع الأطراف من أجل تحريك عجلة الاقتصاد الكارثية في البلاد وإنقاذ صورته التي بدأت تهتز بسبب عدم الوفاء بوعوده الانتخابية حتى الآن

فحركة النهضة التي بدأت تستشعر توجه شريكها في الحكم نحو تقليص حضورها داخل أجهزة الدولة عبر دعواته المتكررة لمراجعة تعيينات الترويكا والتي تصب أساسا عند تعيينات الحركة الإسلامية فترة حكمها، قد تستخدم هذا القانون من أجل الضغط على نداء تونس من أجل التغاضي على هذا المطلب مقابل كسب دعمها الذي سيكون له ثقله لا سيما، وهي القوة البرلمانية الثانية.

في الأثناء يدرك نواب المعارضة التونسية صعوبة المهمة ضمن منطق الأغلبية والأقلية داخل مجلس النواب وهو ما حملهم على التلويح بأن تتجاوز تحركاتهم أسوار البرلمان مع إشراك هيئة الحقيقة والكرامة. كما اتخذ نواب المعارضة قرارات هامة حتى الآن على غرار مقاطعة جلسات اللجان الثلاث التي ستعمل على مناقشة القانون قبل مروره على أنظار الجلسة العامة.

وكان لهذه التحركات صداها لدى قيادات نداء تونس حيث رد محسن مرزوق، الأمين العام لحزب نداء تونس، والمستشار السياسي السابق للرئيس قائد السبسي، بالتذكير باللجوء إلى قانون حالة الطوارئ المعمول به حاليا ضد كل من تخوّل له نفسه التظاهر في الشارع ضد هذا المشروع. بدوره، اعتبر رضا بلحاج، مدير الديوان الرئاسي، المعترضين على مشروع المصالحة أقلية منهزمة في الانتخابات وانتقد دعوات التجييش والنزول للشارع ضد مؤسسات منتخبة.

ويذهب المحللون إلى التأكيد على أن كل المؤشرات تفيد أن هذا القانون، الذي أحدث هذا القدر من الجدل ومازال، سينتهي إلى المصادقة عليه لأن الباجي قائد السبسي يسعى جاهدا، تحت وطأة ازدياد وتيرة الحرب على الإرهاب والضغوطات التي تمارس على تونس، من قبل المؤسسات الدولية المانحة والدول الغربية، والمصاعب الاقتصادية في الداخل، إلى أن يلملم الوضع بين مكونات المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بشكل يطوي الملفات الكبرى التي مازالت محل خلاف وسيقدم الكثير من أجل تمريره.

ويبحث السبسي عن حوافز عملية تنخرط فيها جميع الأطراف من أجل تحريك عجلة الاقتصاد الكارثية في البلاد، كما أنه لن يخسر رهانه الأخير الموكول على رجال الأعمال لإنقاذ صورته التي بدأت تهتز بسبب عدم الوفاء بوعوده الانتخابية حتى الآن.

ويعتبر المراقبون لمسارات العدالة الانتقالية القانون بمثابة طيّ لملفات الفساد والإثراء الفاحش على حساب الشعب المفقّر بل وطيّ لملفات التواطؤ مع الإرهاب ولا سيما التساهل مع الأبحاث المتعطلة والمتعثرة إلى الآن بشأن قتلة الزعيمين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

من جهة أخرى يلقى هذا القانون صدى في الفضاء الافتراضي حيث أطلق نشطاء في المجتمع المدني وحقوقيون عريضة إلكترونية عبر الشبكات الاجتماعية بهدف جمع توقيعات ترفض مشروع المصالحة مع من اعتبروهم متورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام في عهد النظام السابق.

2