قانون المصالحة التونسي يحدث شرخا في هيئة الحقيقة والكرامة

مازالت مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي التي تسعى إلى الحسم نهائيا في ملف المصالحة تثير جدلا بين الفاعلين السياسيين، ويبدو أن الجدل والخلافات تصاعدا بين أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بمتابعة هذا الملف المحوري.
الأربعاء 2015/08/05
الديمقراطية في تونس لن تتحقق بعدالة انتقامية

تونس - أحدث مشروع قانون المصالحة الذي بادر بطرحه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في 20 مارس الماضي، شرخا داخل هيئة الحقيقة والكرامة، وانقساما بين أعضائها أثر على اصطفافاتها وتماسك عملها ودورها، وسط استمرار الجدل حول هذا المشروع الذي يٌنتظر أن يُناقشه مجلس نواب الشعب (البرلمان) تمهيدا للمصادقة عليه.

وهيئة الحقيقة والكرامة، التي تترأسها سهام بن سدرين، ستشرف على تطبيق قانون العدالة الانتقالية للنظر في ما يتردد عن تجاوزات حقوق الإنسان بين 1 يوليو 1955 و24 ديسمبر 2013، تاريخ صدور هذا القانون، أي بداية من الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، ثم حكم الحبيب بورقيبة، مرورا بعهد زين العابدين بن علي، وانتهاء بحكومة الترويكا.

وتطور هذا الانقسام بعد أن تبنى مجلس الوزراء التونسي في 14 يوليو الماضي مشروع هذا القانون الذي يحمل اسم “مشروع قانون أساسي يتعلق بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي”، واتخذ أشكالا متنوعة تخللها تبادل الاتهامات بين أعضاء هذه الهيئة الحكومية المستقلة التي بدأت أعمالها في أعقاب أداء أعضائها اليمين الدستورية في 6 يونيو من العام الماضي.

واعتبر مُحللون أن هذا الانقسام الذي تشهده هيئة الحقيقة والكرامة، مُرشح لأن يتفاعل أكثر فأكثر، بما يُنذر بتصدع هذه الهيئة التي ترأسها الحقوقية التونسية سهام بن سدرين التي رفضت مشروع القانون المذكور.

وتستمد هذه التوقعات مشروعيتها من المواقف الحادة والمتناقضة التي عبّر عنها أعضاء هذه الهيئة، وخاصة منهم زهير مخلوف الذي لم يتردد في وصف مواقف رئيسة الهيئة سهام بن سدرين، والناطق الرسمي باسمها خالد الكريشي، بـ”الهرطقة السياسية”.

هيئة الحقيقة والكرامة تتمسك برفضها لقانون المصالحة الوطنية خوفا من تجاوز أحكام العدالة الانتقالية

واعتبر زهير مخلوف عضو هيئة الحقيقة والكرامة قبل يومين، أن تصريحات سهام بن سدرين وخالد الكريشي بشأن مشروع قانون المصالحة، تعكس “هرطقة سياسية وبداية انحراف عن مبادئ الهيئة”.

وكان خالد الكريشي قد حذر في تصريحات سابقة من أن مشروع قانون المصالحة قد يؤدي إلى اندلاع “ثورة شعبية أكثر دموية”، على حد تعبيره، فيما تمسكت سهام بن سدرين برفض مشروع القانون المذكور باعتباره “يُفرغ منظومة العدالة الانتقالية من محتواها”.

وفيما يتجدد الانقسام مرة أخرى داخل هذه الهيئة، برز خلال الأيام القليلة الماضية شبه إجماع لدى الأوساط السياسية على أهمية هذا المشروع وسط استفاقة سياسية من السبات الذي خيّم على ملف المُصالحة، ما سمح بظهور نزعة التشفي والانتقام، وشيطنة رجال الأعمال والسياسيين، الأمر الذي بات يُهدد وحدة النسيج الاجتماعي في البلاد، وأضر كثيرا بالعملية الاقتصادية.

ودفعت هذه الاستفاقة بملف المصالحة الوطنية في البلاد إلى واجهة الأحداث، ليصبح الآن واحدا من أهم الملفات المطروحة على الساحة السياسية التونسية، لجملة من الاعتبارات الجوهرية، حيث جدد المكتب التنفيذي لحركة نداء تونس قبل يومين، التأكيد على دعمه ومساندته لهذا المشروع.

وقال فوزي اللومي القيادي في حركة نداء تونس، إن دعم حركته لهذا المشروع يستند إلى أهميته البالغة في زحزحة أوضاع البلاد وتفكيك الضبابية التي يحول تواصلها دون تحقيق انتعاشة حقيقية، مُعتبرا في هذا السياق أن الإسراع في غلق ملف المصالحة من شأنه “توجيه رسائل إيجابية قوية للمستثمرين الأجانب وشركاء تونس في الخارج تدلل على أن البلاد دخلت فعليا مرحلة المؤسّسات الدائمة ودولة القانون والمؤسسات”.

زهير مخلوف: تصريحات بن سدرين والكريشي هرطقة سياسية

وقبل ذلك، اعتبر مُحسن مرزوق الأمين العام لحركة نداء تونس، أن المشروع يهدف إلى إحداث إصلاحات هيكلية وجوهرية “مؤلمة” بهدف العفو والمصالحة السياسية الشاملة.

وكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي قد أعلن في 20 مارس الماضي عن هذا المشروع الذي وُصف في حينه بـ”الخطوة التاريخية”، لاسيما وأنه تزامن مع مبادرة تستهدف استصدار قانون عفو عام يشمل طيلة فترة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (1956-1987)،وفترة حكم الرئيس الأسبق بن علي (1987-2011)، وكذلك فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية (2012-2014).

ويتضمن مشروع قانون المصالحة الوطنية، ثلاثة أبواب إجرائية، إلى جانب تنصيصه على إحداث لجنة مصالحة، حيث يتعلق الباب الأول بالعفو عن الموظفين العموميين بخصوص الأفعال المتعلقة بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام لم تكن تهدف إلى تحقيق منفعة شخصية مع استثناء الرشوة والاستيلاء على الأموال العمومية من الانتفاع بهذه الأحكام، والثاني يتعلق بالصلح بالنسبة إلى المستفيدين من أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام، بينما يتعلق الثالث بالعفو عن مخالفات تراتيب الصرف بهدف تسوية الوضعيات العالقة وتعبئة موارد من النقد الأجنبي لفائدة الدولة، وللانتفاع بهذا الإجراء يجب التصريح بالمكاسب والمداخيل.

ويُنتظر أن يتم خلال الأيام القليلة القادمة تشكيل لجنة تضم عددا من الخبراء لدراسة هذا المشروع قبل عرضه على البرلمان للمصادقة عليه قبل نهاية العام الجاري.

2